في تصرف وجوه الأحكام فيمن تنقص أو سب النبي صلى الله عليه وسلم
المقدمة:
*قال القاضي أبو الفضل رضي الله عنه : قد تقدم من الكتاب والسنة وإجماع الأمة ما يجب من الحقوق للنبي صلى الله عليه وسلم، وما يتعين له من بر وتوقير ، وتعظيم وإكرام ، وبحسب هذا حرم الله تعالى أذاه في كتابه ، وأجمعت الأمة على قتل متنقصه من المسلمين وسابه ،
قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً) (الأحزاب : 57 ).
وقال :( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة : 61 ).
وقال : (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً) (الأحزاب :
53 )
وقال تعالى، في تحريم التعريض به :( (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
(البقرة : 104 ).
وذلك أن اليهود كانوا يقولون : راعنا يا محمد ، أي أرعنا سمعك ، واسمع منا ، ويعرضون بالكلمة ، يريدون الرعونة ، فنهى الله المؤمنين عن التشبه بهم ، وقطع الذريعة بنهي المؤمنين عنها ، لئلا يتوصل بها الكافر والمنافق إلى سبه والاستهزاء به .
وقيل : بل لما من مشاركة اللفظ ، لأنها عند اليهود بمعنى اسمع لا سمعت .
و قيل : بل لما فيها من قله الأدب ، وعدم توقير النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه ، لأنها في لغة الأنصار بمعنى ارعنا نرعك ، فنهوا عن ذلك ، إذ مضمنه أنهم لا يرعونه إلا برعايته لهم ، وهو صلى الله عليه وسلم واجب الرعاية بكل حال.
وهذا هو صلى الله عليه وسلم قد نهى عن التكني بكنيته ، فقال : تسموا باسمي ، ولا تكنوا بكنيتي ، صيانة لنفسه ، وحماية عن أذاه ، إذ كان استجاب لرجل نادى : يا أبا القاسم ، فقال : لم أعْنِكَ ، إنما دعوت هذا ، فنهى حينئذ عن التكني بكنيته لئلا يتأذى بإجابة دعوة غيره لمن لم يدعُه ، ويجد بذلك المنافقون والمستهزئون ذريعة إلى أذاه دعوة غيره فينادونه ، فإذا التفت قالوا : إنما أردنا هذا ، لسواه ، تعنيتاً له واستخفافاً بحقه على عادة المجَّان والمستهزئين ، فحمى صلى الله عليه وسلمحمى أذاه بكل وجه ، فحمل محققوا العلماء نهيَه عن هذا على مدة حياته ، وأجازوه بعد وفاته لارتفاع العلة .
وللناس في هذا الحديث مذاهب ليس هذا موضعها ، وما ذكرناه هو مذهب الجمهور ، والصواب إن شاء الله . وإن ذلك على طريق تعظيمه وتوقيره ، وعلى سبيل الندب والاستحباب ، لا على التحريم ، ولذلك لم ينْه عن اسمه،لأنه قد كان الله منع من ندائه به بقوله(لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضاً ) (النور : 63 )، وإنما كان المسلمون يدعونه برسول الله ، وبنبي الله ، وقد يدعوه، بكنيته أبا القاسم بعضهم في بعض الأحوال .
وقد روى أنس رضي الله عنه ، عنه صلى الله عليه وسلم ، ما يدل على كراهة التسمي باسمه ، وتنزيهه عن ذلك ، إذا لم يوقر ، فقال : تسمون أولادكم محمداً ثم تلعنوهم .
وروى أن عمر رضي الله عنه كتب إلى أهل الكوفة :
لايسمى أحد باسم النبي صلى الله عليه وسلم ، حكاه أبو جعفر الطبري
وحكى محمد بن سعد أنه نظر إلى رجل اسمه محمد ، ورجل يسبه ويقول له : فعل الله بك يا محمد وصنع . فقال عمر لابن أخيه محمد بن زيد بن الخطاب : لا أرى محمداً صلى الله عليه وسلم يسب بك ، والله لا تدعى محمداً ما دمت حياً ، وسماه عبد الرحمن ، وأراد أن يمنع أن يسمى أحد بأسماء الأنبياء إكراماً لهم بذلك
وغير أسماء جماعة تسموا بأسماء الأنبياء ، ثم أمسك .
والصواب جواز هذا كله بعده صلى الله عليه وسلم، بدليل إطباق الصحابة على ذلك . وقد سمى جماعة منهم ابنه محمداً ، و كناه بأبي القاسم . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في ذلك لعلي رضي الله عنه . وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن ذلك اسم الهدي و كنيته . وقد سمَّي به النبيُّ صلى الله عليه وسلم محمد بن طلحة ، ومحمد بن عمرو بن حزم ، ومحمد بن ثابت بن قيس ، وغير واحد ، و قال : ما ضر أحدكم أن يكون في بيته محمد ومحمدان وثلاثة .
وقد فصلت الكلام في هذا القسم على بابين كما قدمناه :
الباب الأول
في بيان ما هو ـ في حقه صلى الله عليه وسلم ـ سب أو نقص ، من تعريض أو نص...
وفيه 10 فصول:
1- الحكم الشرعي فيمن سب النبي صلى الله عليه وسلم أو تنقصه
2- في الحجة في إيجاب قتل من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو عابه
3- أسباب عفو النبي صلى الله عليه وسلم على بعض من آذاه
4- حكم القائل لما قال في جهة النبي صلى الله عليه وسلم غير قاصد للسب والإزراء ، ولا معتقد له...
5- حكم من يقصد إلى تكذيب النبي صلى الله عليه وسلمفيما قاله وأتى به ،أو نفِي نبوَّته أو رسالته ،أو وجوده ...
6- حكم من يأتي من الكلام بمجمل ويلفظ من القول بمشكل يمكن حملُه على النبي صلى الله عليه وسلمأو غيره ..
7- حكم من لا يقصد نقصاً ، ولا يذكر عيباً ولا سباً ، لكنه ينزع بذكر بعض أوصافه...
8- حكم من يقول ذلك حاكياً عن غيره
9- ما يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم ، أو يختلف في جوازه...
10- الالتزام عند ذكر النبيصلى الله عليه وسلم بالواجب من توقيره وتعظيمه
