السبت 14 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 26 سبتمبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً ٤ – ٦ مساءً · عدا الجمعة

الفصل الثالث — القسم الرابع

الشفا بتعريف حقوق المصطفىالقسم الرابع

أسباب عفو النبي صلى الله عليه وسلم على بعض من آذاه

فإن قلت : فلم لم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم اليهودي الذي قال له : السام عليكم، وهذا دعاء عليه ، ولا قتل الآخر الذي قال له : إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله ، وقد تأذى النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك ، وقال : قد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر ، ولا قتل المنافقين الذين كانوا يؤذونه في أكثر الأحيان ؟

فاعلم ـ وفقنا الله و إياك ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول الإسلام يستألف عليه الناس ويُميل قلوبهم ، ويُحبِّب إليهم الإيمان ، ويزينه في قلويهم ويداريهم ، ويقول لأصحابه : إنما بعثتم مبشرين ولم تبعثوا منفرين .

ويقول : يسروا ولا تعسروا ، و سكنوا ولا تنفروا .

ويقول : لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه .

وكان صلى الله عليه وسلم يداري الكفار والمنافقين ، ويجمل صحبتهم ، ويُغضي عنهم ، ويحتمل من أذاهم ويصبر على جفائهم ما لا يجوز لنا اليوم الصبر لهم عليه ، وكان يرفقهم بالعطاء والإحسان ، وبذلك أمره الله تعالى ، فقال : (وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة : 13 )

وقال تعالى :( وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)

(فصلت : 34 )

وذلك لحاجة الناس للتألف أول الإسلام ، وجمع الكلمة عليه ، فلما استقر وأظهره الله على الدين كله قتل من قدر عليه ، واشتهر أمره ، كفعله بابن خطل ، ومن عهد بقتله يوم الفتح ، ومن أمكنه قتله غيلة من يهود وغيرهم ، أو غلبة ممن لم ينظمه قبل سلك صحبته ، والانخراط في جملة مُظهري الإيمان له ممن كان يؤذيه ، كابن الأشرف ، وأبي رافع ، والنضر ، وعقبة .

وكذلك نذر دم جماعة سواهم ، ككعب بن زهير ، وابن الزبعري وغيرهما ممن آذاه حتى ألقوا بأيديهم ، ولقُوه مسلمين .وبواطن المنافقين مستترة ، وحكمه صلى الله عليه وسلم على الظاهر ، وأكثر تلك الكلمات إنما كان يقولها القائل منهم خفية ومع أمثاله ، ويحلفون عليها إذا نميت ، وينكرونها ، و (يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ) (التوبة 74 ) ، وكان مع هذا يطمع في فيئتهم ، ورجوعهم إلى الإسلام وتوبتهم ، فيصبر صلى الله عليه وسلم على هناتهم وجفوتهم ، كما صبر أولوا العزم من الرسل حتى فاء كثير منهم باطناً ، كما فاء ظاهراً ، وأخلص سراً كما أظهر جهراً ، ونفع الله بعد بكثير منهم ، وقام منهم للدين وزراء و أعوان وحماة وأنصار كما جاءت به الأخبار .

وبهذا أجاب بعض أئمتنا رحمهم الله عن هذا السؤال . وقال : لعله لم يثبت عنده صلى الله عليه وسلم من أقوالهم ما رفع ، وإنما نقله الواحد ومن لم يصل رتبة الشهادة في مثل هذا الباب ، من صبي أو عبد أو امرأة ، والدماء لا تستباح إلا بعدلين .

وعلى هذا يحمل أمر اليهود من السلام ، وأنهم لوَوْا ألسنتهم ، ولم يبينوه ، ألا ترى كيف نبهت عليه عائشة ، ولو كان صرح بذلك لم تنفرد بعلمه ، ولهذا نبَّه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على فعلهم ، وقلة صدقهم في سلامهم ، وخيانتهم في ذلك لياً بألسنتهم ، وطعناً في الدين ، فقال : إن اليهود إذا سلم أحدهم فإنما يقول : السام عليكم ، فقولوا : عليكم .

وكذلك قال بعض أصحابنا البغداديين : إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل المنافقين بعلمه فيهم ، ولم يأت أنه قامت بينة على نفاقهم ، فلذلك تركهم .

وأيضاً فإن الأمر كان سراً وباطناً ، وظاهرهم الإسلام والإيمان ، وإن كان من أهل الذمة بالعهد والجوار ، والناس قريب عهدهم بالإسلام ، ولم يتميز بعد الخبيث من الطيب .

وقد شاع عن المذكورين في العرب كون من يتهم بالنفاق من جملة المؤمنين وصحابة سيد المرسلين ، أنصار الدين بحكم ظاهرهم ، فلو قتلهم النبي صلى الله عليه وسلم لنفاقهم وما يبدر منهم ، وعلمه بما أسروا في أنفسهم لوَجد المنفِّر ما يقول ، ولارتاب الشاردُ ، وأرجف المعاندُ ، وارتاع مِن صحبةالنبي صلى الله عليه وسلم ، والدخول في الإسلام غير واحد ، ولزعم الزاعمُ ، وظن العدوُّ الظالم ـ أن القتل إنما كان للعداوة وطلب أخذ الترة .

وقد رأيت معنى ما حررته منسوباً إلى مالك بن أنس رحمه الله ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم :لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه .

وقال : أؤلئك الذين نهاني الله عن قتلهم .

