السبت 14 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 26 سبتمبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً ٤ – ٦ مساءً · عدا الجمعة

الفصل التاسع والعشرون

الشفا بتعريف حقوق المصطفىالقسم الأول — الباب الرابع

معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم أظهر من سائر معجزات الرسل عليهم السلام

* قال القاضي أبو الفضل : قد أتينا في هذا الباب على نكت من معجزاته واضحة ، وجمل من علامات نبوته مقنعة ، في واحد منها الكفاية والغنية ، وتركنا الكثير سوى ما ذكرنا ، واقتصرنا من الأحاديث الطوال على عين الغرض وفص المقصد ، ومن كثير الأحاديث وغريبها على ما صح واشتهر إلا يسيراً من غريبه مما ذكره مشاهير الأئمة ، وحذفنا الإسناد في جمهورها ، طلباً للإختصار .

وبحسب هذا الباب لو تقصي أن يكون ديواناً جامعاً يشتمل على مجلدات عدة .

ومعجزات نبينا صلى الله عليه وسلم أظهر من سائر معجزات الرسل بوجهين :

أحدهما : كثرتها ، وأنه لم يؤت نبي معجزةً إلا وعند نبينا مثلها ، أو ما هو أبلغ منها .

وقد نبه الناس على ذلك ، فإن أردته فتأمل فصول هذا الباب ، ومعجزات من تقدم من الأنبياء ـ تقف على ذلك إن شاء الله تعالى .

وأما كونها كثيرة فهذا القرآن ، وكله معجز ، وأقل ما يقع الإعجاز فيه عند بعض أئمة المحققين سورة : (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)، أو آية في قدرها .

وذهب بعضهم إلى أن كل آية منه كيف كانت معجزة .

وزاد آخرون أن كل جملة منتظمة منه معجزة ، وإن كانت من كلمة أو كلمتين .

والحق ما ذكرناه أولاً ، لقوله تعالى :( قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ)، (يونس : 38 ) فهو أقل ما تحداهم به ، مع ما ينصر هذا من نظر وتحقيق يطول بسطه .

وإذا كان هذا ففي القرآن من الكلمات نحو من سبعة وسبعين ألف كلمة ونيف على عدد بعضهم ، وعدد كلمات :( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ * ) عشر كلمات ، فتجزؤ القرآن على نسبة عدد( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) أزيد من سبعة آلاف جزء ، كل واحد منها معجز في نفسه .

ثم إعجازه ـ كما تقدم ـ بوجهين : طريق بلاغته ، و طريق نظمه ، فصار في كل جزء من هذا العدد معجزتان ، فتضاعف العدد من هذا الوجه .

ثم فيه وجوه إعجاز أخر من الإخبار بعلوم الغيب ، فقد يكون في السورة الواحدة من هذه التجزئة الخبر عن أشياء من الغيب ، كل خبر منها بنفسه معجز ، فتضاعف العدد كرة أخرى .

ثم وجوه الإعجاز الأخر التي ذكرناها توجب التضعيف ، هذا في حق القرآن ، فلا يكاد يأخذ العد معجزاته ، ولا يحوي الحصر براهينه .

ثم الأحاديث الواردة ، والأخبار الصادرة عنه صلى الله عليه وسلم في هذه الأبواب وعما دل على أمره مما أشرنا إلى جمله يبلغ نحواً من هذا .

الوجه الثاني : وضوح معجزاته صلى الله عليه وسلم ، فإن معجزات الرسل كانت بقدر همم أهل زمانهم ، وبحسب الفن الذي سما فيه قرنه .فلما كان موسى غاية علم أهله السحر بعث إليهم موسى بمعجزة تُشبه ما يدعون قدرتهم عليه ، فجاءهم منها ما خرق عادتهم ، ولم يكن في قدرتهم ، وأبطل سحرهم .

وكذلك زمن عيسى أغنى ما كان الطب ، وأوفر ما كان أهله ، فجاءهم أمر لا يقدرون عليه ، وأتاهم ما لم يحتسبوه من إحياء الميت ، وإبراء الأكمه والأبرص دون معالجة ولا طب

وهكذا سائر معجزات الأنبياء .

