حكم القائل لما قال في جهة النبي صلى الله عليه وسلم غير قاصد للسب والإزراء ، ولا معتقد له...
تقدم الكلام في قتل القاصد لسبه والإزراء به ، وغمصه بأي وجه كان من ممكن أو محال ، فهذا وجه بين لا إشكال فيه .
الوجه الثاني لاحِق به في البيان والجلاء ، وهو أن يكون القائل لما قال في جهته صلى الله عليه وسلم غير قاصد للسب والإزراء ، ولا معتقد له ، ولكنه تكلم في جهته صلى الله عليه وسلم بكلمة الكفر ، مِن لعنه أو سبه أو تكذيبه أو إضافة ما لا يجوز عليه ، أو نفى ما يجب له مما هو في حقه صلى الله عليه وسلم نقيصة ، مثل أن ينسب إليه إتيان كبيرة ، أو مداهنة في تبليغ الرسالة ، أو في حكم بين الناس ، أو يغض من مرتبته ، أو شرف نسبه ، أو وفور علمه أو زهده ، أو يكذب بما اشتهر من أمور أخبر بها صلى الله عليه وسلم وتواتر الخبر بها عنه عن قصد لرد خبره ، أو يأتى بسفه من القول ، وقبيح من الكلام ، ونوع من السب في جهته ، وإن ظهر بدليل حاله أنه لم يعتمد ذمه ، ولم يقصد سبه ، إما لجهالة حملته على ما قاله ، أو لضجر أو سكر اضطره إليه ، أو قلة مراقبة وضبط للسانه وعجرفة وتهور في كلامه ، فحكم هذا الوجه حكم الوجه الأول القتل دون تلعثم ، إذ لا يعذر أحد في الكفر بالجهالة ، ولا بدعوى زلل اللسان ، ولا بشيء مما ذكرناه ، إذ كان عقله في فطرته سليماً ،( إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) (النحل : 106 ) .
وبهذا أفتى الأندلسيون على ابن حاتم في نفيه الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قدمناه .
وقال محمد بن سحنون ـ في المأسور يسُب النبي صلى الله عليه وسلم في أيدي العدو : يقتل إلا أن يعلم تنصره أو إكراهه.
وعن أبي محمد بن أبي زيد : لا يعذر بدعوى زلل اللسان في مثل هذا .
وأفتى أبو الحسن القابسي ـ فيمن شتم النبي صلى الله عليه وسلم في سكره : يقتل ، لأنه يظن به أنه يعتقد هذا ويفعله في صحوه .وأيضاً فإنه حد لا يسقطه السكر ، كالقذف ، والقتل ، وسائر الحدود ، لأنه أدخله على نفسه ، لأن من شرب الخمر على علم من زوال عقله بها ، وإتيان ما ينكر منه ، فهو كالعامد لما بسببه .
وعلى هذا ألزمناه الطلاق والعتاق ، والقصاص والحدود .
ولا يعترض على هذا بحديث حمزة و قوله للنبي صلى الله عليه وسلم : وهل أنتم إلا عبيد لأبي ! .
قال : فعرفَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنه ثمِل فانصرف ، لأن الخمر كانت حنيئذ غير محرمة ، فلم يكن في جناياتها إثم ، و كان حكم ما يحدث عنها معفواً عنه كما يحدث من النوم وشرب الدواء المأمون .
الفص الخامس
حكم من يقصد إلى تكذيب النبي صلى الله عليه وسلمفيما قاله وأتى به ،أو نفِي نبوَّته أو رسالته ،أو وجوده ...
الوجه الثالث : أن يقصد إلى تكذيبه فيما قاله وأتى به ، أو ينفي نبوته أو رسالته ، أو وجوده ، أو يكفر به انتقل بقوله ذلك إلى دين آخر غير ملته أم لا ؟
فهذا كافر بإجماع ، يجب قتله ، ثم ينظر فإن كان مصرحاً بذلك كان حكمه أشبه بحكم المرتد ، وقوي الخلاف في استتابته .
