فيما أظهره الله تعالى في كتابه العزيز من كرامته عليه و مكانته عنده و ما خصه الله به من ذلك سوى ما انتظم فيما ذكرناه قبل
ومن ذلك ما قصه تعالى في قصة الإسراء في سورة :
سبحان ، و النجم ، و ما انطوت عليه القصة من عظيم منزلته و قربه و مشاهدته ما شاهد من العجائب .
ومن ذلك عصمته من الناس بقوله تعالى : (َاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) ـالمائدة : 67 ـ . و قوله تعالى : ((وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) ـالأنفال : 30ـ
و قوله : (إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ـالتوبة : 40 ـ
وما رفع الله به عنه في هذه القصة من أذاهم بعد تحزبهم لهلكه وخلوصهم نجيا في أمره ، والأخذ على أبصارهم عند خروجه عليهم ، وذهولهم عن طلبه في الغار ، وما ظهر في ذلك من آيات ، و نزول السكينة عليه ، و قصة سراقه بن مالك حسب ما ذكره أهل الحديث والسير في قصة الغار ، وحديث الهجر ة .
ومنه قوله تعلى : (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ * )) ـالكوثرـ
أعلمه الله تعال بما أعطاه . والكوثر حوضه .
وقيل : نهر في الجنة . وقيل الخير الكثير . وقيل : الشفاعة وقيل : المعجزات الكثيرة . وقيل : النبوة . و قيل : المعرفة . ثم أجاب عنه عدوه ، ورد عليه قوله ، فقال تعالى :( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) ، أي عدوك ومبغضك .
والأبتر : الحقير الذليل ، أو المفرد الوحيد ، أو الذي لاخير فيه .
وقال تعالى :( (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) ـالحجر : 87 ـ .
-قيل : السبع المثاني السور الطوال الأول .
والقرآن العظيم : أم القرآن . وقيل : السبع المثاني : أم القرآن . والقرآن العظيم : سائره . و قيل : السبع المثاني : ما في القرآن ، من أمر ، ونهى ، وبشرى ، وإنذار ، وضرب مثل ، وإعداد نعم ، وآتيناك نبأ القرآن العظيم .
-وقيل : سميت أم القرآن مثاني لأنها تثني في كل ركعة . وقيل : بل الله تعالى اثتثناها لمحمد صلى الله عليه وسلم ، و ذخرها له دون الأنبياء .
-وسمي القرآن مثاني : لأن القصص تثني فيه . و قيل : السبع المثاني : أكرمناك بسبع كرامات : الهدي والنبوة ، والرحمة ، والشفاعة ، والولاية ، والتعظيم ، والسكينة . وقال : ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) ـالنحل : 44 ـ
-وقال تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)ـسبأ : 28 ـ.+
-وقال تعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) ـالأعراف : 158 ـ
- قال القاضي : فهذه من خصائصه .
-وقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ـإبراهيم : 4 ـ فخصهم بقومهم ، و بعث محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الخلق كافة ، كما قال صلى الله عليه وسلم : [ بعثت إلى الأحمر و الأسود ] .
-وقال تعالى : (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً) ـالأحزاب : 6 ).
- قال أهل التفسير :( أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ): أي ما أنفذه فيهم من أمر فهو ماض عليهم كما يمضي حكم السيد على عبده .
-وقيل : اتباع أمره أولى من اتباع رأي النفس .( وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)، أي هن في الحرمة كالأمهات ، حرم نكاحهن عليهم بعده ، تكرمة له وخصوصية ، و لأنهن له أزواج في الآخرة .
-وقد قرىء : و هو أب لهم . و لا يقرأ به الآن لمخالفته المصحف .
-وقال الله تعالى :( وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) ـالنساء : 113 ـ
قيل : فضله العظيم بالنبوة . و قيل : بما سبق له في الأزل . وأشار الواسطي إلى أنها إشارة إلى احتمال الرؤية التي لم يحتملها موسى ، صلى الله عليهما .
