في وجوه أخرى للإعجاز
و قد عد جماعةً من الأثمة ومقلدي الأمة في إعجازه وجوهاً كثيرةً ، منها أن قارئه لا يمله ، وسامعه لا يمجه ، بل الإكباب على تلاوته يزيد حلاوةً ، وترديده يوجب له محبةً ، لا يزال غضاً طرياً ، وغيره من الكلام ـ و لو بلغ في الحسن والبلاغة مبلغه ـ يمل مع الترديد ، ويعادى إذا أعيد ، وكتابنا يستلذ به في الخلوات ، ويونس بتلاوته في الأزمات ، وسواه من الكتب لا يوجد فيها ذلك ، حتى أحدث أصحابها لحوناً وطرقاً يستجلبون بتلك اللحون تنشيطهم على قراء تها .
ولهذا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن بأنه لا يخلق على كثرة الرد ، ولا تنقضي عبره ، ولا تفنى عجائبه ، هو الفصل ليس بالهزل ، لا يشبع منه العلماء ، ولا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسنة ، هو الذي لم تنته الجن حين سمعته أن قالوا :( إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً ( 1 ) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً ( 2 )) - الجن 1 ، 2 )
ومنها جمعه لعلوم ومعارف لم تعهد العرب عامةً ولا محمد صلى الله عليه وسلم قبل نبوته خاصة ، بمعرفتها ، ولا القيام بها ، ولا يحيط بها أحد من علماء الأمم ، ولا يشتمل عليها كتاب من كتبهم ، فجمع فيه من بيان علم الشرائع ، والتنبيه على طرق الحجج العقليات ، والرد على فرق الأمم ، ببراهين قوية ، وأدلة بينة سهلة الألفاظ ، موجزة المقاصد ، رام المتخذلقون بعد ـ أن ينصبوا أدلةً مثلها فلم يقدروا عليها كقوله تعالى : ((أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) (يس : 81 )
و : (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)
(يس : 79 ).
و : (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)
(الأنبياء : 22 ).
إلى ما حواه من علوم السير ، وأنباء الأمم ، والمواعظ ، والحكم ، وأخبار الدار الآخرة ، ومحاسن الآداب والشيم .
-قال الله ـ جل اسمه ـ : (ما فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) (الأنعام : 38 )
-وقال : (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل : 89 ).
-وقال : (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ)
(الروم : 58 ).
-وقال صلى الله عليه وسلم: إن الله أنزل هذا القرآن آمراً وزاجراً ، وسنةً خاليةً ، ومثلاً مضروباً ، فيه نبؤكم ، وخبر ما كان قبلكم ، ونبأ ما بعدكم ، وحكم ما بينكم ، لا يخلقه طول الرد ، و ا تنقضي عجائبه ، هو الحق ليس بالهزل ، من قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن خاصم به فلج ، ومن قسم به أقسط ، ومن عمل به أجر ، ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم ، ومن طلب الهدى من غيره أضله الله ، ومن حكم بغيره قصمه الله ، هو الذكر الحكيم ، والنور المبين ، والصراط المستقيم ، وحبل الله المتين ، والشفاء النافع ، عصمة لمن تمسك به ، ونجاة لمن اتبعه ، لا يعوج فيقوم ، ولا يزيغ فيستعتب ، ولا تنقضي عجائبه ، ولا يخلق على كثرة الرد .
-ونحوه عن ابن مسعود ، وقال فيه : ولا يختلف ولا يتشانّ ، فيه نبأ الأولين والآخرين .
-وفي الحديث : قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم :إني منزل عليك توراة حديثة ، تفتح بها أعيناً عمياً ، وآذاناً صماً ، وقلوباً غلفاً ، فيها ينابيع العلم ، وفهم الحكمة ، وربيع القلوب .
و عن كعب : عليكم بالقرآن ، فإنه فهم العقول ،ونور الحكمة .
-وقال الله تعالى : ((إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (النمل : 76 )
-وقال :(هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ) (آل عمران : 138 ).
فجمع فيه مع وجازة ألفاظه ، وجوامع كلمة أضعاف ما في الكتب قبله التي ألفاظها على الضعف منه مرات .
ومنها جمعه فيه بين الدليل ومدلوله ، وذلك أنه احتج بنظم القرآن ، وحسن رصفه وإيجازه وبلاغته ، وأثناء هذه البلاغة أمره ونهيه ، ووعده ووعيده ، فالتالي له يفهم موضع الحجة والتكليف معاً من كلام واحد و سورة منفردة .
-ومنها أن جعله في حيز المنظوم الذي لم يعهد ، ولم يكن في حيز المنشور ، لأن المنظوم أسهل على النفوس ، وأوعى للقلوب ، وأسمع في الآذان ، وأحلى على الأفهام ، فالناس إليه أميل ، والأهواء إليه أسرع .
-ومنها تيسيره تعالى حفظه لمتعلميه ، وتقريبه على متحفظيه ، قال الله تعالى :( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) (القمر : 17 ...)
وسائر الأمم لا يحفظ كتبها الواحد منهم ، فكيف الجماء على مرور السنين عليهم . والقرآن ميسر حفظه للغلمان في أقرب مدة .
-ومنها مشاكلة بعض أجزائه بعضاً ، وحسن ائتلاف أنواعها ، والتئام أقسامها ، وحسن التخلص من قصة إلى أخرى ، والخروج من باب إلى غيره على اختلاف معانيه ، وانقسام السورة الواحدة إلى أمر ونهي ، وخبر واستخبار، ووعد ووعيد ، وإثبات نبوة ، وتوحيد و تفريد ، وترغيب وترهيب ، إلى غير ذلك من فوائده ، دون خلل يتخلل فصوله .
والكلام الفصيح إذا اعتوره مثل هذا ضعفت قوته ، ولانت جزالته ، وقل رونقه ، وتقلقت ألفاظه .
فتأمل أول سورة ( ص ) –( ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ( 1 ) ، وما جمع فيها من أخبار الكفار وشقاقهم وتقريعهم بإهلاك القرون من قبلهم ، وما ذكر من تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وتعجبهم مما أتى به ، والخبر عن اجتماع ملئهم على الكفر وما ظهر من الحسد في كلامهم ، و تعجيزهم و توهينهم ،و وعيدهم بخزي الدنيا و الأخرة ،و تكذيب الأمم قبلهم ،و إهلاك الله لهم ، و وعيد هؤلاء مثل مصابهم ، و تصبير النبي علىأذاهم و تسليته بكل ما تقدم ذكره ، ثم أخذ في ذكر داود و قصص الأنبياء ، كل هذا في أوجز كلام وأحسن نظام .
-ومنه الجملة الكثيرة التي انطوت عليها الكلمات القليلة ، وهذا كله وكثير مما ذكرنا أنه ذكر في إعجاز القرآن ، إلى وجوه كثيرة ذكرها الأئمة لم نذكرها ، إذ أكثرها داخل في باب بلاغته ، فلا يجب أن يعد فناً منفرداً في إعجازه ،إلا في باب تفضيل فنون البلاغة ، وكذلك كثير مما قدمنا ذكره عنهم يعد في خواصه وفضائله ، لا إعجازه .
وحقيقة الإعجاز الوجوه الأربعة التي ذكرنا ، فليعتمد عليها ، وما بعدها من خواص القرآن وعجائبه التي لا تنقضي. والله ولي التوفيق .