وعلى القول الآخر لا يسقط عنه توبته لحق النبي صلى الله عليه وسلم ، إن كان ذكره بنقيصة فيما قاله من كذب أو غيره ، وإن كان مستسراً بذلك فحكمه حكم الزنديق لا تُسقط قتلَه التوبةُ عندنا كما سنبينه .
قال أبو حنيفة وأصحابه : من بريء من محمد ، أو كذب به ، فهو مرتد حلال الدم إلا أن يرجع .
و قال ابن القاسم ـ في المسلم إذا قال : إن محمداً ليس بنبي ، أو لم يرسل ، أو لم ينزل عليه قرآن ، وإنما هو شيء تقوله : يقتل .
قال : ومن كفر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنكره من المسلمين ، فهو بمنزلة المرتد ، وكذلك من أعلى بتكذيبه أنه كالمرتد يستتاب .
وكذلك قال فيمن تنبأ ، و زعم أنه يوحى إليه ، وقاله سحنون .
قال ابن القاسم : دعا إلى ذلك سراً أو جهراً .
قال أصبغ : وهو كالمرتد ، لأنه قد كفر بكتاب الله مع الفرية على الله .
وقال أشهب ـ في يهودي تنبأ أو زعم أنه أرسل إلى الناس ، أو قال : بعد نبيكم نبي ـ أنه يستتاب إن كان معلنا بذلك ، فإن تاب وإلا قتل ، وذلك لأنه مكذب للنبي صلى الله عليه وسلم في قوله ، لا نبي بعدي ، مفتر على الله في دعواه عليه الرسالة و النبوة .
وقال محمد بن سحنون : من شك في حرف مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم عن الله فهو كافر جاحد .
وقال : من كذب النبي صلى الله عليه وسلم كان حكمه عند الأمة القتل .
وقال أحمد بن أبي سليمان صاحب سحنون : من قال :
إن النبي صلى الله عليه وسلم أسود ـ قتل ، لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بأسود .
وقال نحوه أبو عثمان الحداد ، قال : لو قال :
إنه مات قبل أن يلتحي ، أو إنه كان بِتاهَرْتَ ولم يكن بتهامة قتل ، لأن هذا نفي .
قال حبيب بن ربيع تبديل صفته ومواضعه كفر ، والمُظهِر له كافر ، وفيه الاستتابة والمُسِرّ له زنديق ، يُقتل دون استتابة .
الفصل السادس
حكم من يأتي من الكلام بمجمل ويلفظ من القول بمشكل يمكن حملُه على النبي صلى الله عليه وسلمأو غيره ..
الوجه الرابع : أن يأتي من الكلام بمجمل ، ويلفظ من القول بمشكل يمكن حمله على النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره ، أو يتردد في المراد به من سلامته من المكروه أو شره ، فها هنا متردد النظر وحيرة العبر ، ومظنة اختلاف المجتهدين ، ووقفة استبراء المقلدين ،( لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ )
(الأنفال : 42 )، فمنهم من غلب حرمة النبي صلى الله عليه وسلم ، و حمى حمى عرضه ، فجسر على القتل ، ومنهم من عظم حرمة الدم ، ودرأ الحد بالشبهة لاحتمال القول .
وقد اختلف أئمتنا في رجل أغضبه غريمه ، فقال له : صلِّ على النبي محمد ، فقال له الطالب : لا صلى الله على من صلى عليه ، فقيل لسحنون : هل هو كمن شتم النبي صلى الله عليه وسلم ، أو شتم الملائكة الذين يصلون عليه ، قال : لا ، إذا كان على ما وصفت من الغضب ، لأنه لم يكن مضمراً الشتم .
وقال أبو إسحاق البرقي ، وأصبغ بن الفرج : لا يقتل ، لأنه إنما شتم الناس ، وهذا نحو قول سحنون : لأنه لم يعذره بالغضب في شتم النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكنه لما احتمل الكلام عنده ، ولم تكن معه قرينة على شتم النبي صلى الله عليه وسلم ، أو شتم الملائكة صلوات الله عليهم ، ولا مقدمة يحمل عليها كلامه ، بل القرينة تدل على أن مراده الناس غير هؤلاء ، لأجل قول الآخر له : صل على النبي ، فحمل قوله وسبه لمن يصلي عليه الأن لأجل أمر الآخر له بهذا عند غضبه .هذا معنى قول سحنون ، و و مطابق لعلة صاحبيه .