الباب الثاني
في تكميل الله تعالى له المحاسن خلقاً و خلقاً و قرانه جميع الفضائل الدينية و الدنيوية فيه نسقاً
وفيه 23 فصلا:
1- في اجتماع خصال الكمال والجلال فيه صلى الله عليه وسلم
2- في تفصيل هذه الخصال المحمودة : صفاته الجسمية صلى الله عليه وسلم
3- في نظافة جسمهصلى الله عليه وسلم ، و طيب رائحته ، و نزاهته عن الأقذار و عورات الجسد
4- رجاحة عقله وفصاحة لسانه صلى الله عليه وسلم
5- فصاحة لسانه ، و بلاغة قولهصلى الله عليه وسلم
6- شرف نسبه وكرم بلده ومنشئهصلى الله عليه وسلم
7 – حالتهصلى الله عليه وسلم في الضروريات
8- في الخصال المكتسية من الأخلاق الحميدة
9- في بيان أصول هذه الأخلاق و تحقق وصف النبي صلى الله عليه وسلم بها
10- في الفرق بين الحلم والإحتمال ، والعفو مع القدرة ، والصبر على ما يكره
11- في معاني الجود و الكرم ، و السخاء و السماحة
12- في الشجاعة و النجدة
13- في حسن عشرتهصلى الله عليه وسلم وأدبه و بسط خلقه
14- في شفقته صلى الله عليه وسلم ورأفته ورحمته لجميع الخلق
15- خلقهصلى الله عليه وسلم في الوفاء وحسن العهد ، وصلة الرحم
16- في تواضعه صلى الله عليه وسلم
17- عدله ، و أمانته ، و عفته ، وصدق لهجته صلى الله عليه وسلم
18- وقاره صلى الله عليه وسلم ، و صمته ، و تؤدته و حسن هديه
19- زهده صلى الله عليه وسلم في الدنيا
20- خوفه ربه ، و طاعته له ، و شدة عبادته صلى الله عليه وسلم
21- تفضيل الله بعض الأنبياء عليهم السلام على بعض
22- حديث جامع لوصفه صلى الله عليه وسلم
23- في تفسير غريب هذا الحديث و مشكله
مقدمة الباب الثاني
اعلم أيها المحب لهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ، الباحث عن تفاصيل جمل قدره العظيم أن خصال الجلال و الكمال في البشر نوعان : ضروري دنيوي اقتضته الجبلة و ضرورة الحياة الدنيا ، و مكتسب ديني ، و هو ما يحمد فاعله ، و يقرب إلى الله تعالى زلفى .
ثم هي على فنين أيضاً : منها ما يتلخص لأحد الوصفين . و منها ما يتمازج و يتداخل .
فأما الضروري المحض فما ليس للمرء فيه اختيار و لا اكتساب ، مثل ما كان في جبلته من كمال خلقته ، وجمال صورته ، وقوة عقله ، وصحة فهمه ، وفصاحة لسانه ، وقوة حواسه و عضائه ، واعتدال حركاته ، وشرف نسبه ، وعزة قومه ، وكرم أرضه ، ويلحق به ما تدعوه ضرورة حياته إليه ، من غذائه ونومه ، وملبسه ومسكنه ، ومنكحه ، وما له وجاهه .
وقد تلحق هذه الخصال الآخرة بالأخروية إذا قصد بها التقوى ومعونة البدن على سلوك طريقها ، و كانت على حدود الضرورة وقوانين الشريعة .
وأما المكتسبة الأخروية فسائر الأخلاق العلية ، والأداب الشرعية : من الدين والعلم ، والحلم ، والصبر ، والشكر ، والمروءة ، والزهد ، والتواضع ، والعفو ، والعفة ، والجود ، والشجاعة ، والحياء ، والمروءة ، والصمت ، والتؤدة ، والوقار ، والرحمة ، وحسن الأدب والمعاشرة ، وأخواتها وهي التي جَمعها :حسن الخلق .
وقد يكون من هذه الأخلاق ما هو في الغريزة و أصل الجبلة لبعض الناس .
وبعضهم لا تكون فيه ، فيكتسبها ، و لكنه لابد أن يكون فيه من أصولها في أصل الجبلة شعبة كما سنبينه إن شاء الله .
و تكون هذه الأخلاق دنيوة إذا لم يرد بها وجه الله والدار الآخرة ، ولكنها كلها محاسن و فضائل باتفاق أصحاب العقول السليمة ، وإن اختلفوا في موجب حسنها و تفضيلها
