السبت 14 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 26 سبتمبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً ٤ – ٦ مساءً · عدا الجمعة

الفصل الثامن — الباب الثاني إن شاء الله ولكنه لايقال (2)

الشفا بتعريف حقوق المصطفىالقسم الثالث — الباب الثاني إن شاء الله ولكنه لايقال

في أفعاله صلى الله عليه وسلم الدنيوية

وأما أفعاله صلى الله عليه وسلم الدنيوية فحكمه فيها من تَوَقّي المعاصي والمكروهات ما قد قدمناه ، ومن جواز السهو والغلط في بعضها ما ذكرناه .

وكله غير قادح في النبوة ، بل إن هذا فيها على الندور ، إذ عامة أفعاله على السداد والصواب ، بل أكثرها أو كلها جارية مجرى العبادات والقرَب على ما بينا إذ كان صلى الله عليه وسلم لا يأخذ منها لنفسه إلا ضرورتة ، وما يقيم رمق جسمه ، وفيه مصلحة ذاته التي بها يعبد ربه ، ويقيم شريعته ، ويسوس أمته ، وما كان فيما بينه وبين الناس من ذلك فبين معروف يصنعه ، أو بر يوسعه ، أوكلام حسن يقوله أو يسمعه ، أو تألف شارد ،أو قهر معاند ، أو مداراة حاسد ، وكل هذا لاحق بصالح أعماله ، متتظم في زاكي وظائف عباداته ، وقد كان يخالف في أفعاله الدنيوية بحسب اختلاف الاحوال ، ويعد للأمور أشباهها ، فيركب ـ في تصرفه لما قرب ـ الحمار ، وفي أسفاره الراحلة ، ويركب البغلة في معارك الحرب دليلاً على الثبات ، ويركب الخيل ويعدها ليوم الفزع وإجابه الصارخ .

وكذلك في لباسه و سائر أحواله بحسب اعتبار مصالحه ومصالح أمته .

وكذلك يفعل الفعل في أمور الدنيا مساعدة لأمته وسياسة وكراهية لخلافها وإن كان قد يرى غيره خيراً منه كما يترك الفعل لهذا ، وقد يرى فعله خيراً منه وقد يفعل هذا في الأمور الدينية مما له الخيرة في أحد وجهيْه ، كخروجه من المدينة لاحد ، وكان مذهبه التحصن بها ، وتركه قتل المنافقين ، وهو على يقين من أمرهم مؤالفة لغيرهم ، ورعاية للمؤمنين من قرابتهم ، وكراهة لأن يقول الناس : إن محمداً يقتل أصحابه ، كما جاء في الحديث ، وتركه بناء الكعبة على قواعد إبراهيم مراعاة لقلوب قريش وتعظيمهم لتغييرها ، وحذراً من نفار قلوبهم لذلك ، وتحريك متقدم عداوتهم للدين وأهله ، فقال لعائشة في الحديث الصحيح : لولا حدثان قومك بالكفر لأتممت البيت على قواعد إبراهيم .

ويفعل الفعل ثم يتركه ، لكون غيره خيراً منه ، كانتقاله من أدنى مياه بدر إلى أقربها للعدو من قريش ، وقوله : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي .

وبسط وجهه للكافر والعدو رجاء استئلافه .

ويصبر للجاهل ، ويقول : إن من شرار الناس من اتقاه الناس لشره . ويبذل له الرغائب ليحبب إليه شريعته ودين ربه . ويتولى في منزله ما يتولى الخادم من مهنته ، ويتسمت في ملئه ، حتى لا يبدو شيء من أطرافه ، وحتى كأن على رؤوس جلسائه الطير ، ويتحدث مع جلسائه بحديث أولهم ، ويتعجب مما يتعجبون منه ، ويضحك مما يضحكون منه ، قد وسع الناس بشره وعدله ، لا يستفزه الغضب ، ولا يقصر عن الحق ولا يبطن على جلسائه ، يقول : ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين .

فإن قلت : فما معنى قوله لعائشة رضي الله عنها في الداخل عليه : بئس ابن العشيرة . فلما دخل ألان له القول وضحك معه ، فلما خرج سألته عن ذلك، فقال: إن من شرالناس من اتقاه الناس لشره .

وكيف جاز أن يظهر لهما خلاف ما يبطن ، ويقول في ظهره ما قال ؟

فالجواب أن فعله صلى الله عليه وسلم كان استئلافاً لمثله ، وتطييباً لنفسه ، ليتمكن إيمانه ، ويدخل في الإسلام بسبب أتباعه ، ويراه مثله فينجذب بذلك إلى الإسلام . ومثل هذا على هذا الوجه قد خرج من حد مداراة الدنيا إلى السياسة الدينية . وقد كان النبيصلى الله عليه وسلم يستألفهم بأموال الله العريضة فكيف بالكلمة اللينة ؟ .

