السبت 14 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 26 سبتمبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً ٤ – ٦ مساءً · عدا الجمعة

الفصل العاشر — الباب الثالث

الشفا بتعريف حقوق المصطفىالقسم الأول — الباب الثالث

في تفضيله صلى الله عليه وسلم بالشفاعة والمقام المحمود

-قال الله تعالى : ((وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً) (الإسراء : 79 ))

-أخبرنا الشيخ أبو علي الغساني الجياني فيما كتب إلي بخطه ، حدثنا سراج بن عبد الله القاضي ، حدثنا أبو محمد الأصيلي ، حدثنا أبو زيد ، و أبو أحمد ، قالا : حدثنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا محمد بن إسماعيل ، قال : حدثنا إسماعيل بن أبان ، حدثنا أبو الأحوص ، عن آدم بن علي ، قال : سمعت ابن عمر يقول : إن الناس يصيرون يوم القيامة جثى ، كل أمة تتبع نبيها ، يقولون : يا فلان ، اشفع لنا ، يا فلان اشفع لنا ، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود .

-وعن أبي هريرة : سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ يعني قوله : (عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً ) ، فقال : هي الشفاعة .

-وروى كعب بن مالك ، عنه صلى الله عليه وسلم : يحشر الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل ويكسوني ربي حلة خضراء ، ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول ، فذلك المقام المحمود .

-وعن ابن عمر رضي الله عنه ـ و ذكر حديث الشفاعة ـ قال : فيمشي حتى يأخذ بحلقة الجنة ، فيومئذ يبعثه الله المقام المحمود الذي وعده

-وعن ابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم أنه قيامه عن يمين العرش مقاماً لا يقومه غيره ، يغبطه فيه الأولون والآخرون

ونحوه عن كعب والحسن .

-وفي رواية : هو المقام الذي أشفع لأمتي فيه .

-عن ابن مسعود ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لقائم المقام المحمود . قيل : وما هو ؟ قال : ذلك يوم ينزل الله تبارك و تعالىعلى كرسيه.

. الحديث .

-وعن أبي موسى رضي الله عنه ، عنه صلى الله عليه وسلم : خيرت بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة ، لأنها أعم ، أترونها للمتقين ؟ لا ، و لكنها للمذنبين الخطائين .

-وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قلت : يا رسول الله ، ماذا ورد عليك في الشفاعة ؟ فقال : شفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا الله مخلصاً ، يصدق لسانه قلبه .

-وعن أم حبيبة ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أُرِيتُ ما تلقى أمّتي من بعدي ، وسفك بعضهم دماء بعض وسبق لهم من الله ما سبق للأمم قبلهم ، فسألت الله أن يؤتيني شفاعة يوم القيامة فيهم ففعل .

-وقال حذيفة : يجمع الله الناس ، في صعيد واحد حيث يسمعهم الداعي ، وينفذهم البصر ، حفاة عراة كما خلقوا ، سكوتاً لا تكلم نفس إلا بإذنه ، فينادى محمد فيقول : لبيك و سعديك ، والخير في يديك ، والشر ليس إليك ، والمهتدي من هديت ، وعبدك بين يديك ، ولك وإليك ، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك ، تباركت و تعاليت ، سبحانك رب البيت ـ قال : فذلك المقام المحمود الذي ذكر الله .

-وقال ابن عباس رضي الله عنه : إذا دخل أهل النار النار ، و أهل الجنة الجنة ، فتبقى آخر زمرة من الجنة وآخر زمرة من النار ، فتقول زمرة النار لزمرة الجنة : ما نفعكم إيمانكم ، فيدعون ربهم ويضجون ، فيسمعهم أهل الجنة فيسلون آدم وغيره بعده في الشفاعة لهم ، فكل يعتذر حتى يأتوا محمداً صلى الله عليه وسلم ، فيشفع لهم ، فذلك المقام المحمود .

-ونحوه عن ابن مسعود أيضاً ، و مجاهد .

وذكره علي بن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم.

-وقال جابر بن عبد الله ليزيد الفقير : سمعت بمقام محمد صلى الله عليه وسلم ـ يعني الذي بعثه الله فيه ؟

قلت : نعم . قال : فإنه مقام محمد صلى الله عليه وسلم المحمود الذي يخر ج الله به من يخرج ـ يعني من النار ـ وذكر حديث الشفاعة في إخراج الجهنميين .

-وعن أنس نحوه ، و قال : فهذا المقام المحمود الذي وعده .

-وعن سلمان : المقام المحمود هو الشفاعة في أمته يوم القيامة .

-ومثله عن أبي هريرة رضي الله عنه .

-وقال قتادة : كان أهل العلم يرون المقام المحمود هو شفاعته يوم القيامة ، وعلى أن المقامَ المحمود مقامُه صلى الله عليه وسلم للشفاعة مذاهب السلف من الصحابة و التابعين وعامة أئمة المسلمين .