و هب الحارث بن مسكين القاضي و يره في مثل هذا إلى القتل .
وتوقف أبو الحسن القابسي في قتل رجل قال : كل صاحب فندق قرنان ، ولو كان نبياً مرسلاً ، فأمر بشده بالقيود والتضييق عليه حتى تستفهم البينة عن جملة ألفاظه ، وما يدل على مقصده ، هل أراد أصحاب الفنادق الآن فمعلوم أنه ليس فيهم نبي مرسل ، فيكون أمره أخف .
قال : ولكن ظاهرُ لفظه العموم لكل صاحب فندق من المتقدمين والمتأخرين . وقد كان فيمن تقدم من الأنبياء والرسل من اكتسب المال .
قال : ودم المسلم لا يُقْدَم عليه إلا بأمر بيِّن . وما ترد إليه التأويلات لا بُد من إمعان النظر فيه . هذا معنى كلامه .
وحكي عن أبي محمد بن أبي زيد رحمه الله ـ فيمن قال : لعن الله العرب ، ولعن الله بني إسرائيل ، ولعن الله بني آدم ، وذكر أنه لم يرد الأنبياء ، وإنما أراد الظالمين منهم ـ إن عليه الأدب بقدر إجتهاد السلطان
وكذلك أفتى ـ فيمن قال : لعن الله من حرم المسكر ، وقال : لم أعلم من حرمه .
وفيمن لعن حديث : لا يبع حاضر لباد . ولعن من جاء به ـ إنه إن كان يعذر بالجهل وعدم معرفة السُّـنن فعليه الأدب الوجيع ، وذلك أن هذا لم يقصد بظاهرة حاله سب الله ولا سب رسوله ، وإنما لعن من حرمه من الناس على نحو فتوى سحنون وأصحابه في المسألة المتقدمة .
ومثل هذا ما يجري في كلام سفهاء الناس في قول بعضهم لبعض : يا ابن ألف خنزير ، و ابن مائة كلب ، وشبهه من هُجر القول .
ولا شك أنه يدخل في مثل هذا العدد من آبائه وأجداده جماعة من الأنبياء ، ولعل بعض هذا العدد منقطع إلى آدم عليه السلام ، فينبغي الزجر عنه ، وتبيين ما جهله قائله منه وشدة الأدب فيه .
ولو علم أنه قصد سب من في آبائه من الأنبياء على علم لقتل .
وقد يُضَيَّقُ القولُ في نحو هذا لو قال لرجل هاشمي : لعن الله بني هاشم ـ وقال :
أردت الظالمين منهم ، أو قال لرجل من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم قولاً قبيحاً في أبائه أو من نسله أو ولده على علم منه أنه من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم تكن قرينة في المسألتين تقتضي تخصيص بعض أبائه ، وإخراج النبي صلى الله عليه وسلم ممن سبه منهم .
وقد رأيت لأبي موسى عيسى بن مناس ـ في من قال لرجل : لعنك الله إلى آدم عليه السلام ـ أنه إن ثبت عليه ذلك قتل .
وقد كان اختلف شيوخنا فيمن قال لشاهد شهد عليه بشيء ثم قال له : تتهمني ؟ قال له الآخر : الأنبياء يتهمون ، فكيف أنت ؟ فكان شيخنا أبو إسحاق بن جعفر يرى قتله ، لبشاعة ظاهر اللفظ .
وكان القاضي أبو محمد بن منصور يتوقف عن القتل لأحتمل اللفظ عنده أن يكون خبراً عمن أتهمهم من الكفار .
وأفتى فيها قاضي قرطبة أبو عبد الله ابن الحاج بنحو هذا .
وشدد القاضي أبو محمد تصفيده ، وأطال سجنه ، ثم استحلفه بعد على تكذيب ما شهد به عليه ، إذ دخل في شهادة بعض من شهد عليه وهن ، ثم أطلقه .
