السبت 14 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 26 سبتمبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً ٤ – ٦ مساءً · عدا الجمعة

الفصل التاسع — الباب الثاني إن شاء الله ولكنه لايقال

الشفا بتعريف حقوق المصطفىالقسم الثالث — الباب الثاني إن شاء الله ولكنه لايقال

بيان الحكمة في إجراء الأمراض وشدتها عليه صلى الله عليه وسلموعلى غيره من الأنبياء

فإن قيل : فما الحكمة في إجراء الأمراض وشدتها عليه صلى الله عليه وسلم وعلى غيره من الأنبياء على

جميعهم السلام ؟ وما الوجه فيما ابتلاهم الله به من البلاء ، وامتحانهم بما امتحنوا به كأيوب ، ويعقوب ودانيال ، ويحيى ، وزكريا ، وعيسى ، وإبراهيم ، ويوسف ، وغيرهم ، صلوات الله عليهم ، وهم خيرته من خلقه واحباؤه وأصفياؤه ؟

فاعلم ـ وفقنا الله وإياك ـ أن أفعال الله تعالى كلها عدل ، وكلماته جميعها صدق لا مبدل لكلماته ، يبتلي عباده كما قال تعالى لهم :( لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (يونس : 14 ).

وقال : (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) ( سورة هود 7 )+ (الملك 2 )

وقال : (وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ ) (آل عمران : 140 ).

وقال : (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)

(آل عمران : 142 ).

وقال : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ)

(محمد : 31 ).

فامتحانه إياهم بضروب المحن زيادة في مكانتهم ، ورفعه في درجاتهم ، وأسباب لاستخراج حالات الصبر والرضا ، والشكر والتسليم ، والتوكل ، والتفويض ، والدعاء ، والتضرع منهم ، وتأكيد لبصائرهم في رحمة الممتحنين ، والشفقة على المبتلين ، وتذكرة لغيرهم ، وموعظة لسواهم ليتأسوا في البلاء بهم ، فيتسلوا في المحن بما جرى عليهم ، ويقتدوا بهم في الصبر ، ومحو لهنات فرطت منهم ، أو غفلات سلفت لهم ، ليلقوا الله طيبين مهذبين ، وليكون أجرهم أكمل ، وثوابهم أوفر وأجزل .

*حدثنا القاضي أبو علي الحافظ ، حدثنا أبو الحسين الصيرفي و أبو الفضل ابن خيرون ، قالا : حدثنا أبو يعلى البغدادي ، حدثنا أبو علي السنجي ، حدثنا محمد ابن محبوب ، حدثنا أبو عيسى الترمزي ، حدثنا قتيبة ، حدثنا حماد بن زيد ، عن عاصم بن بهدلة ، عن مصعب بن سعد ، عن أبيه حدثنا قال : قلت يا رسول الله ، أي الناس أشد بلاء ؟ قال: الأنبياء ، ثم الأمثل فالأمثل ، يبتلى الرجل على حسب دينه ، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض و ما عليه خطيئة .

وكما قال تعالى :( (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)

(آل عمران 146-148 )

وعن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله و ما عليه خطيئة.

وعن أنس ، عنه صلى الله عليه وسلم : إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا ، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة .

وفي حديث آخر: إذا أحب الله عبداً ابتلاه ليسمع تضرعه .

وحكى السمرقندي أن كل من كان أكرم على الله تعالى كان بلاؤه أشد كي يتبين فضله ، ويتسوجب الثواب كما روي عن لقمان أنه قال : يابني ، الذهب والفضة يختبران بالنار ، والمؤمن يختبر بالبلاء .

وقد حكي أن ابتلاء يعقوب بيوسف كان سببه التفاته في صلواته إليه ، ويوسف نائم محبة له .

وقيل : بل اجتمع يوماً هو وابنه يوسف على أكل حمل مشوي ، وهما يضحكان ، وكان لهم جار يتيم ، فشم ريحه واشتهاه وبكى ، وبكت له جدة له عجوز لبكائه ، وبينهما جدار ، ولا علم عند يعقوب وابنه ، فعوقب يعقوب بالبكاء أسفاً على يوسف إلى أن سالت حدقتاه ، وابيضت عيناه من الحزن . فلما علم بذلك كان بقية حياته يأمر منادياً ينادي على سطحه : ألا من كان مفطراً فليتغذ عند آل يعقوب . وعوقب يوسف بالمحنة التي نص الله عليها .

