السبت 14 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 26 سبتمبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً ٤ – ٦ مساءً · عدا الجمعة

الفصل الأول — الباب الرابع

الشفا بتعريف حقوق المصطفىالقسم الأول — الباب الرابع

في أن الله قادر على خلق المعرفة في قلوب عباده

-اعلم أن الله جل اسمه قادر على خلق المعرفة في قلوب عباده ، والعلم بذاته وأسمائه وصفاته وجميع تكليفاته ابتداء دون واسطة لو شاء ، كما حكي عن سنته في بعض الأنبياء ، وذكره بعض أهل التفسير في قوله تعالى : (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) (الشورى : 51 ) .

وجائز أن يوصل إليهم جميع ذلك بواسطة تبلغهم كلامه ، وتكون تلك الواسطة ، إما من غير البشر ، كالملائكة مع الأنبياء أو من جنسهم ، كالأنبياء مع الأمم ، ولا مانع لهذا من دليل العقل .

وإذا جاز هذا ولم يستحل ، وجاءت الرسل بما دل على صدقهم من معجزاته وجب تصديقهم في جميع ما أتوا به ، لأن المعجزة مع التحدي من النبي صلى الله عليه وسلم قائم مقام قول الله : صدق عبدي فأطيعوه واتبعوه ، وشاهد على صدقه فيما يقوله ، و هذا كاف .

والتطويل فيه خارج عن العرض ، فمن أراد تتبعه وجده مستوفي في مصنفات أئمتنا رحمهم الله .

فالنبوة في لغة من همز مأخوذة من النبأ ، وهو الخبر ، وقد لا تهمز على هذا التأويل تسهيلاً

والمعنى أن الله تعالى أطلعه على غيبه ، وأعلمه أنه نب يه ، فيكون نبي منبأ فعيل بمعنى مفعول ، أو يكون مخبراً عما بعثه الله تعالى به ، ومنبئاً بما أطلعه الله عليه فعيل بمعنى فاعل ، ويكون عند من لم يهمزه من النبوة ، وهو ما ارتفع من الأرض ، ومعناه أن له رتبة شريفة ، ومكانة نبيهة عند مولاه منيفة فالوصفان في حقه مؤتلفان .

وأما الرسول فهو المرسل ، ولم يأت فعول بمعنى مفعل في اللغة إلا نادراً . وإرساله أمر الله بالإبلاغ إلى من أرسله إليه ، واشتقاقه من التتابع ، ومنه قولهم : جاء الناس أرسالاً ، إذا اتبع بعضهم بعضاً ، فكأنه ألزم تكرير التبليغ ، أو ألزمت الأمة اتباعه .

واختلف العلماء : هل النبي والرسول بمعنى ، أو بمعنيين ؟ فقيل : هما سواء ، وأصله من الإنباء وهو الإعلام ، واستدلوا بقوله تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)

(الحج : 52 ))، فقد أثبت لهما معاً الإرسال ، قال : و لا يكون النبي إلا رسولاً ولا الرسول إلا نبياً .

و قيل : هما مفترقان من وجه ، إذ قد اجتمعا في النبوة التي هي الاطلاع على الغيب والإعلام بخواص النبوة أو الرفعة لمعرفة ذلك ، وحوز درجتها ، وافترقا في زيادة الرسالة للرسول ، وهو الأمر بالإنذار والإعلام كما قلنا . وحجتهم من الآية نفسها التفريق بين الإسمين ، ولو كانا شيئاً واحداً لما حسن تكرارهما في الكلام البليغ ، قالوا : و المعنى : ما أرسلنا من رسول إلى أمة أو نبي ليس بمرسل إلى أحد .

و قد ذهب بعضهم إلى أن الرسول من جاء بشرع مبتدإ ، ومن لم يأت به نبي غير رسول ، وإن أمر بالإبلاغ والإنذار . والصحيح ، والذي عليه الجماء الغفير ، أن كل رسول نبي ، وليس كل نبي رسولاً .

وأول الرسل آدم ، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم .وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه : إن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي . وذكر أن الرسل ، منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر ، أولهم آدم عليه السلام .

فقد بان لك معنى النبوة والرسالة ، وليستا عند المحققين ذاتاً للنبي ، ولا وصف ذات ، خلافاً للكرامية ، وفي تطويل لهم ، وتهويل ، ليس عليه تعويل .

وأما الوحي فأصله الإسراع ، فلما كان النبي يتلقى ما يأتيه من ربه بِعَجَل سمي وحياً ، وسميت أنواع الإلهامات وحياً ، تشبيهاً بالوحي إلى النبي ، وسمي الخط وحياً ، لسرعة حركة يد كاتبه ، ووحي الحاجب واللحظ سرعة إشارتهما ومنه قوله تعالى : (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً) (مريم : 11 )، أي أومأ ورمز . و قيل : كتب ، و منه قولهم : الوحا ، الوحا ، أي السرعة .

وقيل أصل الوحي السر ولإخفاء ، ومنه سمي الإلهام وحياً ، ومنه : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ، أي يوسوسون في صدروهم ، ومنه قوله : (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى) (القصص : 7 )، أي ألقي في قلبها .

وقد قيل ذلك في قوله تعالى :( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ)

(الشورى : 51)، أي ما يلقيه في قلبه دون واسطة .

هذه المعلومات والوصفات للمعرفة فقط وليست وصفات علاجية، ويجب استشارة الطبيب المعالج قبل تناولها؛ فالكثير من الأعراض قد يتشابه، ولذلك يجب تشخيص الحالات المرضية بدقة.