وقال أبو الحسن أيضاً في شاب معروف بالخير قال لرجل شيئاً ، فقال الرجل :
اسكت ، فإنك أمِّيّ . فقال الشاب : أليس كان النبي صلى الله عليه وسلم أمِّياً ! فشنع عليه مقاله ، وكفره الناس ، وأشفق الشاب مما قال ، وأظهر الندم عليه ، فقال أبو الحسن : أما إطلاق الكفر عليه فخطأ، لكنه مُخطيء في استشهاده بصفة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكون النبي أمِّياً آية له ، وكون هذا أمِّياً نقيصة فيه وجهالة .
ومن جهالته احتجاجه بصفة النبي صلى الله عليه وسلم ، لكنه إذا استغفر وتاب ، واعترف ولجأ إلى الله فيترك ، لأن قوله لا ينتهي إلى حد القتل ، ما طريقه الأدب فطوع فاعله بالندم عليه يوجب الكف عنه .
ونزلت أيضاً مسألة استفتى فيها بعض قضاة الأندلس شيخنا القاضي أبا محمد ابن منصور رحمه الله في رجل تنقَّصه آخر بشيء ، فقال له :
إنما تريد نقصي بقولك ، وأنا بشر ، وجميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأفتاه بإطالة سجنه ، وإيجاع أدبه ، إذ لم يقصد السب ، وكان بعض فقهاء الأندلس أفتى بقتله .
الفصل الثامن
حكم من يقول ذلك حاكياً عن غيره ...
الوجه السادس: أن يقول القائل ذلك حاكياً عن غيره ، وآثراً له عن سواه ، فهذا ينظر في صورة حكايته وقرينة مقالته ، ويختلف الحكم باختلاف ذلك على أربعة وجوه : الوجوب ، و الندب ، والكراهة ، والتحريم. ، فإن كان أخبر به على وجه الشهادة التعريف بقائله ، والإنكار والإعلام بقوله ، والتنفير منه ، والتجريح له ـ فهذا مما ينبغي امتثاله ، ويحمد فاعله ، وكذلك إن حكاه في كتاب أو في مجلس على طريق الرد له والنقض على قائله ، وللفتيا بما يلزمه .
وهذا منه ما يجب ، ومنه ما يستحب بحسب حالات الحاكي لذلك والمحكي عنه ، فإن كان القائل لذلك ممن تصدى لأن يؤخذ عنه العلم أو رواية الحديث ، أو يقطع بحكمه أو شهادته ، أو فتياه في الحقوق ـ وجب على سامعه الإشادة بما سمع منه والتنفير للناس عنه ، والشهادة عليه بما قاله ، ووجب على من بلغه ذلك من أئمة المسلمين إنكاره ، وبيان كفره ، وفساد قوله ، لقطع ضرره عن المسلمين ، وقياماً بحق سيد المرسلين ، وكذلك إن كان ممن يعظ العامة ، أو يؤدب الصبيان فإن من هذه سريرته لا يؤمن على إلقاء ذلك في قلوبهم ، فيتأكد في هؤلاء الإيجاب لحق النبي صلى الله عليه وسلم، ولحق شريعته .
وإن لم يكن القائل بهذه السبيل فالقيام بحق النبي صلى الله عليه وسلم واجب ، وحماية عرضه متعين ، ونصرته عن الأذى حياً وميتاً مستحق على كل مؤمن ، لكنه إذا قام بهذا من ظهر به الحق ، وفصلت به القضية ، وبان به الأمر سقط عن الباقي الفرض ، وبقي الاستحباب في تكثير الشهادة عليه ، وعضد التحذير منه .
وقد أجمع السلف على بيان حال المتهم في الحديث ، فكيف بمثل هذا ؟ .
وقد سئل أبو محمد بن أبي زيد عن الشاهد يسمع مثل هذا في حق الله تعالى : أيسعه ألا يؤدي شهادته ؟ قال : إن رجا نفاذ الحكم بشهادته فليشهد .
وكذلك إن علم أن الحاكم لا يرى القتل بما شهد به ، ويرى الاستتابة والأدب فليشهد ، ويلزمه ذلك .