وروى عن الليث أن سبب بلاء أيوب أنه دخل مع أهل قريته على ملكهم فكلموه في ظلمه ، وأغلظوا له إلا أيوب ، فإنه رفق به مخافة على زرعه ، فعاقبه الله ببلائه .

ومِحنَة سليمان لما ذكرناه من نيته في كون الحق في جنبه أصهاره ، أو للعمل بالمعصية في داره ، ولا علم عنده .

وهذه فائدة شدة المرض والوجع بالنبي صلى الله عليه وسلم ، قالت عائشة : ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعن عبد الله : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه ، يوعك وعكاً شديداً ،‍ قال : أجل ، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم . قلت : ذلك أن لك الأجر مرتين ، قال : أجل ، ذلك كذلك .

وفي حديث أبي سعيد أن رجلاً وضع يده على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : والله ما أطيق أضع يدي عليك من شدة حماك . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء ، إن كان النبي ليبتلى بالقمل حتى يقتله ، وإن كان النبي ليبتلى بالفقر ، وإن كانوا ليفرحون بالبلاء كما تفرحون بالرخاء .

وعن أنس ، عنه (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً) (النساء :

123 ):

إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم ، فمن رضي فله الرضا ، ومن سخط فله السخط .

وقد قال المفسرون في قوله تعالى : ( مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ) (النساء : 123 )) ، إن المسلم يجزى بمصائب الدنيا فتكون له كفارة . وروى هذا عن عائشة وأبيّ ، ومجاهد .

وقال أبو هريرة ، عنه صلى الله عليه وسلم: من يرد الله به خيراً يصب منه .

وفي رواية عائشة ،قال صلى الله عليه وسلم:ما من مصيبة تصيب المسلم إلا يكفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاركها .

وفي رواية أبي سعيد ، قال صلى الله عليه وسلم: ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ، وقيل ولا همّ ولا حزن ، ولا أذى ولا غمّ ، حتى الشوكة يشاكلها إلا كفر الله بها من خطاياه .

وفي حديث ابن مسعود، قال صلى الله عليه وسلم: ما من مسلم يصيبه أذى إلا حاتَّ اللهُ عنه خطاياه كما تحات ورق الشجر

وحكمة أخرى أودعها الله في الأمراض لأجسامهم ، وتعاقب الأوجاع عليها وشدتها عند مماتهم ، لتضعف قوى نفوسهم ، فيسهل خروجها عند قبضهم ، وتخف عليهم مؤنة النزع ، وشدة السكرات بتقدم المرض ، وضعف الجسم والنفس لذلك .

وهذا خلاف موت الفجاءة وأخذه ، كما يشاهد من اختلاف أحوال الموتى في الشدة واللين ، والصعوبة والسهولة . وقد قال صلى الله عليه وسلم : مثل المؤمن مثل خامة الزرع تُـفَـيِّـؤُها الريح هكذا وهكذا

وفي رواية أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم : من حيث أتتها الريح تَـكْـفِـؤُها ، فإذا سكنت اعتدلت ، و كذلك المؤمن يُكْفَأُ بالبلاء . و مثل الكافر كمثل الأرزة صماء معتدلة حتى يقصمه اللهُ .

معناه أن المؤمن مُرَزَّء ، مُصاب بالبلاء والأمراض ، راضٍ بتصريفه بين أقدار الله تعالى ، منطاع لذلك ، لين الجانب برضاه وقلة سخطه ، كطاعة خامة الزرع وانقيادها للرياح ، وتمايلها لهبوبها وترنُّحها من حيث ما أتتها ، فإذا أزاح الله عن المؤمن رياح البلايا ، واعتدل صحيحاً كما اعتدلت خامة الزرع عند سكون رياح الجو رجع إلى شكر ربه معرفة نعمته عليه بلائه ، منتظراً رحمته وثوابه عليه .