وشاهدت شيخنا القاضي أبو عبد الله محمد بن عيسى أيام قضائه أتى برجل هاتر رجلاً ، ثم قصد إلى كلب فضربه برجله وقال له : قم يا محمد ، فأنكر الرجل أن يكون قال ذلك ، وشهد عليه لفيف من الناس ، فأمر به إلى السجن ، وتقصى عن حاله ، وهل يصحب من يستراب بدينه ؟ فلما لم يجد ما يقوي الريبة باعتقاده ضربه بالسوط وأطلقه .
الفصل السابع
حكم من لا يقصد نقصاً ، ولا يذكر عيباً ولا سباً ، لكنه ينزع بذكر بعض أوصافه...
الوجه الخامس :ألا يقصد نقصاً ، ولا يذكر عيباً ولا سباً ، لكنه ينزع بذكر بعض أوصافه ، أو يستشهد ببعض أحواله صلى الله عليه وسلم الجائزة عليه في الدنيا على طريق ضرب المثل ، والحجة لنفسه أو لغيره ، أو على التشبه به ، أو عند هضمية نالته ، أو غضاضة لحقته ، ليس على طريق التأسي و طريق التحقيق ، بل على مقصد الترفيع لنفسه أو لغيره ، أو على سبيل التمثيل وعدم التوقير لنبيه صلى الله عليه وسلم ، أو على قصد الهزل والتندير بقوله ، كقول القائل : إن قيل فيَّ السوء فقد قيل في النبي ، وإن كذبتُ فقد كذب الأنبياء ، أو إن أذنبتُ فقد أذنبوا ، أو أنا أَسْلَمُ من ألسنة الناس ولم يَسلم منهم أنبياء الله ورُسله ، أو قد صبرتُ كما صبر أولو العزم ، أو كصبر أيوب ، أو قد صبر نبيُّ الله عن عِداه ، وحلم على أكثر مما صبرت ، وكقول المتنبي
أنــــا في أمة تداركـها الله غريب كصالح في ثمود
ونحوه من أشعار المتعجرفين في القول ، المتساهلين في الكلام ، كقول المعري :
كنت موسى وافته بنت شعيب غير أن ليس فيكما من فقير
على أن آخر البيت شديد ، وداخل في باب الإزراء والتحقير بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وتفضيل حال غيره عليه .
و كذلك قوله :
لولا انقطاع الوحي بعد محمد قلنا محمد من أبيه بديل
هو مثله في الفضل إلا أنـه لم يأته برسالة جبريـل
فصدر البيت الثاني من هذا الفصل شديد ، لتشبيهه غير النبي في فضل بالنبي ، والعجز محتمل لوجهين : أحدهما أن هذه الفضيلة نقصت الممدوح ، والآخر استغناؤه عنها . وهذا أشد .
و نحو منه قول الآخر :
وإذا مـــا رفعت راياته صفقت بين جناحي جَبرين
و قول الآخر من أهل العصر :
فر من الخلد واستجار بنا فصبـَّر الله قلبَ رضـوان
وكقول حسان المصيصي من شعراء الأندلس في محمد بن عباد المعروف بالمعتمد ووزيره أبي بكر بن زيدون :
كأن أبا بكر أبو بكر الرضا وحسان حسـان وأنت محمد
وإنما أكثرنا شاهدنا مع استثقالنا حكايتها لتعريف أمثلتها ولتساهل كثير من الناس في ولوج هذا الباب الضنك ، واستخفافهم فادح هذا العبء وقلة علمهم بعظيم ما فيه من الوزر ، وكلامهم منه بما ليس لهم به علم ، ويحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم ، لا سيما الشعراء . وأشدهم فيه تصريحاً ، وللسانه تسريحاً ، ابن هانيءالأندلسي، وابن سليمان المعري ، بل قد خرج كثير من كلامهما إلى حد الاستخفاف والنقص و صريح الكفر . وقد أجبنا عنه ، وغرضنا الآن الكلام في الفصل الذي سقنا أمثلته ، فإن هذه كلها وإن لم تتضمن سباً ، ولا أضافت إلى الملائكة والأنبياء نقصاً ، ولست أعني عجُزيْ بيتي المعري ، ولا قصد قائلها إزراء وغضاً ، فما وقر النبوة ، ولا عظم الرسالة ، ولا عزز حرمة الاصطفاء ، ولا عزز حظوة الكرامة حتى شبه من شبه في كرامة نالها ، أو معرة قصد الانتقاء منها ، أو ضرب مثل لتطييب مجلسه ، أو إغلاء في وصف لتحسين كلامه بمن عظم الله خطره ، وشرف قدره ، وألزم توقيره وبره ، ونهى عن جهر القول له ، ورفع الصوت عنده . فحقُّ هذا ،إن دُرِئ عنه القتلُ، الأدبُ والسجنُ وقوةُ تعزيره بحسب شنعة مقاله ، ومقتضى قبح ما نطق به ، ومألوف عادته لمثله ، أو ندوره ، وقرينة كلامه ، أو ندمه على ما سبق منه ، ولم يزل المتقدمون ينكرون مثل هذا ممن جاء به ، وقد أنكر الرشيد على أبي نواس قوله :
فإن يك باقي سحر فرعون فيكم فإن عصا موسى بكف خصيب
وقال له : يا ابن اللخناء ، أنت المستهزئ بعصا موسى ! وأمر بإخراجه عن عسكره من ليلته .