ثم إن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم، وجملة معارف العرب وعلومها أربعة : البلاغة ، والشعر ، والخبر ، والكهانة ، فأنزل عليه القرآن الخارق لهذه الأربعة فصول من الفصاحة ، والإيجاز ، والبلاغة الخارجة عن نمط كلامهم ، ومن النظم الغريب ، والأسلوب العجيب الذي لم يهتدوا في المنظوم إلى طريقه ، لا علموا في أساليب الأوزان منهجه ، ومن الأخبار عن الكوائن والحوادث والأسرار والمخبآت والضمائر ، فتوجد على ما كانت ، ويعترف المخبر عنها بصحة ذلك وصدقه ، وإن كان أ'عدى العدو .

فأبطل الكهانة التي تصدق مرةً وتكذيب عشراً ، ثم اجتثها من أصلها برجم الشهب ، ورصد النجوم .

وجاء من الأخبار عن القرون السالفة ، وأنباء الأنبياء ، والأمم البائدة ، والحوادث الماضية ـ ما يعجز من تفرغ لهذا العلم عن بعضه على الوجوه التي بسطناها و بينا المعجز فيها .

ثم بقيت هذه المعجزة الجامعة لهذه الوجوه إلى الفصول الأخر التي ذكرناها في معجزات القرآن ثابتةً إلى يوم القيامة بينة الحجة لكل أمة تأتي ، لا يخفى وجوه ذلك على من نظر فيه ، وتأمل وجوه إعجازه .

إلى ما أخبر به من الغيوب على هذه السبيل ، فلا يمر عصر ولا زمن إلا يظهر فيه صدقه بظهور مخبره على ما أخبر ، فيتجدد الإيمان ، ويتظاهر البرهان ، وليس الخبر كالعيان كما قيل .

وللمشاهدة زيادة في اليقين ، والنفس أشد طمأنينة إلى عين اليقين منها إلى علم اليقين ، وإن كان كل عندها حقاً .

وسائر معجزات الرسل انقرضت بانقراضهم ، وعُدمت بعدم ذواتها ، ومعجزة نبينا صلى الله عليه وسلم لا تبيد ولا تنقطع ، وآياته تتجدد ولا تضمحل ، ولهذا أشارصلى الله عليه وسلم بقوله فيما حدثنا القاضي الشهيد أبو علي ، حدثنا القاضي أبو الوليد ، حدثنا أبو ذر ، حدثنا أبو محمد ، وأبو إسحاق ، وأبو الهيثم ، قالوا : حدثنا الفربري ، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، حدثنا الليث ، عن سعيد ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيت وحياً أوحاه الله إلي ، فأرجو أني أكثرهم تابعاً يوم القيامة .

هذا معنى الحديث عن بعضهم ، وهو الظاهر والصحيح إن شاء الله .

وذهب غير واحد من العلماء في تأويل هذا الحديث وظهور معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم إلى معنى آخر من ظهورها بكونها وحياً وكلاماً لا يمكن التخييل فيه ، ولا التحيل عليه ، ولا التشيبه ، فإن غيرها من معجزات الرسل قد رام المعاندون لها بأشياء طمعوا في التخييل بها على الضعفاء كإلقاء السحرة حبالهم وعصيهم وشِبه هذا مما يخيله الساحر ، أو يتحيل فيه .

والقرآن كلام ليس للحيلة ولا للسحر ، ولا التخييل فيه عمل ، فكان من هذا الوجه عندهم أظهر من غيره من المعجزات ، كما لا يتم لشاعر ولا لخطيب أن يكون شاعراً أو خطيباً بضرب من الحيل والتمويه .

والتأويل الأول أخلص وأرضى .

وفي هذا التأويل الثاني ما يغمض عليه الجفن ، ويغضى .

