فيما ورد في الحديث الإسراء من الدنو والقرب
وأما ما ورد في حديث الإسراء وظاهرالآية : من الدنو والقرب من قوله :( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى *) (النجم8+9) وأكثر المفسرين أن الدنو والتدلي منقسم ما بين محمدصلى الله عليه وسلم وجبريل عليه السلام ، أو مختص بأحدهما من الآخر ، أو من السدرة المنتهى.
-قال الرازي : وقال ابن عباس : هو محمد صلى الله عليه وسلم دنا فتدلى من ربه .
-وقيل : معنى ( دَنَا )قرب ، و (تَدَلَّى) زاد في القرب . وقيل : هما بمعنى واحد ، أي قرب .
-وحكى مكي ، والماوردي - عن ابن عباس : هو الرب دنا محمد صلى الله عليه وسلم ، فتدلى إليه ، أي أمره وحكمه .
-وحكى النقاش عن الحسن ، قال : دنا من عبده محمد صلى الله عليه وسلم ، فتدلى ، فقرب منه ، فأراه ما شاء أن يريه من قدرته وعظمته .
قال : وقال ابن عباس : هو مقدم ومؤخر : تدلى الرفرف لمحمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ، فجلس عليه ، ثم رفع فدنا من ربه
قال : فارقني جبريل ، وانقطعت عني الأصوات ، وسمعت كلام ربي عز وجل .
-وعن أنس في الصحيح : عرج بي جبريل إلى سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة ، فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إليه بما شاء وأوحى إليه خمسين صلاة . . .
وذكر حديث الإسراء .
-وعن محمد بن كعب : هو محمد صلى الله عليه وسلم دنا من ربه ، فكان كقاب قوسين
-قال : و قال جعفر بن محمد : أدناه ربه منه حتى كان منه كقاب قوسين .
-وقال جعفر بن محمد : والدنو من الله لا حد له ، ومن العباد بالحدود .
-وقال أيضاً : انقطعت الكيفية عن الدنو ، ألا ترى كيف حجب جبريل عن دنوه ، ودنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى ما أودع قلبه من المعرفة والإيمان ، فتدلى بسكون قلبه إلى ما أدناه ، وزال عن قلبه الشك والإرتياب .
-قال القاضي أبو الفضل - : اعلم أن ما وقع من إضافة الدنو والقرب هنا من الله ، أو إلى الله - فليس بدنو مكان ، ولا قرب مدى ، بل كما ذكرناه - عن جعفر الصادق : ليس بدنو حد ، وإنما دنو النبي صلى الله عليه وسلم من ربه وقربه منه إبانة عظيم منزلته ، وتشريف رتبته ، وإشراق أنوار معرفته ، ومشاهدة أسرار غيبه وقدرته ، ومن الله تعالى له مبرة وتأنيس ، وبسط ، وإكرام ، و يتأول فيه ما يتأول في قوله : =ينزل ربنا إلى السماء الدنيا = على أحد الوجوه : نزول إفضال وإجمال ، وقبول وإحسان .
قال الواسطي : من توهم أنه بنفسه دنا جعل ثم مسافة ، بل كلما دنا بنفسه من الحق تدلى بعداً يعني عن درك حقيقته ، إذ لا دنو للحق ولا بعد .
-وقوله : (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ) (النجم 9) فمن جعل الضمير عائداً إلى الله ، لا إلى جبريل على هذا كان عبارة عن نهاية القرب ، ولطف المحل ، وإيضاح المعرفة ، والإشراف على الحقيقة عن محمد صلى الله عليه وسلم ، وعبارةً عن إجابة الرغبة ، وقضاء المطالب ، وإظهار التحفي ، وإنافة المنزل والمرتبة من الله له
ويتأول فيه ما يتأول في قوله : من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً ، ومن أتاني يمشي أتيته هرولةً ، قرب بالأجابة والقبول ، وإتيان بالإحسان وتعجيل المأمول .
الفصل الثامن
في ذكر تفضيله يوم القيامة بخصوص الكرامة
-حدثنا القاضي أبو علي ، حدثنا أبو الفضل ، وأبو الحسين ، قالا : حدثنا أبو يعلى السنجي ، حدثنا ابن محبوب ، حدثنا الترمذي ، حدثنا الحسين بن يزيد الكوفي ، حدثنا عبدالسلام بن حرب ، عن ليث ، عن الربيع بن أنس ، عن أنس رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا أول الناس خروجاً إذا بعثوا ، وأنا خطيبهم إذا وفدوا ، وأنا مبشرهم إذا أيسوا ، لواء الحمد بيدي ، وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر .
