فيما ورد في قصة الإسراء من مناجاتهصلى الله عليه وسلم ربه
وأما ما ورد في هذه القصة من مناجاته لله تعالى وكلامه معه بقوله تعالى: ((فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) (النجم : 10 )ـ إلى ما تضمنته الأحاديث ـ فأكثر المفسرين على أن المُوحِي الله عز وجل إلى جبريل ، وجبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم إلا شذوذاً منهم ، فذكر عن جعفر بن محمد الصادق ، قال : أوحى إليه بلا واسطة -ونحوه عن الواسطي ، وإلى هذا ذهب بعض المتكلمين ـ أن محمداًصلى الله عليه وسلم كلم ربه في الإسراء .
-وحكي عن الأشعري ، وحكي عن ابن مسعود و ابن عباس ، وأنكره آخرون .
-وذكر النقاش ، عن ابن عباس ـ في قصة الإسراء ، عنه صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) (النجم : 8 ) ـ قال : فارقني جبريل ، وانقطعت الأصوات عني ، فسمعت كلام ربي وهو يقول : ليهدأ روعك يا محمد ، ادنُ ، ادنُ .
وفي حديث أنس في الإسراء نحو منه .
وقد احتجوا في هذا بقوله تعالى : (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ)
(الشورى : 51 )، فقالوا : هي ثلاثة أقسام : من وراء حجاب كتكليم موسى ، وبإرسال الملائكة كحال جميع الأنبياء وأكثر أحوال نبينا صلى الله عليه وسلم . الثالث : قوله : (وَحْياً )، و لم يبق من تقسيم الكلام إلا المشافهة مع المشاهدة .
وقد قيل : الوحي هنا : هو ما يلقيه في قلب النبي دون واسطة .
وقد ذكر أبو بكر البزار ، عن علي في حديث الإسراء ما هو أوضح في سماع النبي صلى الله عليه وسلم لكلام الله من الآية : فذكر فيه : فقال الملك :
الله أكبر . الله أكبر ـ فقيل لي من وراء الحجاب : صدق عبدي،أنا أكبر ، أنا أكبر .
و قال في سائر كلمات الآذان مثل ذلك .
ويجيء الكلام في مشكل هذين الحديثين في الفصل بعد هذا مع ما يشبهه . وفي أول فصل من الباب منه .
وكلام الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم ومن اختصه من أنبيائه ، جائز غير ممتنع عقلاً ، ولا ورد في الشرع قاطع يمنعه ، فإن صح في ذلك خبر احتمل عليه ، وكلامه تعالى لموسى كائن حق مقطوع به ، نص ذلك في الكتاب ، وأكده بالمصدر دلالة على الحقيقة ، ورفع مكانه على ما ورد في الحديث : في السماء السابعة بسبب كلامه . ورفع محمداً فوق هذا كله حتى بلغ مستوى ، وسمع صريف الأقلام ، فكيف يستحيل في حق هذا أو يبعد سماع الكلام ، فسبحان من خص من شاء بما شاء ، وجعل بعضهم فوق بعض درجات ! .