فإذا كان بهذه السبيل لم يصعب عليه مرض الموت ، ولا نزوله ، ولا اشتدت عليه سكراته ونزعه ، لعادته بما تقدم من الآلام ومعرفة ما له فيها من الأجر وتوطينه نفسه على المصائب ورقتها وضعفها بتوالي المرض أو شدته ، والكافر بخلاف هذا ، معافى في غالب حاله ، ممتع بصحة جسمه ، كالأرز ة الصماء ، حتى إذا أراد اللهُ هلاكَه قصمَه لحينه على غرة ، وأخذه بغتة من غير لطف ولا رفق ، فكان موتُه أشدَّ عليه حسرة ، ومقاساة نزعه مع قوة نفسه وصحة جسمه أشد ألماً وعذاباً ،( وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى) (طه : 127 )، كانجعاف الأرزة . و كما قال تعالى :( فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) (الأعراف : 95 )

وكذلك عادة الله تعالى في أعدائه ، كما قال تعالى : (فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (العنكبوت : 40 )، ففَجأ جميعَهم بالموت على حال عتو وغفلة و صبَّحهم به على غير استعداد بغتة ، ولهذا ذُكر عن السلف أنهم كانوا يكرهون موت الفجأة . ومنه في حديث إبراهيم : كانوا يكرهون أخذة كأخذة الأسف : أي الغضب ، يريد موت الفجاءة .

وحكمه ثالثة أن الأمراض نذير الممات ، و بقدر شدة الخوف من نزول الموت ، فيستعد من أصابته ، وعلم تعاهدها له ، للقاء ربه ، ويعرض عن دار الدنيا الكثيرة الأنكاد ، ويكون قلبه معلقاً بالمعاد ، فيتنصل من كل ما يخشى تباعته من قبل الله ، وقبل العباد ، ويؤدي الحقوق إلى أهلها ، وينظر فيما يحتاج إليه من وصية فيمن يخلفه أو أمر يعهده .

وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم المغفور له ما تقدم وما تأخر ، قد طلب التنصل في مرضه ممن كان له عليه مال أو حق في بدن ، وأقاد من نفسه وماله ، وأمكن من القصاص منه ، على ما ورد حديث في الفضل ، وحديث الوفاة ، وأوصى بالثقلين بعده : كتاب الله ، وعترته و بالأنصار عيبته ، ودعى إلى كتب كتاب لئلا تضل أمته بعده ، إما في النص على الخلافة ، أو الله أعلم بمراده . ثم رأى الإمساك عنه أفضل وخيراً .

وهكذا سيرة عباد الله المؤمنين وأوليائه المتقين

وهذا كله يحرمه غالباً الكفار ، لإملاء الله لهم ، ليزدادوا إثماً ، وليستدرجهم من حيث لا يعلمون ، قال الله تعالى : (مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ*فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) (يس : 49+50 ))

ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في رجل مات فجأة : سبحان الله .. كأنه على غضب ، المحروم من حرم وصيته . وقال : موت الفُجَأة راحةٌ للمؤمن ، وأخذةُ أسفٍ للكافر والفاجر ، وذلك لأن الموت يأتي المؤمن ، وهو غالباً مستعد له منتظر لحلوله ، فهان أمر عليه كيفما جاء ، وأفضى إلى راحته من نصب الدنيا وأذاها ، كما قال صلى الله عليه وسلم : مستريح ومستراح منه . وتأتي الكافر والفاجر منيته على غير استعداد ولا أهبة ولا مقدمات منذرة مزعجة ، (بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ) (الأنبياء : 40)، فكان الموت أشد شيء عليه .وفراق الدنيا أفظع أمر صدمه ، وأكره شيء له ، وإلى هذا المعنى أشار صلى الله عليه وسلم بقوله : من أحب لقاء الله أحب اللهُ لقاءَه ، و من كرِه لقاءَ اللهِ كره اللهُ لقاءه .

هذه المعلومات والوصفات للمعرفة فقط وليست وصفات علاجية، ويجب استشارة الطبيب المعالج قبل تناولها؛ فالكثير من الأعراض قد يتشابه، ولذلك يجب تشخيص الحالات المرضية بدقة.