في حكم وعقوبة ساب النبي صلى الله عليه وسلم ، وشانئه ومتنقصه ومؤذيه ...
وفـــــــيــــه 5 فـصـول:
1- في حكم ساب وشانيء ومؤذي النبي صلى الله عليه وسلم
2- القول في استتابة الساب والشاتم للنبي صلى الله عليه وسلم
3- في حكم من لم تتم الشهادة عليه
4- حكم الذمي إذا صرح بسب النبي صلى الله عليه وسلم ، أو عرض...
5- في ميراث من قـُتل بسبِّ النبي صلى الله عليه وسلم، وغسله ، والصلاة عليه...
الفصل الآول
في حكم ساب وشانيء ومؤذي النبي صلى الله عليه وسلم
قد قدمنا ما هو سب وأذى في حقه صلى الله عليه و سلم ، و ذكرنا إجماع العلماء على قتل فاعل ذلك وقائله ، أو تخيير الإمام في قتله أو صلبه على ما ذكرناه ، وقررنا الحجج عليه ...
وبعد فاعلم أن مشهور مذهب مالك وأصحابه ، وقول السلف وجمهور العلماء قتله حداً لا كفراً إن أظهر التوبة منه ، ولهذا لا تقبل عندهم توبته ، ولا تنفعه استقالته ولا فيئته كما قدمناه قبل ، وحكمه حكم الزنديق ، ومسر الكفر في هذا القول ، وسواء كانت توبته على هذا بعد القدرة عليه والشهادة على قوله ، أو جاء تائباً من قبل نفسه ، لأنه حد لا تسقطه التوبة كسائر الحدود .
قال الشيخ أبو الحسن القابسي رحمه الله : إذا أقر بالسب ، وتاب منه ، وأظهر التوبة ـ قتل بالسب ، لأنه هو حده .
وقال أبو محمد بن أبي زيد في مثله ، وأما ما بينه و بين الله فتوبته تنفعه .
وقال ابن سحنون : من شتم النبي صلى الله عليه وسلم من الموحدين ، ثم تاب عن ذلك لم تُزل توبتُه عنه القتلَ .
وكذلك قد اختلف في الزنديق إذا جاء تائباً ، فحكى القاضي أبو الحسن بن القصار في ذ لك قولين :
قال : من شيوخنا من قال : أقتله بإقراره ، لأنه كان يقدر على ستر نفسه ، فلما اعترف خفنا أنه خشي الظهور عليه فبادر لذلك .
ومنهم من قال : أقبل توبته ، لأني أستدل على صحتها بمجيئه ، فكأننا وقفنا على باطنه ، بخلاف من أسرتْه البيـَّــنة .
قال القاضي أبو الفضل : وهذا قول أصبغ ، ومسألة ساب النبي صلى الله عليه وسلم أقوى ، لا يتصور فيها الخلاف على الأصل المتقدم ، لأنه حق متعلق للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته بسبه لا تسقطه التوبة كسائر حقوق الآدميين .
والزنديق إذا تاب بعد القدرة عليه فعند مالك ، والليث ، وإسحاق ، وأحمد ، لا تقبل توبته .
وعند الشافعي تقبل . واختلف فيه أبي حنيفة و أبي يوسف .
وحكى ابن المنذر ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : يستتاب .
قال محمد بن سحنون : ولم يُزَلِ القتلُ عن المسلم بالتوبة من سبِّه صلى الله عليه وسلم، لأنه لم ينتقل من دين إلى غيره ، وإنما فعل شيئاً حده عندنا القتل لا عفو فيه لأحد ، كالزنديق ، لأنه لم ينتقل من ظاهر إلى ظاهر .
وقال القاضي أبو محمد بن نصر محتجاً لسقوط اعتبار توبته : والفرق بينه و بين من سب الله تعالى على مشهور القول باستتابته ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر ، والبشر جنس تلحقه المعرة إلا من أكرمه الله بنبوته ، والبارئ تعالى منزه عن جميع المعايب قطعاً ، وليس من جنس تلحق المعرة بجنسه ، وليس سبه صلى الله عليه وسلم كالارتداد المقبول فيه التوبة ، لأن الارتداد معنى ينفرد به المرتد ، لا حق فيه لغيره من الآدميين ، فقبلت توبته . ومن سب النبي صلى الله عليه وسلم تعلق فيه حق لآدمي ، فكان كالمرتد يقتل حين ارتداده أو يقذف ، فإن توبته لا تسقط عند حد القتل والقذف .