وذكر القتبي أن مما أخذ عليه أيضاً ، وكفر فيه ، أو قارب ـ قوله في محمد الأمين وتشبيهه إياه بالنبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال :
تنازع الأحمدان الشبه فاشتبها خَلقاً وخُلقاً كما قُدَّ الشِّراكانِ
وقد أنكروا عليه أيضاً قوله :
كيف لا يدنيك مــــن أمل من رسول الله مــن نفره
لأن حق الرسول وموجب تعظيمه وإنافة منزلته أن يُضاف إليه ، ولا يضافُ .
فالحكم في أمثال هذا ما بسطناه في طريق الفتيا على هذا المنهج جاءت فتيا إمام مذهبنا مالك بن أنس رحمه الله وأصحابه :ففي النوادر من رواية ابن أبي مريم عنه في رجل عير رجلاً بالفقر ، فقال : تعيرني بالفقر و د رعى النبي صلى الله عليه وسلم الغنم ؟ فقال مالك : قد عرض بذكر النبي صلى الله عليه وسلم في غير موضعه ، أرى أن يؤدب قال : ولا ينبغي لأهل الذنوب إذا عوتبوا أن يقولوا : قد أخطأت الأنبياء قبلنا .
وقال عمر بن عبد العزيز لرجل : انظر لنا كاتباً يكون أبوه عربياً . فقال كاتب له : قد كان أبو النبي كافراً فقال : جعلت هذا مثلاً ! فعزله ، وقال : لا تكتب لي أبداً .
وقد كره سحنون أن يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم عند التعجب إلا على طريق الثواب والاحتساب ، توقيراً له وتعظيماً ، كما أمرنا الله .
وسئل القابسي عن رجل قال لرجل قبيح كأنه وجه نكير ، ولرجل عبوس كأنه وجه مالك الغضبان ، فقال : أي شيء أراد بهذا ، ونكير أحد فتاني القبر ، وهما ملكان ، فما الذي أراد ! أروْع دخل عليه حين رآه من وجهه ، أم عاف النظر إليه لدمامة خلقه ؟ فإن كان هذا فهو شديد ، لأنه جرى مجرى التحقير والتهوين ، فهو أشد عقوبة ، وليس فيه تصريح بالسب للملك ، وإنما السب واقع على المخاطب . وفي الأدب بالسوط والسجن نكال للسفهاء ، قال : وأما ذاكر مالك خازن النار فقد جفا الذي ذكره عندما أنكر حاله من عبوس الآخر إلا أن يكون المعبس له يد فيرهب بعبسته ، فيشبهه القائل على طريق الذم لهذا في فعله ، ولزومه في ظلمه صفة مالِك ،الملَك المطيع لربه في فعله ، فيقول كأنه لله يغضب غضب مالِك ، فيكون أخف ، وما كان ينبغي له التعرض لمثل هذا ، ولو كان أثنى على العبوس بِعـبْسته ، واحتج بصفة مالِك كان أشد ويعاقب المعاقبة الشديدة ، وليس في هذا ذم للملك ، ولو قصد ذمه لقتل .
