الالتزام عند ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بالواجب من توقيره وتعظيمه
ومما يجب على المتكلم فيما يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم وما لا يجوز ، والذاكر من حالاته ما قدمناه في الفصل قبل هذا على طريق المذاكرة والتعليم ، أن يلتزم في كلامه ، عند ذكره صلى الله عليه وسلم ، وذكر تلك الأحوال ،الواجب من توقيره وتعظيمه ، ويراقب حال لسانه ، ولا يهمله ، وتظهر عليه علامات الأدب عند ذكره ، فإذا ذكر ما قاساه من الشدائد ظهر عليه الإشفاق والإرتماض ، والغيط على عدوه ، ومودة الفداء للنبي صلى الله عليه وسلم لو قدر عليه ، والنصرة له لو أمكنته .
وإذا أخذ في أبواب العصمة ، وتكلم على مجاري أعماله وأقواله صلى الله عليه وسلم تحرى أحسن اللفظ وأدب العبارة ما أمكنه ، واجتنب بشيع ذلك ، وهجر من العبارة ما يقبح ، كلفظة الجهل والكذب والمعصية ، فإذا تكلم في الأقوال قال : هل يجوز عليه الخلف في القول والإخبار بخلاف ما وقع سهواً أو غلطاً ، ونحوه من العبارة ويتجنب لفظة الكذب جملةً واحدةً .
وإذا تكلم على العلم قال : هل يجوز ألا يعلم إلا ما علم ؟ وهل يمكن ألا يكون عنده علم من بعض الأشياء حتى يوحى إليه ، ولا يقول يجهل ، لقبح اللفظ و بشاعته .
وإذا تكلم في الأفعال قال : هل يجوز منه المخالفة في بعض الأوامر والنواهي ومواقعة بعض الصغائر ؟ فهو أولى وآدب من قوله :
هل يجوز أن يعصي أو يذنب أو يفعل كذا وكذا ، من أنواع المعاصي ؟ فهذا من حق توقيره صلى الله عليه وسلم، وما يجب له من تعزيز وإعظام .
و قد رأيت بعض العلماء لم يتحفظ من هذا ، فـقٌبِّح منه ، ولم أستصوب عبارتَه فيه .
ووجدت بعض الجائرين قوله لأجل ترك تحفظه في العبارة ما لم يقله ، وشنع عليه بما يأباه ، ويكفر قائله.
وإذا كان مثل هذا بين الناس مستعملاً في آدابهم وحسن معاشرتهم و خطابهم ، فاستعماله في حقه صلى الله عليه وسلم أوجب ، والتزامه آكد .
فجودة العبارة تقبح الشيء أو تحسنه ، وتحريرها وتهذيبها تُعظِّم الأمر أو تهَوِّنُـه ، و لهذا قال صلى الله عليه وسلم : إن من البيان لسحراً .
فأما ما أورده على جهة النفي عنه والتنزيه فلا حرج في تسريح العبارة وتصريحها فيه ، كقوله : لا يجوز عليه الكذب جملةً ، ولا إتيان الكبائر بوجه ، ولا الجور في الحكم على حال ، ولكن مع هذا يجب ظهور توقيره وتعظيمه عند ذكره مجرداً ، فكيف عند ذكر مثل هذا .
وقد كان السلف تظهر عليهم حالات شديدة عند مجرد ذكره ، كما قدمناه في القسم الثاني .
وقد كان بعضهم يلتزم مثل ذلك عند تلاوة آي من القرآن ، حكى الله تعالى فيها مقال عداه ، ومن كفر بآياته ، وافترى عليه الكذب ، فكان يخفض بها صوته إعظاماً لربه ، وإجلالاً له ، وإشفاقاً من التشبه بمن كفر به .