وهذا بخلاف إجراء الأحكام الظاهرة عليهم من حدود الزنا والقتل وشبهه ، لظهورها واستواء الناس في علمها .

وقد قال محمد بن المواز : لو أظهر المنافقون نفاقهم لقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقاله القاضي أبو الحسن بن القصار .

وقال قتادة في تفسير قوله تعالى : (لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً * سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً * ) ( الأحزاب 60 - 62 ) .

قال : معناه إذا أظهروا النفاق .

وحكى محمد بن مسلمة في المبسوط ، عن زيد بن أسلم ـ أن قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التوبة : 73 )+ (التحريم :

9 ).. نسخها ما كان قبلها .

وقال بعض مشايخنا : لعل القائل : هذه قسمة ما أريد وجه الله : و قوله : اعدل ـ لم يفهم النبي صلى الله عليه وسلم منه الطعن عليه والتهمة له ، وإنما رآها من وجه الغلط في الرأي ، وأمور الدنيا والاجتهاد في مصالح أهلها ، فلم ير ذلك سباً ، ورأى أنه من الأذى له العفو عنه والصبر عليه ، فلذلك لم يعاقبه .

وكذلك يقال في اليهود إذ قالوا : السام عليكم ـ ليس فيه صريح سب ولا دعاء إلا بما لا بُد منه من الموت الذي لا بد من لحاقه جميع البشر .

وقيل : بل المراد تسأمون دينكم . والسأم والسآمة : الملال .

وهذا دعاء على سآمة الدين ليس بصريح سب ، ولهذا ترجم البخاري على هذا الحديث ، باب ـ إذا عرض الذمي أو غيره بسبب النبي صلى الله عليه وسلم.

قال بعض علمائنا : وليس هذا بتعريض بالسب ، وإنما هو تعريض بالأذى .

*قال القاضي أبو الفضل : قد قدمنا أن الأذى والسب في حقه صلى الله عليه وسلم سواء .

وقال القاضي أبو محمد بن نصر مجيباً عن هذا الحديث ببعض ما تقدم ، ثم قال : ولم يذكر في الحديث : هل كان هذا اليهودي من أهل العهد والذمة أو الحرب ، ولا يترك موجب الدلة للأمر المحتمل .

والأولى في ذلك كله والأظهر من هذه الوجوه مقصد الاستئلاف والمدارة على الدين لعلهم يؤمنون .

ولذلك ترجم البخاري على حديث القسمة والخوارج : باب ـ من ترك قتال الخوارج للتألف

ولئلا ينفر الناس عنه ، ولما ذكرنا معناه عن مالك ، وقررناه قبل .

وقد صبر لهم صلى الله عليه وسلم على سحره وسمه ، وهو أعظم من سبه إلى أن نصرَه الله عليهم ، وأذِن له في قتل مَن حيَّنَه منهم وإنزالهم من صياصيهم ، وقذف في قلوبهم الرعب ، وكتب على من شاء منهم الجلاء ، وأخرجهم من ديارهم ، وخرب بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ، وكاشفهم بالسب ، فقال : يا إخوة القردة والخنازير ، وحكَّم فيهم سيوف المسلمين ، وأجلاهم من جوارهم وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم ، لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى .

فإن قلت : فقد جاء في الحديث الصحيح ، عن عائشة رضي الله عنها ـ أنه صلى الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط ، إلا أن تنتهك حرمة الله ، فينتقم لله .

فاعلم أن هذا لا يقتضي أنه لم ينتقم ممن سبه أو آذاه أو كذبه ، فإن هذه من حرمات الله التي انتقم لها ، وإنما يكون ما لا ينتقم له فيما تعلق بسوء أدب أو معاملة من القول أو الفعل بالنفس والمال مما لم يقصد فاعله به أذاه ، لكن مما جبلت عليه الأعراب من الجفاء ، والجهل ، أو جُبِل عليه البشر من الغفلة ، كجبذ الأعرابي بإزاره حتى أثر في عنقه ، وكرفع صوت الآخر عنده ، وكحجد الأعرابي شراءه منه فرسه التي شهد فيها خزيمة ، ولما كان من تظاهر زوجيه عليه ، وأشباه هذا مما يحسن الصفح عنه .

وقد قال بعض علمائنا : إن أذى النبي صلى الله عليه وسلم حرام لا يجوز بفعل مباح ولا غيره .

وأما غيره فيجوز بفعل مباح ما لا يجوز للإنسان فعله ، وإن تأذى به غيره . واحتج بعموم قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً) (الأحزاب : 57 )، وبقوله صلى الله عليه وسلم في حديث فاطمة : إنها بضعة مني ، يؤذيني ما يؤذيها ، ألا و إني لا أحرم ما أحل الله ، و لكن لا تجتمع ابنة رسول الله وابنة عدو الله عند رجل أبداً أو يكون هذا مما آذاه به كافر وجاء بعد ذلك إسلامه ، كعفوه عن اليهودي الذي سحره ، وعن الأعرابي الذي أراد قتله ، وعن اليهودية التي سمته ، وقد قيل : قتلها .

ومثل هذا مما يبلغه من أذى أهل الكتاب والمنافقين ، فصفح عنهم رجاء استئلافهم واستئلاف غيرهم كما قررناه قبل ، وبالله التوفيق .

هذه المعلومات والوصفات للمعرفة فقط وليست وصفات علاجية، ويجب استشارة الطبيب المعالج قبل تناولها؛ فالكثير من الأعراض قد يتشابه، ولذلك يجب تشخيص الحالات المرضية بدقة.