قال صفوان : لقد أعطاني وهو أبغض الخلق إلي ، فما زال يعطيني حتى صار أحب الخلق إلي .

وقوله فيه : بئس ابن العشيرة ـ هو غير غيبة ، بل هو تعريف ما علمه منه لمن لم يعلم ليحذر حاله ، ويحترز منه ، ولا يوثق بجانبه كل الثقة ولا سيما وكان مطاعاً متبوعاً .

ومثل هذا إذا كان لضرورة ودفع مضرة لم يكن بغيبة ، بل كان جائزاً ، بل واجباً في بعض الأحيان كعادة المحدثين في تجريح الرواة والمزكين في الشهود .

فإن قيل : فما معنى المفضل الوارد في حديث بريرة من قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة ، وقد أخبرته أن موالي بريرة أبَوْا بيعها إلا أن يكون لهم الولاء ، فقال صلى الله عليه وسلم : اشتريها واشترطي لهم الولاء .

ففعلت ، ثم قام خطيباً ،فقال : ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله ، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل والنبيصلى الله عليه وسلم قد أمرها بالشرط لهم ، وعليه باعوها ، ولولاه ـ والله أعلم ـ لما باعوها من عائشة ، كما لم يبيعوها قبل حتى شرطوا ذلك عليها ، ثم أبطله صلى الله عليه وسلم ، وهو قد حرم الغش والخديعة .

فاعلم ـ أكرمك الله ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم منزه عما يقع في بال الجاهل من هذا ، ولتنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ما قد أنكر قوم هذه الزيادة : قوله : اشترطي لهم الولاء ، إذ ليست في أكثر طرق ا لحديث ، ومع ثباتها فلا اعتراض بها ، إذ يقع لهم بمعنى عليهم ، قال الله تعالى :( أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ) (الرعد : 25 ) . وقال : (وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ) . (الإسراء : 7 )

فعلى هذا اشترطي عليهم الولاء لك ، ويكون قيام النبي صلى الله عليه وسلم ووعظه لما سلف من شرط الولاء لأنفسهم قبل ذلك .

ووجه ثاني : أن قوله صلى الله عليه وسلم: اشترطي لهم الولاء ،ليس على معنى الأمر ، لكن على معنى التسوية والإعلام بأن شرطه لهم لا ينفعم بعد بيان النبي صلى الله عليه وسلم لهم قبل أن الولاء لمن أعتق ، فكأنه قال : اشترطي أو لا تشترطي ، فإنه شرط غير نافع .

وإلى هذا ذهب الداودي وغيره ، وتوبيخ النبي صلى الله عليه وسلم لهم ، وتقريعهم على ذلك يدل على علمهم به قبل هذا

الوجه الثالث : أن معنى قوله : اشترطي لهم الولاء ، أي أظهري لهم حكمه ، و بيني سنتة بأن الولاء إنما هو لمن أعتق . ثم بعد هذا قام هو صلى الله عليه و سلم مبيناً ذلك و موبخاً على مخالفة ما تقدم منه فيه

فإن قيل : فما معنى فعل يوسف عليه السلام بأخيه ، إذ جعل السقاية في رحله وأخذه باسم سرقتها ، وما جرى علىإخوته في ذلك و قوله تعالى :( إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) (يوسف : 70 )، و لم يسرقوا .

فاعلم ـ أكرمك الله ـ أن الآية تدل على أن فعل يوسف كان عن أمر الله ، لقوله تعالى :( َذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (يوسف : 76 )

فإذا كان كذلك فلا اعتراض به ، كان فيه ما فيه .

وأيضاً فإن يوسف كان أعلم أخاه: (قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (يوسف : 69 )، فكان ما جرى عليه بعد هذا من وفقه ورغبته ، وعلى يقين من عقبى الخير له به ، وإزاحة السوء والمضرة عنه بذلك .وأما قوله :( أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) (يوسف : 70 )، فليس من قول يوسف . فيلزم عليه جواب لحل شبهه . ولعل قائله إن حسن له التأويل كائناً من كان ظن على صورة الحال ذلك وقد قيل قال ذلك لفعلهم قبل بيوسف وبيعهم له وقيل غير هذا : ولا يلزم أن نُقَوِّل الأنبياءَ ما لم بأت أنهم قالوه ، حتى يطلب الخلاص منه ، ولا يلزم الاعتذار عن زلات غيرهم .

هذه المعلومات والوصفات للمعرفة فقط وليست وصفات علاجية، ويجب استشارة الطبيب المعالج قبل تناولها؛ فالكثير من الأعراض قد يتشابه، ولذلك يجب تشخيص الحالات المرضية بدقة.