السبت 14 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 26 سبتمبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً ٤ – ٦ مساءً · عدا الجمعة

الفصل السادس عشر — الباب الثاني إن شاء الله ولكنه لايقال

الشفا بتعريف حقوق المصطفىالقسم الثالث — الباب الثاني إن شاء الله ولكنه لايقال

في القول في عصمة الملائكة

أجمع المسلمون على أن الملائكة مؤمنون فضلاء ، واتفق أئمة المسلمين أن حكم المرسلين منهم حكم النبيين سواء في العصمة مما ذكرنا عصمتهم منه ، وأنهم في حقوق الأنبياء والتبليغ إليهم كالأنبياء مع الأمم .

واختلفوا في غير المرسلين منهم ، فذهبت طائفة إلى عصمة جميعهم عن المعاصي ، واحتجوا بقوله تعالى (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحريم : 6 ) .

وبقوله : (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ* وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ) (الصافات : 165 167- ).

وبقوله : (وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ* يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ) (الأنبياء : 19 -20) .

وبقوله : (إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) (الأعراف : 206 ).

وبقوله :(كِرَامٍ بَرَرَةٍ) (عبس : 16 ))

وبقوله : (لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) (الواقعة : 79 )،

ونحوه من السمعيات .

وذهبت طائفة إلى أن هذا خصوص للمرسلين منهم والمقربين . واحتجوا بأشياء ذكرها أهل الأخبار والتفاسير ، نحن نذكرها إن شاء الله بعد ، ونبين الوجه فيها إن شاء الله .

والصواب عصمة جميعهم ، وتنزيه نصابهم الرفيع عن جميع ما يحط من رتبتهم ومنزلتهم عن جليل مقدارهم .

ورأيت بعض شيوخنا أشار بأن لا حاجة بالفقيه إلى الكلام في عصمتهم ، وأنا أقول : إن للكلام في ذلك ما للكلام في عصمة الأنبياء من الفوائد التي ذكرناها سوى فائدة الكلام في الأقوال والأفعال ، فهي ساقطة ها هنا .

فمما احتج به من لم يوجب عصمة جميعهم قصة هاروت وماروت ، وما ذكر فيها أهل الأخبار ونقله المفسرين ، وما روي عن علي وابن عباس في خبرهما وابتلائهما .

فاعلم ـ أكرمك الله ـ أن هذه الأخبار لم يرو منها شيء لا سقيم ولا صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس هو شيئاً يؤخذ بقياس .

والذي منه في القرآن اختلف المفسرون في معناه ، وأنكر ما قال بعضهم فيه كثير من السلف كما سنذكره وهذه الأخبار من كتب اليهود وافترائهم ، كما نصه الله أول الآيات من افترائهم بذلك على سليمان وتكفيرهم إياه .وقد انطوت القصة على شنع عظيمة . وها نحن نخبر في ذلك ما يكشف غطاء هذه الإشكالات إن شاء الله.

فاختلف أولاً في هاروت وماروت ، هل هما ملكان أو إنسيان ؟ وهل هما المراد بالملكين أم لا ؟ وهل القراءة ملكين أو ملكين ؟ وهل ما في قوله تعالى: (وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) (البقرة 102 ) وقوله:( وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ) (البقرة 102 ) نافية أو موجبة ! .

فأكثر المفسرين أن الله تعالى امتحن الناس بالملكين لتعليم السحر وتبيينه ، وأن عمله كفر ، فمن تعلمه كفر ، ومن تركه آمن ، وقال الله تعالى :( إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ) (البقرة 102 ) وتعليمها الناس له تعليم إنذار ، أي يقولان لمن جاء يطلب تعلمه : لا تفعلوا كذا : فإنه يفرق بين المرء وزوجه ، ولا تتحيلوا بكذا ، فإنه سحر ، فلا تكفروا .

فعلى هذا فعل الملكين طاعة ، وتصرُّفهماً فيما أمرا به ليس بمعصية ، وهي لغيرهما فتنة .

وروى ابن وهب ، عن خالد بن أبي عمران ـ أنه ذكر عنده هاروت وماروت ، وأنهما يعلمان السحر ، فقال : نحن ننزههما عن هذا .

فقرأ بعضهم : (وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ)

. فقال خالد : لم ينزل عليهما .

