في بيان أن الله تعالى لا يشبه شيئاً من مخلوقاته
-قال القاضي أبو الفضل : وفقه الله ، وها أنا أذكر نكتةً أذيل بها هذا الفصل ، وأختم بها هذا القسم ، وأزيح الإشكال بها فيما تقدم عن كل ضعيف الوهم ، سقيم الفهم ، تخلصه من مهاوي التشبيه ، و تزحزحه عن شبه التمويه ، وهو أن يعتقد أن الله تعالى جل اسمه في عظمته وكبريائه وملكوته ، وحسنى أسمائه ، وعلي صفاته ، لا يشبه شيئاً من مخلوقاته ، ولا يشبه به ، وأن ما جاء مما أطلقه الشرع على الخالق وعلى المخلوق ، فلا تشابه بينهما في المعنى الحقيقي ، إذ صفات القديم بخلاف صفات المخلوق ، فكما أن ذاته لا تشبه الذوات كذلك صفاته لا تشبه صفات المخلوقين ، إذ صفاتهم لا تنفك عن الأعراض والأغراض ، وهو تعالى منزه عن ذلك ، بل لم يزل بصفاته وأسمائه ، وكفى في هذا قوله :( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (الشورى : 11 ) .
ولله در من قال من العلماء العارفين المحققين : التوحيد إثبات ذات غير مشبهة للذوات ولا معطلة عن الصفات .
و زاد هذه النكتة الواسطي ـ رحمه الله ـ بياناً ، و هي مقصودنا ، فقال : ليس كذاته ذات ، ولا كإسمه اسم ، ولا كفعله فعل ، ولا كصفته صفة ، إلا من جهة موافقة اللفظ اللفظ ، وجلت الذات القديمة أن تكون لها صفة حديثة ، كما استحال أن تكون للذات المحدثة صفة قديمة .
وهذا كله مذهب أهل الحق والسنة والجماعة رضي الله عنهم .
-وقد فسر الإمام أبو القاسم القشيري رحمه الله ـ قوله هذا ، ليزيد بياناً ، فقال : هذه الحكاية تشتمل على جوامع مسائل التوحيد ، وكيف تشبه ذاته ذات المحدثات ، وهي بوجودها مستغنية ، وكيف يشبه فعله فعل الخلق ، وهو لغير جلب أنس ، أودفع نقص حصل ، ولا لخواطر وأغراض وجد ، ولا بمباشرة ومعالجة ظهر ، وفعل الخلق لا يخرج عن هذه الوجوه .
-وقال آخر ـ من مشايخنا : ما توهمتموه بأوهامكم ، أو أدركتموه بعقولكم فهو محدث مثلكم .
-وقال الإمام أبو المعالي الجويني : من اطمأن إلى موجود انتهى إليه فكره ، فهو مشبه ، ومن اطمأن إلى النفي المحض فهو معطل وإن قطع بموجود اعتراف بالعجز عن درك حقيقته فهو موحد .
-وما أحسن قول ذي النون المصري : حقيقة التوحيد أن تعلم أن قدرة الله تعالى في الأشياء بلا علاج ، وصنعه لها بلا مزاج ، وعلة كل شيء صنعه ، ولا علة لصنعه ، وما تصور في وهمك فالله بخلافه .
وهذا كلام عجيب نفيس محقق ، والفصل الآخر ، تفسير لقوله : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (الشورى : 11 )
و الثاني، تفسير لقوله :( (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) (الأنبياء : 23 ) و الثالث ، تفسير لقوله : (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (النحل : 40 ) .
ثبتنا الله وإياك على التوحيد و الإثبات ، والتنزيه ، وجنبنا طرفي الضلالة والغواية من التعطيل والتشبيه بمنه ورحمته .