-وفي رواية ابن زخْر ، عن الربيع بن أنس - في لفظ هذا الحديث : أنا أول الناس خروجاً إذا بعثوا ، وأنا قائدهم إذا وفدوا ، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا وأنا شفيعهم إذا حبسوا وأنا مبشرهم إذا أبلسوا ، لواء الكرم بيدي ، و أنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر ويطوف علي ألف خادم كأنهم لؤلؤ مكنون .
-وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : : وأُكسى حلةً من حلل الجنة ، ثم أقوم عن يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري .
وعن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ، وبيدي لواء الحمد ولا فخر ، وما نبي يومئذ ، آدم فمن سواه ، إلا تحت لوائي ، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر .
وعن أبي هريرة ، عنه صلى الله عليه وسلم قال : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ، وأول من ينشق عنه القبر ، وأول شافع وأول مشفع .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر ، وأنا أول شافع ، وأنا أول مشفع ،ولا فخر ، وأنا أول من يحرك حلق الجنة ، فيفتح لي فأدخلها و معي فقراء المؤمنين ولا فخر ، وأنا أكرم الأولين والأخرين ولا فخر .
-وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا أول الناس يشفع في الجنة ، وأنا أكثر الناس تبعاً .
-وعن أنس رضي الله عنه قال ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : أنا سيد الناس يوم القيامة ، وتدرون بم ذلك ؟ يجمع الله الأولين والأخرين ـ و ذكر حديث الشفاعة .
-وعن أبي هريرة رضي الله عنه ـ أنه صلى الله عليه وسلم قال : أطمع أكون أعظم الأنبياء أجراً يوم القيامة .
-وفي حديث آخر : أما ترضون أن يكون إبراهيم و عيسى فيكم يوم القيامة ثم قال إنهما في أمتي يوم القيامة ، أما إبراهيم فيقول : أنت دعوتي و ذريتي ، فاجعلني من أمتك . وأما عيسى فالأنبياء إخوة بنو علات ، أمهاتهم شتى ، وإن عيسى أخي ليس بيني و بينه نبي ، وأنا أولى الناس به .
-قوله : أنا سيد الناس يوم القيامة : هو سيدهم في الدنيا ، ويوم القيامة . ولكن أشار صلى الله عليه وسلم لإنفراده فيه بالسؤدد والشفاعة دون غيره ، إذ لجأ الناس إليه في ذلك ، فلم يجدوا سواه .
والسيد : هو الذي يلجأ الناس إليه في حوائجهم ، فكان حينئذ سيداً منفرداً من بين البشر ، لم يزاحمه أحد في ذلك ، ولا ادعاه ، كما قال تعالى:( لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (غافر : 16 ) و الملك له تعالى في الدنيا والآخرة ، لكن في الآخرة انقطعت دعوى المدعي لذلك في الدنيا .
وكذلك لجأ إلى محمد صلى الله عليه وسلم جميع الناس في الشفاعة ، فكان سيدهم في الأخرى دون دعوى .
-وعن أنس رضي الله عنه ، قال : قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم : آتي باب الجنة يوم القيامة ، فأستفتح فيقول الخازن : من أنت ؟ فأقول : محمد . فيقول : بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك .
-وعن عبد الله بن عمرو : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حوضي مسيرة شهر ، و زواياه سواء ، وماؤه أبيض من الورق ، وريحه أطيب من المسك ، وكيزانه كنجوم السماء ، من شرب منه لم يظمأ أبداً .
-وعن أبي ذر نحوه ، و قال : = طوله ما بين عمان إلى أيلة ، يشخب فيه ميزابان من الجنة = .
-وعن ثوبان مثله ، و قال : أحدهما من ذهب ، والآخر من ورق .
-وفي رواية حارثة بن وهب : كما بين المدينة و صنعاء .
وقال أنس : أيلة وصنعاء .
-وقال ابن عمر : كما بين الكوفة و الحجر الأسود .
وروى حديث الحوض أيضاً أنس ، وجابر ، وسمرة ، وابن عمر ، وعقبة بن عامر ، وحارثة بن وهب الخزاعي ، والمستورد ، وأبو برزة الأسلمي ، وحذيفة بن اليمان ، وأبو أمامة ، وزيد بن أرقم ، وابن مسعود ، وعبد الله بن زيد ، وسهل بن سعد ، وسويد بن جبلة ، وأبو بكر ، وعمر بن الخطاب ، وابن بريدة ، وأبو سعيد الخدري ، وعبد الله الصنابجي ، وأبو هريرة ، والبراء ، وجندب ، وعائشة ، وأسماء بنت أبي بكر ، وأبو بكرة ، وخولة بنت قيس ، وغيرهم ....
