وخصوصاً في السفر وتدبير من يسافر فيه إذا لم يدبروا أنفسهم تأذى بهم الأمر في آخره إلى أن يضعفوا وتتحلّل قواهم حتى لا يمكنهم أن يتحركوا ويغلب عليهم العطش وربما أضرت الشمس بأدمغتهم فلذلك يجب أن يحرصوا على ستر الرأس عن الشمس ستراً شديداً .
وكذلك يجب أن يحفظ المسافر منها صدره ويطليه بمثل لعاب بزر قطونا وعصارة البقلة الحمقاء .
والمسافرون في الحر ربما احتاجوا إلى شيء يتناولونه قبل السير مثل سويق الشعير وشراب الفواكه وغير ذلك فإنهم إذا ركبوا ولا شيء في أحشائهم بالغ التحليل في إضعافهم وإذ لا يكون لهم فيه بدل فيجب أن يتناولوا مما ذكرنا شياً ثم يلبثوا حتى ينحدر عن المعدة ولا يتخضخض .
ويجب أن يصحبهم في الطريق دهن الورد والبنفسج يستعملون منهما ساعة بعد ساعة على هامهم .
وكثير ممن تصيبهم آفة من السفر في الحر يعود إلى حاله بسباحة في ماء بارد ولكن الأصوب أن لا يستعجل بل يصبر يسيراً ثم يتدرج إليه .
ومن خاف السموم فالواجب عليه أن يعصب منخره وفمه بعمامة ولثام ويصبر على المشقة فيه وليقدم قبله أكل البصل في الدوغ وخصوصاً إذا كان البصل مربى فيه أو منقوعاً فيه ليلة تأكل البصل ويتحسى الدوغ .
ويجب أن يكون البصل قبل الإلقاء في الدوغ بصلاً قوي التقطيع وليكن التنشق بدهن الورد ودهن حب القرع ويتحسّى دهن القرع فإنه مما يدفع مضرة السموم المتوقعه .
وإذا ضربه السموم سكب على أطرافه ماء بارد أو غسل به وجهه ويجعل غذاءه من البقول الباردة ويضع على رأسه الأدهان الباردة مثل دهن الورد والعصارات الباردة مثل عصارة حي العالم ودهن الخلاف ثم يغتسل وليحذر الجماع .
والسمك المالح ينفعه إذا سكن ما به .
والشراب الممزوج أيضاً ينفعه واللبن من أجود الغذاء له إن لم يكن به حمى فإن كان به حمى ليست من الحميات العفنة بل اليومية استعمل الدوغ الحامض .
وإذا عطش على النوم تجزى بالمضمضة ولم يشرب ريه فإنه حينئذ يموت على المكان بل يجب أن يتجزى بالمضمضة وأن لم يجد بدا من أن يشرب يشرب جرعة بعد جرعة فإذا سكن ما به وسكن الهائج من عطشه شرب وإن بدأ أولأ قبل شربه فشرب دهن ورد وماء ممزوجين ثم شرب الماء كان أصوب .
وبالجملة فإن مضروب الحرّ يجب أن يجعل مجلسه موضعاً بارداً ويغسل رجله بالماء البارد وإن كان عطشان شرب البارد قليلاً قليلاً ويغتذي بشيء سريع الانهضام .
الفصل الرابع تدبير من يسافر في البرد
إن السفر في البرد الشديد عظيم الخطر مع الاستظهار بالعدد والأهب فكيف مع ترك الاستظهار فكم من مسافر متدثّر بكل ما يمكن قد قتله البرد والدمق بتشنج وكزاز وجمود وسكتة ومات موت من شرب الأفيون واليبروح فإن لم يبلغ حالهم إلى الموت فكثيراً ما يقعون في الجوع المسمى بوليموس .
وقد ذكرنا ما يجب أن يعمل فيه وفي الأمراض الآخرى في موضعه .
وأولى الأشياء بهم أن يسدوا المسام ويحفظوا الأنف والفم من أن يدخلها هواء بارد بغتة ويحفظوا الأطراف بما سنذكره .
واذا نزل المسافر في البرد فلا يجب أن يدفىء نفسه في الحال بل يتدرج يسيراً يسيراً في دفء ويجب أن لا يستعجل إلى الصلاء بل أن لا يقربه أحسن وإن كان لم يجد بدًا تدرج إلى ذلك .
وأولى الأوقات به أن يجتنبه فيه إذا كان من عزمه أن يسير في الوقت ويخرج إلى البرد هذا ما لم يبلغ البرد من المسافر مبلغ الإيهان وإسقاط القوة .