ووجه ثالث على مذهب من قال بالصَّرفة ، وأن المعارضة كانت في مقدور البشر ، فصرفوا عنها ، أو على أحد مذهبي أهل السنة من أن الإتيان بمثله من جنس مقدورهم ، ولكن لم يكن ذلك قبل ، ولا يكون بعد ، لأن الله تعالى لم يقدرهم ، ولا يقدرهم عليه .

وبين المذهبين فرق بين ، وعليهما جميعاً ، فتَتْركُ العرب الإتيان بما في مقدورهم ، أو ما هو من جنس مقدورهم ، ورضاهم بالبلاء والجلاء ، والسباء والإذلال ، وتغيير الحال ، وسلب النفوس والأموال ، والتقريع والتوبيخ ، والتعجيز والتهديد والوعيد أبين آية للعجز عن الإتيان بمثله ، والنكول عن معارضته وأنهم منعوا عن شيء هو من جنس مقدورهم .

وإلى هذا ذهب الإمام أبو المعالي الجويني وغيره ، قال : وهذا عندنا أبلغ في خرق العادة بالأفعال البديعة في أنفسها ، كقلب العصا حيةً ونحوها ، فإنه قد يسبق إلى بال الناظر بداراً أن ذلك من اختصاص صاحب ذلك بمزية معرفة في ذلك الفن ، وفضل علم إلى أن يرد ذلك صحيح النظر .

وأما التحدي للخلائق مئين من السنين بكلام من جنس كلامهم ليأتوا بمثله فلم يأتوا ، فلم يبق بعد توفر الدواعي على المعارضة ثم عدمها إلا منع الله الخلق عنها بمثابة ما لو قال نبي : آيتي أن يمنع الله القيام عن الناس مع مقدرتهم عليه ، وارتفاع الزمانة عنهم ، فكان ذلك ، وعجزهم الله تعالى عن القيام ـ لكان ذلك من أبهر آية ، وأظهر دلالة . و بالله التوفيق .

وقد غاب عن بعض العلماء وجه ظهور آيته على سائر آيات الأنبياء ، حتى احتاج للعذر عن ذلك بدقة أفهام العرب ، وذكاء ألبابها ، ووفور عقولها ، وأنهم أدركوا المعجزة فيه بفطنتهم ، وجاءهم من ذلك بحسب إدراكهم ، وغيرهم من القبط و بني إسرائيل وغيرهم لم يكونوا بهذه السبيل ، بل كانوا من الغباوة وقلة الفطنة بحيث جوز عليهم فرعون أنه ربهم ، وجوز عليهم السامري ذلك في العجل بعد إيمانهم ، وعبدوا المسيح مع أجماعهم على صلبه ،( َمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ) (النساء 157)، فجاءتهم من الآيات الظاهرة البينة للأبصار بقدر غلظ أفهامهم ما لا يشكون فيه ، ومع هذا فقالوا( لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ) (البقرة : 55 ) ولم يصبروا على المن والسلوى ، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير .

والعرب على جاهليتها أكثرها يعترف بالصانع ، وإنما كانت تتقرب بالأصنام إلى الله زلفى .

ومنهم من آمن بالله وحده من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم بدليل عقله و صفاء لبِّه

ولما جاءهم الرسول بكتاب الله فهموا حكمته ، وتبينوا بفضل إدراكهم لأول وهلة معجزته ، فآمنوا به ، وازدادوا كل يوم إيماناً ، ورفضوا الدنيا كلها في صحبته ، وهجروا ديارهم وأموالهم ، وقتلوا آباءهم وأبناءهم في نصرته ، وأتى في معنى هذا بما يلوح له رونق ، ويعجب منه زبرج لو احتيج إليه وحقق ، لكنا قدمنا من بيان معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم وظهورها ما يغنى عن ركوب بطون هذه المسالك وظهورها . وبالله أستعين ـ وهو حسبي ، ونعم الوكيل ـ

هذه المعلومات والوصفات للمعرفة فقط وليست وصفات علاجية، ويجب استشارة الطبيب المعالج قبل تناولها؛ فالكثير من الأعراض قد يتشابه، ولذلك يجب تشخيص الحالات المرضية بدقة.