وبذلك جاءت الشفاعة مفسرةً في صحيح الأخبار عنه صلى الله عليه وسلم : وجاءت مقالة في تفسيرها شاذةً عن بعض السلف ، يجب ألا تثبت ، إذا لم يعضدها صحيح أثر ، ولا سند نظر .

ولو صحت لكان لها تأويل غير مستنكر ، لكن ما فسره النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح الآثار يرده ، فلا يجب أن يلتفت إليه ، مع أنه لم يأت في كتاب ولا سنة ، ولا اتفق على المقال أمة ، وفي إطلاق ظاهره منكر من القول وشنعة.

وفي رواية أنس و أبو هريرة وغيرهما ، دخل حديث بعضهم في حديث بعض : قال صلى الله عليه وسلم : يجمع الله الأولين و الآخرين يوم القيامة فيهتمون ـ أو قال : فيلهمون فيقولون : لو استشفعنا إلى ربنا .

ومن طريق آخر ، عنه : ماج الناس بعضهم في بعض .

وعن أبي هريرة : وتدنو الشمس ، فيبلغ الناس من الغم ما لا يطيقون ولا يحتملون ، فيقولون : ألا تنظرون من يشفع لكم ، فيأتون آدم فيقولون ، زاد بعضهم : أنت آدم أبو البشر ، خلقك الله بيده ، ونفخ فيك من روحه ، و اسكنك جنته ، وأسجد لك ملائكته ، وعلمك أسماء كل شيء ، اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا ، ألا ترى ما نحن فيه ؟ .

فيقول : إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب مثله ،ولا يغضب بعده مثله ،ونهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي ، نفسي ، اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى نوح .

فيأتون نوحاً فيقولون : أنت أول الرسل إلى أهل الأرض ، وسماك الله عبداً شكوراً ، ألا ترى ما نحن فيه ، ألا ترى ما بلغنا ‍‍‍‍‍‍‍! ألا تشفع لنا إلى ربك ؟ فيقول : إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ، ولا يغضب بعده مثله ، نفسي ! نفسي !

قال ـ في رواية أنس : ويذكر خطيئته التي أصاب : سؤاله ربه بغير علم .

وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه : وقد كانت لي دعوة دعوتها على قومي ، اذهبوا إلى غيري . اذهبوا إلى إبراهيم ، فإنه خليل الله .

فيأتون إبراهيم ، فيقولون : أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى ما نحن فيه

فيقول : إن ربي قد غضب اليوم غضباً . . . فذكر مثله ، ويذكر ثلاث كلمات كذبهن . نفسي ، نفسي ، لست لها ، ولكن عليكم بموسى ، فإنه كليم الله .

وفي رواية : فإنه عبد آتاه الله التوراة ، وكلمه وقربه نجياً .

قال : فيأتون موسى ، فيقول : لست لها ، ويذكر خطيئته التي أصاب ، وقتله النفس ، نفسي ، نفسي ، ولكن عليكم بعيسى ، فإنه روح الله وكلمته

فيأتون عيسى ، فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر .

فأُؤْتَى ، فأقول : أنا لها .

فأنطلق فأستاذن على ربي ، فيؤذن لي ، فإذا رأيته وقعت ساجداً .

وفي رواية : فآتي تحت العرش ، فأخر ساجداً .

وفي رواية : فأقوم بين يديه ، فأحمد بمحامد لا أقدر عليها إلا أن يلهمنيها الله .

وفي رواية : فيفتح الله علي من محامده ، وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي .

قال ـ في رواية أبي هريرة : فيقال : يا محمد ، ارفع رأسك ، سل ، تعطه ، و اشفع تشفع ، فأرفع رأسي ، فأقول : يا رب ، أمتي ، يا رب ، أمتي . فيقول : أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة ، و هم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب .

ولم يذكر في رواية أنس هذا الفصل ، وقال ـ مكانه : ثم أخر ساجداً ، فيقال لي : يا محمد ، ارفع رأسك ، و قل يسمع لك ، و اشفع تشفع ، و سل تعطه .

فأقول : يا رب ، أمتي ، أمتي . فيقال : انطلق ، فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه ، فأنطلق فأفعل .

ثم أرجع إلى ربي ، فأحمده بتلك المحامد و ذكر مثل الأول ، و قال فيه : مثقال حبة من خردل . قال : فأفعل ، ثم أرجع ... و ذكر مثل ما تقدم ، و قال فيه : من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل ، فأفعل .

و ذكر في المرة الرابعة : فيقال لي : ارفع رأسك ، و قل يسمع ، و اشفع تشفع ، و سل تعطه .

فأقول : يا رب ، ائذن لي فيمن قال : لا إله إلا الله . قال : ليس ذلك إليك .

و لكن و عزتي و كبريائي و عظمتي و جبريائي لأخرجن من النار من قال : لا إله إلا الله .

و من رواية قتادة عنه ، قال : فأقول يا رب ، ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ، أي وجب عليه الخلود .