وأيضاً فإن توبة المرتد إذا قبلت لا تسقط ذنوبه من زنا وسرقة وغيرها ، ولم يُقتَل سابُّ النبي صلى الله عليه وسلم لكفره ، لكن لمعنى يرجع إلى تعظيم حرمته وزوال المعرة به ، وذلك لا تسقطه التوبة .
* قال القاضي أبو الفضل : يريد ـ و الله أعلم : لأن سبه لم يكن بكلمة تقتضي الكفر ، ولكن بمعنى الإزراء والإستخفاف ، أو لأن بتوبته وإظهار إنابته ارتفع عنه اسم الكفر ظاهراً ، والله أعلم بسريرته ، وبقي حكم السب عليه .
وقال أبو عمران القابسي : من سب النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ارتد عن الإسلام قُتل و لم يُستتب ، لأن السب من حقوق الآدميين التي لا تسقط عن المرتد . وكلام شيوخنا هؤلاء مبني على القول بقتله ، حداً لا كفراً ، وهو يحتاج إلى تفصيل .
وأما على رواية الوليد بن مسلم عن مالك وافقه على ذلك ممن ذكرناه وقال به من أهل العلم ـ فقد صرحوا أنه ردة ، قالوا : و يستتاب منها ، فإن تاب نكل ، وإن أبَى قُتل ، فحكَم له بحُكم المرتد مطلقا في هذا الوجه .
والوجه الأول أشهر وأظهر لما قدمناه ، ونحن نبسط الكلام فيه ، فنقول :
من لم يرَه ردَّه فهو يوجب القتل فيه حداً ، وإنما نقول ذلك مع فصلين : إما مع إنكاره ما شهد به عليه ، و إظهاره الإقلاع والتوبة عنه ، فنقتله حداً لثبات كلمة الكفر عليه في حق النبي صلى الله عليه وسلم، وتحقيره ما عظم الله من حقه ، وأجرَينا حكمه في ميرائه ، وغير ذلك حكم الزنديق إذا ظهر عليه و أنكر أو تاب .
فإن قيل : فكيف تثبتون عليه الكفر ، ويشهد عليه بكلمة الكفر ولا تحكمون عليه بحكمه من الاستتابة وتوابعها ؟ قلنا : نحن وإن أثبتنا له حكم الكافر فلا نقطع عليه بذلك ، لإقراره بالتوحيد والنبوة ، وإنكاره ما شهد به عليه ، أو زعمه أن ذلك كان منه وَهَلاً ومعصيةً ، وأنه مقلع عن ذلك نادم عليه ، ولا يمتنع إثبات بعض أحكام الكفر على بعض الأشخاص وإن لم تثبت له خصائصه ، كقتل تارك الصلاة .
وأما من علم أنه سبه معتقداً استحلاله فلا شك في كفره بذلك .
وكذلك إن كان سبه في نفسه كفر ، كتكذيبه أو تكفيره ونحوه ، فهذا مما لا إشكال فيه ، ويقتل وإن تاب منه ، لأنا لا نقبل توبته ، ونقتله بعد التوبة حداً ، لقوله ، ومتقدم كفره ، وأمرُه بعد إلى الله المطلع على صحة إقلاعه ، العالم بسره .
وكذلك من لم يظهر التوبة ، واعترفَ بما شُهد به عليه ، وصمَّم عليه ـ فهذا كافر بقوله وباستحلاله . هتك حرمة الله وحرمة نبيه صلى الله عليه وسلم يقتل كافراً بلا خلاف .
فعلى هذه التفصيلات خذْ كلام العلماء ، ونزِّلْ مختلفَ عباراتهم في الاحتجاج عليها ، وأَجْـرِ اختلافهم في الموارثة وغيرها على ترتيبها تتَّضحْ لك مقاصدُهم إن شاء الله تعالى .
