في وجه حديث : إنما محمد بشر ...
فإن قيل : فما وجه حديثه أيضاً الذي حدثناه الفقيه أبو محمد الخشني بقراءتي عليه ، حدثنا أبو علي الطبري ، حدثنا عبد الغافر الفارسي ، حدثنا أبو أحمد الجلودي ، قال : حدثنا إبراهيم بن سفيان ، حدثنا مسلم بن حجاج ، حدثنا قتيبة ،حدثنا ليت ،عن سعيد بن أبي سعيد ،عن سالم مولى النصريين ،قال :سمعت أبا هريرة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم إنما محمد بشر ، يغضب كما يغضب البشر ، وإني قداتخذت عندك عهداً لن تخلفنيه ، فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها كفارةً له ، وقربةً تقربُه بها إليك يوم القيامة .
وفي رواية : فأيُّما أحدٍ دعوتُ عليه دعوة .
وفي رواية : ليس لها بأهل .
وفي رواية : فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلْها له زكاةً وصلاةً ورحمةً .
وكيف يصح أن يلعن النبي صلى الله عليه وسلم من لا يستحق اللعن ، ويسب من لا يستحق السب ، ويجلد من لا يستحق الجلد ، أو يفعل مثل ذلك عند الغضب ، وهو معصوم عن هذا كله ؟ .
فاعلم ـ شرح الله صدرك ـ أن قوله صلى الله عليه وسلم أولاً : ليس لها بأهل ، أي عندك يا رب ، في باطن أمره ، فإن حكمه صلى الله عليه وسلم على الظاهر ، كما قال : وللحكمة التي ذكرناها ، فحكم صلى الله عليه وسلم بجلده ، أو أدبه بسبه أو لعنه بما افتضاه عنده حال ظاهره ، ثم دعا صلى الله عليه وسلم لشفقته على أمته ، ورأفته ورحمته له مؤمنين ، التي وصفه الله بها ، وحذره أن يتقبل الله فيمن دعا عليه دعوة ـ أن يجعل دعاءَه ولعنَه له رحمة ، فهو معنى قوله : ليس لها بأهل ، لا أنه صلى الله عليه وسلم يحمله الغضب ويستفزه الضَّجر لأن يفعل مثل هذا بمن لا يستحقه من مسلم .
وهذا معنى صحيح ، ولا يفهم من قوله : أغضب كما يغضب البشر ـ أن الغضب حمله على ما لا يجب فعله ، بل يجوز أن يكون المراد بهذا أن الغضب لله حمله على معاقبته بلعنه أو سبه ، وأنه مما كان يحتمل ويجوز عفوه عنه ، أو كان مما خير بين المعاقبة فيه والعفو عنه .
وقد يحمل على أنه خرج مخرج الإشفاق و تعليم أمته الخوف و الحذر من تعدي حدود الله تعالى .
وقد يحمل ما ورد من دعائه هنا ، و من دعواته على غير واحد في غير موطن ، على غير العقد والقصد ، بل بما جرت به عادة العرب ، وليس المراد بها الإجابة ، كقوله صلى الله عليه وسلم : تربت يمينك .
ولا أشبع ا لله بطنك . وعقري حلقي . وغيرها من دعواته .
وقد ورد في صفته في غير حديث ـ أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن فحاشاً وقال أنس لم يكن سباباً ، ولا فاحشاً ، ولا لعاناً ، وكان يقول لأحدنا عند المعتبة ، ما له .. ترب جبينه !
فيكون حمل الحديث على هذا المعنى ، ثم أشفق صلى الله عليه وسلم من موافقة أمثالها إجابة ، فعاهد ربه ، كما قال في الحديث ، أن يجعل ذلك للمقول زكاة ورحمة وقربة .
وقد يكون ذلك إشفاقاً على المدعو عليه ، وتأنيساً له ، لئلا يلحقه من استشعار الخوف والحذر من لعن النبي صلى الله عليه وسلم، و تقبل دعائه ، ما يحمله على اليأس والقنوط .
وقد يكون ذلك سؤالاً منه لربه لمن جلده ، أو سبه على حق وبوجه صحيح أن يجعل ذلك له كفارةً لما أصابه ، وتمحيةً لما اجترم ، وأن تكون عقوبته له في الدنيا سبب العفو والغفران ، كما جاء في الحديث الآخر : ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة .
فإن قلت : فما معنى حديث الزبير وقول النبي صلى الله عليه وسلم حين تخاصمه مع الأنصاري في شِراج الحرة : اسق يا زبير حتى يبلغ الكعبين .
فقال له الأنصاري : إن كان ابن عمتك يا رسول الله ! فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال : اسق يازبير ثم احبس حتى يبلغ الجدر . . الحديث .
فالجواب أن النبي صلى الله عليه وسلم منزه أن يقع بنفس مسلم منه في هذه القصة أمر يريب ، و لكنه صلى الله عليه وسلم ندب الزبير أولاً إلى الاقتصار على بعض حقه على طريق التوسط والصلح ، فلما لم يرض بذلك الآخر ، ولجَّ وقال ما لا يجب استوفى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير حقه .
ولهذا ترجم البخاري على هذا الحديث : باب . إذا أشار الإمام بالصلح فأبى حكم عليه بالحكم .
وذكر في آخر الحديث : فاستوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ للزبير حقه .
وقد جعل المسلمون هذا الحديث أصلاً في قضيته .
وفيه الاقتداء به صلى الله عليه وسلم في كل ما فعله في حال غضبه ورضاه ، وأنه ـ وإن نهى أن يقضي القاضي وهو غضبان ، فإنه في حكمه في حال الغضب والرضا سواء لكونه فيهما معصوماً . وغضب النبي صلى الله عليه وسلم في هذا إنما كان لله تعالى لا لنفسه، كما جاء في الحديث .
وكذلك الحديث في إقادته عكاشة من نفسه لم يكن لتعد حمله الغضب عليه ، بل وقع في الحديث نفسه أن عكاشة قال له : وضربتني بالقضيب ، فلا أدري أعمداً ، أم أردت ضرب الناقة ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أعيذك بالله يا عكاشة أن يتعمدك رسول الله .
وكذلك في حديثه الآخر مع الأعرابي حين طلب صلى الله عليه وسلم الاقتصاص منه ، فقال الأعرابي قد عفوت عنك . وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد ضربه بالسوط لتعلقه بزمام ناقته مرة بعد أخرى ، و النبي صلى الله عليه وسلم ينهاه و يقول له : تدرك حاجتك ، و هو يأبى ، فضربه بعد ثلاث مرات .
وهذا منه صلى الله عليه وسلم لمن لم يقف عند نهيه صواب وموضع أدب ، لكنه صلى الله عليه وسلم :أشفق إذ كان حق نفسه من الأمر حتى عفا عنه .
وأما حديث سواد بن عمرو : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا متخلق ، فقال صلى الله عليه وسلم : وَرْسٌ ، ورس ... حُطَّ ، حط ... وغشيني بقضيب في يده في بطني فاوجعني .
قلت : القصاص يا رسول الله . فكشف لي عن بطنه.
و إنما ضربه صلى الله عليه وسلم لمنكر رآه به ، ولعله لم يرد بضربه بالقضيب إلا تنبيهه ، فلما كان منه إيجاع لم يقصده طلب التحلل منه على ما قدمنا .