-وعن أبي بكر ، وعقبة بن عامر ، وأبي سعيد ، وحذيفة مثله ، قال : فيأتون محمداًصلى الله عليه وسلم فيؤذن له ، وتأتي الأمانة و الرحم فتقومان جنبتي الصراط .

-وذكر في رواية أبي مالك ، عن حذيفة : فيأتون محمداً صلى الله عليه وسلمفيشفع ، فيضرب الصراط فيمرون : أولهم كالبرق ، ثم كالريح ، والطير ، وشد الرجال ، ونبيكم صلى الله عليه وسلم على الصراط يقول : اللهم سلم سلم ،حتى يجتاز الناس . و ذكر آخرهم جوازاً . . . الحديث .

-وفي رواية أبي هريرة : فأكون أول من يجيز .

-وعن ابن عباس ، عنه صلى الله عليه وسلم: يوضع للأنبياء منابر يجلسون عليها ، ويبقى منبري لا أجلس عيله قائماً ، بين يدي ربي منتصباً ، فيقول الله تبارك وتعالى : ما تريد بأمتك ؟ فأقول :

يا رب ، عجل حسابهم ، فيدعى بهم ، فيحاسبون .

فمنهم من يدخل برحمته ، ومنهم من يدخل الجنة بشفاعتي ، ولا أزال أشفع حتى أعطى صكاكاً برجال قد أمر بهم إلى النار ، حتى إن خازن النار ليقول : يا محمد ، ما تركت لغضب ربك في أمتك من نقمة .

-ومن طريق زياد النميري ، عن أنس ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أنا أول من تنفلق الأرض عن جمجمته ولا فخر ، وأنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر ، ومعي لواء الحمد يوم القيامة ، وأنا أول من تفتح له الجنة ولا فخر ، فآتي فآخذ بحلقة الجنة ، فيقال : من هذا ؟ فأقول : محمد ، فيفتح لي ، فيستقبلني الجبار تعالى ، فأخر له ساجداً . . . و ذكر نحو ما تقدم .

-ومن رواية أنس : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول: لأشفعن يوم القيامة لأكثر مما في الأرض من حجر وشجر .

فقد اجتمع من اختلاف ألفاظ هذه الآثار أن شفاعته ـ صلى الله عليه وسلم: ، ومقامه المحمود من أول الشفاعات إلى آخرها ، من حين يجتمع الناس للحشر ، وتضيق بهم الحناجر ، ويبلغ منهم العرق والشمس والوقوف مبلغه ، وذلك قبل الحساب ، فيشفع حينئذ لإراحة الناس من الموقف ، ثم يوضع الصراط ، ويحاسب الناس كما جاء في الحديث عن أبي هريرة و حذيفة .

وهذا الحديث أتقن ، فيشفع في تعجيل من لا حساب عليه من أمته إلى الجنة ـ كما تقدم في الحديث ـ ثم يشفع فيمن وجب عليه العذاب ، ودخل النار منهم حسب ما تقضيه الأحاديث الصحيحة ، ثم فيمن قال : لا إله إلا الله . و ليس هذا لسواه صلى الله عليه وسلم: .

وفي الحديث المنتشر الصحيح : لكل نبي دعوة يدعو بها ، واختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة .

قال أهل العلم : معناه دعوة أعلم أنها تستجاب لهم ، ويبلغ فيها مرغوبهم ، وإلا فكم لكل نبي منهم من دعوة مستجابة ، ولنبينا صلى الله عليه وسلم منها ما لا يعد ، لكن حالهم عند الدعاء بها بين الرجاء والخوف ، وضمنت لهم إجابة دعوة فيما شاءوه يدعون بها على يقين من الإجابة .

-وقد قال محمد بن زياد ، وأبو صالح ، عن أبي هريرة في هذا الحديث : لكل نبي دعوة دعا بها في أمته ، فاستجيب له ، و أنا أريد أن أدخر ، دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة .

وقي رواية أبو صالح : لكل نبي دعوة مستجابة ، فتعجل كل نبي دعوته .

ونحوه في رواية أبي زرعة عن أبي هريرة .

وعن أنس مثل رواية ابن زياد ، عن أبي هريرة .

فتكون هذه الدعوة المذكورة مخصوصةً بالأمة مضمونة الإجابة ، والإ فقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه سأل لأمته أشياء من أمور الدين والدنيا وأعطي بعضها ، ومنع بعضها ، وادخر لهم هذه الدعوة ليوم الفاقة ، وخاتمة المحن ، وعظيم الشؤال والرغبة .

جزاه الله أحسن ما جزى نبياً عن أمته ، و صلى الله عليه و سلم كثيراً .

هذه المعلومات والوصفات للمعرفة فقط وليست وصفات علاجية، ويجب استشارة الطبيب المعالج قبل تناولها؛ فالكثير من الأعراض قد يتشابه، ولذلك يجب تشخيص الحالات المرضية بدقة.