فهذا خالد على جلالته وعلمه نزههما عن تعليم السحر الذي قد ذكر غيره أنهما مأذون لهما في تعليمه بشريطة أن يبينا أنه كفر ، ، وأنه امتحان من الله وابتلاء ، فكيف لا ينزههما عن كبائر المعاصي والكفر المذكورة في تلك الأخبار .

و قول خالد : لم ينزل : يريد أن ما نافية ، وهو قول ابن عباس ، قال مكي : وتقدير الكلام : (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ) ـ يريد بالسحر الذي افتعلته الشياطين ، فاتبعتهم في ذلك اليهود ، : (وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ)

، قال مكي : هما جبريل وميكائيل :

ادعى اليهود عليهما المجيء به ، كما ادعوا على سليمان ، فأكذبهم الله في ذلك .

َ(ولَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْر) (البقرة : 102 ) َببابل، هاروت وماروت قيل : هما رجلان تعلماه .

قال الحسن : هاروت وماروت علجان من أهل بابل ، وقرأ : (وما أنزل على الملِكين) ـ بكسر اللام ، وتكون ما ايجاباً على هذا .

وكذلك قراءة عبد الرحمن بن أبزى ـ بكسر اللام ، ولكنه قال : الملكان هنا داود وسليمان ، وتكون ما نفياً على ما تقدم .وقيل : كانا ملِكين من بني اسرائيل ، فمسخهما الله ، حكاه السمرقندي .

والقراءة بكسر اللام شاذة ، فحمل الآية على تقدير أبي محمد مكي حسن ينزه الملائكة ويذهب الرجس عنهم ، ويطهرهم تطهيراً .

وقد وصفهم الله مطهرون ، وكرام بررة ، ولا يعصون الله ما أمرهم .

ومما يذكرونه قصة إبليس ، وأنه كان من الملائكة ورئيساً فيهم ، ومن خزان الجنة ...

إلى آخر ما حكوه وأنه استثناه من الملائكة بقوله : (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (البقرة : 34 )

وهذا أيضاً لم يتفق عليه ، بل الأكثر ينفون ذلك ، وأنه أبو الجن ، كما أن آدم أبو الإنس ، وهو قول الحسن ، وقتادة ، وابن زيد .

وقال شهر بن حوشب : كان من الجن الذين طردتهم الملائكة في الأرض حين أفسدوا ، والاستثناء من غير الجنس شائع في كلام العرب سائغ ، وقد قال الله تعالى : (مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ ) (النساء :

157 ) [ سورة النساء / 4 ، الآية : 157 ] .

ومما رووه من الأخبار أن خلقاً من الملائكة عصوا الله فحُرِّقوا ، وأمروا أن يسجدوا لأدم فأبوا فحُرِّقوا ، ثم آخرون كذلك ، حتى سجدَ له مَن ذكرَ اللهُ إلا إبليس ، في أخبار لا أصل لها تردُّها صحاح الأخبار ، فلا يُشتَغل بها . و الله أعلم .

الباب الثاني

فيما يخصهم في الأمور الدنيوية ويطرأ عليهم من العوارض البشرية

وفــــيــــه 9 فـــصــول

1-حال الأنبياء بالنسبة للعوارض البشرية

2- الأخبار التي وردت في أنه صلى الله عليه وسلم سُحِر

3- في أحواله صلى الله عليه وسلم في أمور الدنيا

4- فيما يعتقد من أمور أحكام البشر الجارية على يديه صلى الله عليه وسلم

5- أقوالهصلى الله عليه وسلم الدنيوية من أخباره عن أحواله وأحوال غيره وما يفعله أو فعله

6- في معنى الحديث في وصيته صلى الله عليه وسلم

7- في وجه حديث : إنما محمد بشر ...

8- في أفعاله صلى الله عليه وسلم الدنيوية

9- بيان الحكمة في إجراء الأمراض وشدتها عليه صلى الله عليه وسلموعلى غيره من الأنبياء

