السبت 14 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 26 سبتمبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً ٤ – ٦ مساءً · عدا الجمعة

الفصل الرابع (2)

الشفا بتعريف حقوق المصطفىالقسم الرابع

وقال أبو الحسن أيضاً في شاب معروف بالخير قال لرجل شيئاً ، فقال الرجل :

اسكت ، فإنك أمِّيّ . فقال الشاب : أليس كان النبي صلى الله عليه وسلم أمِّياً ! فشنع عليه مقاله ، وكفره الناس ، وأشفق الشاب مما قال ، وأظهر الندم عليه ، فقال أبو الحسن : أما إطلاق الكفر عليه فخطأ، لكنه مُخطيء في استشهاده بصفة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكون النبي أمِّياً آية له ، وكون هذا أمِّياً نقيصة فيه وجهالة .

ومن جهالته احتجاجه بصفة النبي صلى الله عليه وسلم ، لكنه إذا استغفر وتاب ، واعترف ولجأ إلى الله فيترك ، لأن قوله لا ينتهي إلى حد القتل ، ما طريقه الأدب فطوع فاعله بالندم عليه يوجب الكف عنه .

ونزلت أيضاً مسألة استفتى فيها بعض قضاة الأندلس شيخنا القاضي أبا محمد ابن منصور رحمه الله في رجل تنقَّصه آخر بشيء ، فقال له :

إنما تريد نقصي بقولك ، وأنا بشر ، وجميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأفتاه بإطالة سجنه ، وإيجاع أدبه ، إذ لم يقصد السب ، وكان بعض فقهاء الأندلس أفتى بقتله .

الفصل الثامن

حكم من يقول ذلك حاكياً عن غيره ...

الوجه السادس: أن يقول القائل ذلك حاكياً عن غيره ، وآثراً له عن سواه ، فهذا ينظر في صورة حكايته وقرينة مقالته ، ويختلف الحكم باختلاف ذلك على أربعة وجوه : الوجوب ، و الندب ، والكراهة ، والتحريم. ، فإن كان أخبر به على وجه الشهادة التعريف بقائله ، والإنكار والإعلام بقوله ، والتنفير منه ، والتجريح له ـ فهذا مما ينبغي امتثاله ، ويحمد فاعله ، وكذلك إن حكاه في كتاب أو في مجلس على طريق الرد له والنقض على قائله ، وللفتيا بما يلزمه .

وهذا منه ما يجب ، ومنه ما يستحب بحسب حالات الحاكي لذلك والمحكي عنه ، فإن كان القائل لذلك ممن تصدى لأن يؤخذ عنه العلم أو رواية الحديث ، أو يقطع بحكمه أو شهادته ، أو فتياه في الحقوق ـ وجب على سامعه الإشادة بما سمع منه والتنفير للناس عنه ، والشهادة عليه بما قاله ، ووجب على من بلغه ذلك من أئمة المسلمين إنكاره ، وبيان كفره ، وفساد قوله ، لقطع ضرره عن المسلمين ، وقياماً بحق سيد المرسلين ، وكذلك إن كان ممن يعظ العامة ، أو يؤدب الصبيان فإن من هذه سريرته لا يؤمن على إلقاء ذلك في قلوبهم ، فيتأكد في هؤلاء الإيجاب لحق النبي صلى الله عليه وسلم، ولحق شريعته .

وإن لم يكن القائل بهذه السبيل فالقيام بحق النبي صلى الله عليه وسلم واجب ، وحماية عرضه متعين ، ونصرته عن الأذى حياً وميتاً مستحق على كل مؤمن ، لكنه إذا قام بهذا من ظهر به الحق ، وفصلت به القضية ، وبان به الأمر سقط عن الباقي الفرض ، وبقي الاستحباب في تكثير الشهادة عليه ، وعضد التحذير منه .

وقد أجمع السلف على بيان حال المتهم في الحديث ، فكيف بمثل هذا ؟ .

وقد سئل أبو محمد بن أبي زيد عن الشاهد يسمع مثل هذا في حق الله تعالى : أيسعه ألا يؤدي شهادته ؟ قال : إن رجا نفاذ الحكم بشهادته فليشهد .

وكذلك إن علم أن الحاكم لا يرى القتل بما شهد به ، ويرى الاستتابة والأدب فليشهد ، ويلزمه ذلك .