وأما إذا عمل فيه الخصر فلا بد من استعجال التدفي والتمرخ بالأدهان المسخنة خصوصاً ما فيه ترياقية كدهن السوسن .
وإذا نزل المسافر في البرد وهو جائع فتناول شياً حاراً عرض به حرارة كالحمى عجيبة
وللمسافرين أغذية تسهل عليهم أمر البرد وهي الأغذية التي يكثر فيها الثوم والجوز والخردل والحلتيت وربما وقع فيها المصل ليطيّب الثوم والجوز والسمن أيضاً جيد لهم وخصوصاً إذا شربوا عليها الشراب الصرف .
ويحتاج المسافر في البرد إلى أن لا يسافر خاوياً بل يمتلىء من غذائه ويشرب الشراب بدل الماء ثم يصبر حتى يقر ذلك في بطنه ويسخن ثم يركب .
والحلتيت مما يسخن الجامد في البرد خصوصاً إذا سلم في الشراب .
والشربة التامة درهم من الحلتيت في رطل من الشراب .
وللمسافر في البرد مسوحات تمنع بدنه عن التأثر من البرد منها الزيت وغير ذلك .
والثوم من أفضل الأشياء لمن برد عن هواء بارد وإن كان يضر بالدماغ والقوى النفسانية .
الفصل الخامس حفظ الأطراف عن ضرر البرد
يجب أن يدلكها المسافر أولاً حتى تسخن ثم يطليها بدهن حار من الأدهان العطرة مثل دهن السوسن ودهن البان والميسوسن لطوخ جيّد لهم فإن لم يحضر فالزيت وخصوصاً إذا جعل فيه الفلفل والعاقر قرحا أو الفربيون والحلتيت أو الجندبادستر ومن الأضمدة الحافظة للأطراف أن يجعل عليها قنة وثوم فإنه أمان ولا كالقطران . ولا يجوز أن يكون الخف والدستبانج بحيث لا يتحرّك فيه العضو .
فإن حركة العضو أحد الأسباب الدافعة عنه البرد والعضو المخنوق يصيبه البرد بشدّة وإذا غشي بكاغد وشعر أو وبر كان أوقى له وإذا صارت الرجل مثلاً أو اليد لا تحس بالبرد من غير أن يخص البرد ومن غير أن يزيد وقايته بتدبير جديد فاعلم أن الحس في طريق البطلان وأن البرد قد عمل فيه فليدبر مما تعلمه الان .
وأما إذا عمل البرد في العضو فأمات الحار الغريزي الذي كان فيه وحقن ما كان يتحلل منه في جوهره وعرضه للعفونة فربما احتيج أن يفعل في بابه ما قيل في باب القروح وخصوصاً الأكَالة الخبيثة .
وأما إذا ضربه البرد ولم يعفن بعد بل هو في سبيله فالأصوب أن يوضع الطرف في ماء الثلج خاصة أو ماء طبخ فيه التين .
وماء الكرنب ومأء الرياحين وماء الشبت وماء البابونج كله جيّد .
والتردوغ لطوخ جيّد .
وماء الشيح وماء الفودنج وماء النمام والتضميد بالسلجم دواء جيد نافع له .
ويجب أن يجنب النار وقربها ويجب في الحال أن يمشي ويحرك الرجل والطرف فيروضه ويدلكه ثم يمرخه ويطليه وينطله بما قلناه .
وليعلم أن ترك الأطراف متعلقة ساكنة في البرد لا تحرك ولا تراض هو من أقوى الأسباب الممكنة للبرد من الطرف .
ومن الناس من يغمسه في ماء بارد فيجد لذلك منفعة كأن الأذى يندفع عنه كما يعرض للفاكهة الجامدة أن تلقى في الماء البارد .
فيكون كأنه يخرج الجمد عنها وينتسج عليها فتلين وتستوى ولو أنها قربت من النار فسدت .
وأما كيف هذا فهو مما لا يحتاج إليه الطبيب .
فأما إذا أخذ الطرف يكمد فيجب أن يشرط ويسيل منه الدم والعضو موضوع في الماء الحار لئلا يجمد شيء من الدم في فوهات الشرط فلا يخرج بل يترك حتى يحتبس من نفسه ثم يطلى بالطين الأرمني والخل الممزوج فإن ذلك يمنع فساده .
والقطران ينفع بدءاً وأخيراً وإذا جاوز الأمر السواد والخضرة وأدرك وهو يتعفن فلا يشتغل بغير إسقاط ما يعفن بعجلة لئلا يعفن أيضاً الصحيح الذي في الجوار وكيلا تدب العفونة بل يفعل ما قلناه في بابه .