الفصل الأول

حال الأنبياء بالنسبة للعوارض البشرية

قد قدمنا أنه صلى الله عليه وسلموسائر الأنبياء والرسل من البشر ، وأن جسمه ، وظاهره خالص للبشر ، يجوز عليه من الآفات والتغييرات ، والآلام والأسقام ، وتجرع كأس الحِمام ما يجوز على البشر ، وهذا كله ليس بنقيصة فيه ، لأن الشيء إنما يسمى ناقصاً بالإضافة إلى ما هو أتم وأكمل من نوعه ، وقد كتب الله تعالى على أهل هذه الدارـ قَالَ : (فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ) (الأعراف : 25 )، ، وخلق جميع البشر بمدرجة الغير ، فقد مرض صلى الله عليه وسلم، واشتكى ، وأصابه الحر والقر ، وأدركه الجوع والعطش ، ولحقه الغضب والضجر ، وناله الإعياء والتعب ، ومسه الضعف والكبر ، وسقط فجحش شقه ، وشجه الكفار ، وكسروا رباعيته ، وسقي السم ، وسحر ، وتداوى ، واحتجم ، وتنشر وتعوذ ، ثم قضى نحبه فتوفي صلى الله عليه وسلم ، ولحق بالرفيق الأعلى ، وتخلص من دار الامتحان والبلوى ، وهذه سمات البشر التي لا محيص عنها ، وأصاب غيره من الأنبياء ما هو أعظم منه ، فقُتِلوا قتلاً .

ورموا في النار ، ونُشروا بالمياشير . ومنهم من وقاه الله ذلك في بعض الأوقات . ومنهم من عصمه كما عصم بعد نبينا من الناس ، فلئن لم يكْف نبينا ربه يد ابن قميئة يوم أحد ، ولا حجبه عن عيون عداه عند دعوته أهل الطائف ، فلقد أخذ على عيون قريش عند خروجه إلى ثور ، وأمسك عنه سيف غورث ، وحجر أبي جهل ، وفرس سراقة ، ولئن لم يقِه من سحر ابن الأعصم فلقد وقاه ما هو أعظم ، من سم اليهودية .

وهكذا سائر أنبيائه مبتلى ومعافى ، وذلك من تمام حكمته ، ليظهر شرفهم في هذه المقامات ، ويبين أمرهم ويتم كلمته فيهم ، وليحقق بامتحانهم بشريتهم ، ويرتفع الالتباس عن أهل الضعف فيهم لئلا يضلوا بما يظهر من العجائب على أيديهم ضلال النصارى بعيسى ابن مريم ، وليكون في محنهم تسلية لأممهم ، ووفور لأجورهم عند ربهم تماماً على الذي أحسن إليهم .

قال بعض المحققين : وهذه الطوارئ والتغيرات المذكورة إنما تختص بأجسامهم البشرية المقصود بها مقاومة البشر ، ومعاناة بني آدم لمشاكلة الجنس .

وأما بواطنهم فمنزهة غالباً عن ذلك معصومة منه ، متعلقة بالملأ الأعلى والملائكة لأخذها عنهم ، وتلقيها الوحي منهم .

قال : وقد قال صلى الله عليه وسلم: إن عيني تنامان و لا ينا م قلبي

وقال : إني لست كهيئتكم ، إني أبيت يُطعمني ربي و يَسقيني

وقال : لست أَنسى ، و لكن أُنسى ، ليستن بي .

فأخبر أن سره وباطنه وروحه بخلاف جسمه وظاهره ، وأن الآفات التي تحل ظاهره من ضعف وجوع ، وسهر ونوم ، لا يحل منها شيء باطنه ، بخلاف غيره من البشر في حكم الباطن ، لأن غيره إذا نام استغرق النوم جسمه وقلبه ، وهو صلى الله عليه وسلم في نومه حاضر القلب كما هو في يقظته حتى قد جاء في بعض الآثار أنه كان محروساً من الحدث في نومه لكون قلبه يقظان كما ذكرناه .

وكذلك غيره إذا جاع ضعف لذلك جسمه ، وخارت قوته ، فبطلت بالكلية جملته ، وهو صلى الله عليه وسلم قد أخبر أنه لا يعتريه ذلك ، وأنه بخلافهم ، لقوله : لست كهيئتكم : إني أبيت يُطعمني ربي و يَسقيني .

و كذلك أقول : إنه في هذه الأحوال كلها ، من وصب ومرض ، وسحر وغضب ، لم يجز على باطنه ما يحل به ، ولا فاض منه على لسانه وجوارحه ما لا يريق به ، كما يعتري غيره من البشر مما نأخذ بعد في بيانه .

هذه المعلومات والوصفات للمعرفة فقط وليست وصفات علاجية، ويجب استشارة الطبيب المعالج قبل تناولها؛ فالكثير من الأعراض قد يتشابه، ولذلك يجب تشخيص الحالات المرضية بدقة.