في بيان شبهة ترد على ما تقدم
فإن قلت : إذا تقرر من دليل القرآن ، وصحيح الأثر ، وإجماع الأمة ـ كونه أكرم البشر ، وأفضل الأنبياء ـ فما معنى الأحاديث الواردة بنهيه عن التفضيل ؟ كقوله ـ فيما حدثنا الأسدي، قال : حدثنا السمرقندي ، حدثنا الفارسي ، حدثنا الجلودي ، حدثنا ابن سفيان ،حدثنا مسلم ،حدثنا ابن مثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن قتادة : سمعت أبا العالية يقول : حدثني ابن عم نبيكم صلى الله عليه وسلم ـ يعني ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال : ما ينبغي لعبد أن يقول : أنا خير من يونس بن متى .
-وفي غير هذا الطريق عن أبي هريرة قال ـ يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ينبغي لعبد ... الحديث .
-وفي حديث أبي هريرة ـ في اليهودي الذي قال : والذي اصطفى موسى على البشر ، فلطمه رجل من الأنصار ، وقال : تقول ذلك و رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا . فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : لا تفضلوا بين الأنبياء .
-وفي رواية : لا تخبرني على موسى فذكر الحديث .
وفيه : ولا أقول : إن أحداً أفضل من يونس بن متى .
-رواية عن أبي هريرة : من قال : أنا خير من يونس بن متى فقد كذب .
-رواية عن ابن مسعود : لا يقولنَّ أحدكم أنا خير من يونس بن متى .
-وفي حديثه الآخر : فجاءه صلى الله عليه وسلم رجل ، فقال له : يا خير البرية ، فقال : ذاك إبراهيم . . . .
*فاعلم أن للعلماء في هذه الأحاديث تأويلات :
أحدها : أن نهيه عن التفضيل كان قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم ، فنهى عن التفضيل ، إذ يحتاج إلى توقيف ، و أن من فضل بلا علم فقد كذب .
-وكذلك قوله : لا أقول إن أحداً أفضل منه ـ لا يقتضي تفضيله هو ، وإنما هو في الظاهر كف عن التفضيل .
الوجه الثاني : أنه قاله صلى الله عليه وسلم على طريق التواضع ، ونفى التكبر والعجب ، وهذا لا يسلم من الإعتراض .
الوجه الثالث : ألا يفضل بينهم تفضيلاً يؤدي إلى تنقص بعضهم ، أو الغض منه ، لا سيما في جهة يونس عليه السلام ، إذ أخبر الله عنه بما أخبر لئلا يقع في نفس من لا يعلم منه بذلك غضاضة وانحطاط من رتبته الرفيعة ، إذ قال تعالى عنه :(إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) (الصافات : 140 ) . ((وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (الأنبياء : 87 )) ـ فربما يخيل لمن لا علم عنده حطيطته ، بذلك .
الوجه الرابع : منع التفضيل في حق النبوة والرسالة ، فإن الأنبياء فيها على حد واحد ، إذ هي شيء واحد لا يتفاضل ، وإنما التفاضل في زيادة الأحوال والخصوص ، والكرامات ، والرتب ، والألطاف ، وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل ، وإنما التفاضل بأمور أخر زائدة عليها ، ولذلك منهم رسل ، ومنهم أولو عزم من الرسل ، ومنهم من رفع مكاناً علياً ، ومنهم من أوتي الحكم صبياً ، وأوتي بعضهم الزبر ، وبعضهم البينات ، ومنهم من كلم الله ، ورفع بعضهم فوق بعض درجات ، قال الله تعالى : (َلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً) (الإسراء : 55 )
وقال : (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) _ (سورة البقرة 253 ) .
-قال بعض أهل العلم : والتفضيل المراد لهم هنا في الدنيا ، وذلك بثلاثة أحوال :
أن تكون آياته ومعجزاته أبهر ، وأشهر ، أو تكون أمته أزكى وأكثر ، أو يكون في ذاته أفضل وأطهر ، وفضله في ذاته راجع إلى ما خصه الله به من كرامته ، واختصاصه من كلام أو خلة او رؤية أو ما شاء الله من ألطافه ، وتحف ولايته واختصاصه .
-وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن للنبوة أثقالاً ، و إن يونس تفسخ منها تفسخ الربع فحَفِظَ رسول الله صلى الله عليه وسلم موضع الفتنة ، من أوهام من يسبق إليه بسببها حرج في نبوته ، أو قدح في اصطفائه ، وحطّ عن رتبته ، ووَهْن في عصمته ، شفقة منه صلى الله عليه وسلم على أمته .
وقد يتوجه على هذا الترتيب ، وجه خامس ، و هو أن يكون = أنا = راجعاً إلى القائل نفسه ، أي لا يظن أحد ـ و إن بلغ من الذكاء والعصمة والطهارة ، ما بلغ ـ أنه خير من يونس ، لأجل ما حكى الله عنه ، فإن درجة النبوة أفضل وأعلى ، وإن تلك الأقدار لم تحطه ، عنها حبة خردل ولا أدنى .
و سنزيد في القسم الثالث في هذا بياناً إن شاء الله تعالى .
فقد بان لك الغرض ، وسقط بما حررناه شبهة المعترض ،و بالله التوفيق ، وهو المستعان لا إله إلا هو