وأما الإباحة لحكاية قوله لغير هذين المقصدين ، فلا أرى لها مدخلاً في هذا الباب ، فليس التفكه بعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، التمضمض بسوء ذكره لأحد ، لا ذاكراً ولا آثراً لغير غرض شرعي بمباح .

وأما للأغراض المتقدمة فمتردد بين الايجاب والاستحباب .

وقد حكى الله تعالى مقالات المفترين عليه وعلى رسله في كتابه على وجه الإنكار لقولهم ، والتحذير من كفرهم ، الوعيد عليه ، والرد عليهم بما تلاه الله علينا في محكم كتابه .

وكذلك وقع من أمثاله في أحاديث النبي الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة على الوجوه المتقدمة ، وأجمع السلف والخلف من أئمة الهدى على حكايات مقالات الكفرة والملحدين في كتبهم ومجالسهم ليبينوها للناس ، وينقضوا شبهها عليهم ، وإن كان ورد لأحمد بن حنبل إنكار لبعض هذا على الحارث ابن أسد ، فقد صنع أحمد مثله في رده على الجهمية و القائلين بالمخلوق .

هذه الوجوه السائغة الحكاية عنها ، فأما ذكرها على غير هذا من حكاية سبه والإزراء بمنصبه على وجه الحكايات والأسمار والطرف وأحاديث الناس ومقالاتهم في الغث والسمين ، ومضاحك المجان ، ونوادر السخفاء ، والخوض في قيل وقال ، ما لا يعني ـ فكل هذا ممنوع ، وبعضه أشد في المنع والعقوبة من بعض ، فما كان من قائله الحاكي له على غير قصد أو معرفة بمقدار ما حكاه ، أو لم تكن عادته ، أو لم يكن الكلام من البشاعة حيث هو ، ولم يظهر على حاكيه استحسانه واستصوابه ـ زُجر عن ذلك ، ونُهي عن العودة إليه ، وإن قُوِّم ببعض الأدب فهو مستوجب له ، وإن كان لفظه من البشاعة حيث هو كان الأدب أشد .

وقد حكي أن رجلاً سأل مالكاً عمن يقول : القرآن مخلوق . فقال مالك : كافر فاقتلوه . فقال : إنما حكيته عن غيري . فقال مالك : إنما سمعناه منك .

وهذا من مالك على طريق الزجر والتغليظ ، بدليل أنه لم ينفذ قتله .

وإن اتهم هذا الحاكي فيما حكاه أنه اختلقه ، ونسبه إلى غيره ، أو كانت تلك عادة له ، أو ظهر استحسانه لذلك ، أو كان مولعاً بمثله ، والاستخفاف له ، أو التحفظ لمثله ، وطلبه ، ورواية أشعار هجْو النبي صلى الله عليه وسلم وسبه ، فحكم هذا حكم الساب نفسه ، يؤاخذ بقوله ، ولا تنفعه نسبته إلى غيره ، فيبادر بقتله ويعجل إلى الهاوية أمِّه .

قال أبو عبيد القاسم بن سلام ـ فيمن حفظ شطر بيت مما هُجي به النبي صلى الله عليه وسلم فهو كفر .

وقد ذكر بعض من ألف في الإجماع ـ إجماع المسلمين على تحريم رواية ما هُجي به النبي صلى الله عليه وسلم ، وكتابته وقراءته ، وتركه متى وجد دون محْو. ورحِم اللهُ أسلافنا المتقين المتحرزين لدينهم ، فقد أسقطوا من أحاديث المغازي والسير ما كان هذا سبيله ، وتركوا روايته إلا أشياء ذكروها يسيرة وغير مستبشعة ، على نحو الوجوه الأُوَّل ، ليروا نقمة الله من قائلها ، وأخذه المفتري عليه بذنبه .

وهذا أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله قد تحرى فيما اضطر إلى الاستشهاد به من أهاجي أشعار العرب في كتبه ، فكنى عن اسم المهجو بوزن اسمه ، استبراء لدينه ، وتحفظاً من المشاركة في ذم أحد أو نشره فكيف بما يتطرق إلى عرض سيد البشر صلى الله عليه وسلم.

هذه المعلومات والوصفات للمعرفة فقط وليست وصفات علاجية، ويجب استشارة الطبيب المعالج قبل تناولها؛ فالكثير من الأعراض قد يتشابه، ولذلك يجب تشخيص الحالات المرضية بدقة.