وأما الإباحة لحكاية قوله لغير هذين المقصدين ، فلا أرى لها مدخلاً في هذا الباب ، فليس التفكه بعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، التمضمض بسوء ذكره لأحد ، لا ذاكراً ولا آثراً لغير غرض شرعي بمباح .
وأما للأغراض المتقدمة فمتردد بين الايجاب والاستحباب .
وقد حكى الله تعالى مقالات المفترين عليه وعلى رسله في كتابه على وجه الإنكار لقولهم ، والتحذير من كفرهم ، الوعيد عليه ، والرد عليهم بما تلاه الله علينا في محكم كتابه .
وكذلك وقع من أمثاله في أحاديث النبي الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة على الوجوه المتقدمة ، وأجمع السلف والخلف من أئمة الهدى على حكايات مقالات الكفرة والملحدين في كتبهم ومجالسهم ليبينوها للناس ، وينقضوا شبهها عليهم ، وإن كان ورد لأحمد بن حنبل إنكار لبعض هذا على الحارث ابن أسد ، فقد صنع أحمد مثله في رده على الجهمية و القائلين بالمخلوق .
هذه الوجوه السائغة الحكاية عنها ، فأما ذكرها على غير هذا من حكاية سبه والإزراء بمنصبه على وجه الحكايات والأسمار والطرف وأحاديث الناس ومقالاتهم في الغث والسمين ، ومضاحك المجان ، ونوادر السخفاء ، والخوض في قيل وقال ، ما لا يعني ـ فكل هذا ممنوع ، وبعضه أشد في المنع والعقوبة من بعض ، فما كان من قائله الحاكي له على غير قصد أو معرفة بمقدار ما حكاه ، أو لم تكن عادته ، أو لم يكن الكلام من البشاعة حيث هو ، ولم يظهر على حاكيه استحسانه واستصوابه ـ زُجر عن ذلك ، ونُهي عن العودة إليه ، وإن قُوِّم ببعض الأدب فهو مستوجب له ، وإن كان لفظه من البشاعة حيث هو كان الأدب أشد .
وقد حكي أن رجلاً سأل مالكاً عمن يقول : القرآن مخلوق . فقال مالك : كافر فاقتلوه . فقال : إنما حكيته عن غيري . فقال مالك : إنما سمعناه منك .
وهذا من مالك على طريق الزجر والتغليظ ، بدليل أنه لم ينفذ قتله .
وإن اتهم هذا الحاكي فيما حكاه أنه اختلقه ، ونسبه إلى غيره ، أو كانت تلك عادة له ، أو ظهر استحسانه لذلك ، أو كان مولعاً بمثله ، والاستخفاف له ، أو التحفظ لمثله ، وطلبه ، ورواية أشعار هجْو النبي صلى الله عليه وسلم وسبه ، فحكم هذا حكم الساب نفسه ، يؤاخذ بقوله ، ولا تنفعه نسبته إلى غيره ، فيبادر بقتله ويعجل إلى الهاوية أمِّه .
قال أبو عبيد القاسم بن سلام ـ فيمن حفظ شطر بيت مما هُجي به النبي صلى الله عليه وسلم فهو كفر .
وقد ذكر بعض من ألف في الإجماع ـ إجماع المسلمين على تحريم رواية ما هُجي به النبي صلى الله عليه وسلم ، وكتابته وقراءته ، وتركه متى وجد دون محْو. ورحِم اللهُ أسلافنا المتقين المتحرزين لدينهم ، فقد أسقطوا من أحاديث المغازي والسير ما كان هذا سبيله ، وتركوا روايته إلا أشياء ذكروها يسيرة وغير مستبشعة ، على نحو الوجوه الأُوَّل ، ليروا نقمة الله من قائلها ، وأخذه المفتري عليه بذنبه .
وهذا أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله قد تحرى فيما اضطر إلى الاستشهاد به من أهاجي أشعار العرب في كتبه ، فكنى عن اسم المهجو بوزن اسمه ، استبراء لدينه ، وتحفظاً من المشاركة في ذم أحد أو نشره فكيف بما يتطرق إلى عرض سيد البشر صلى الله عليه وسلم.
