الأحد 15 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 27 سبتمبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً عدا الجمعة ٤ – ٦ مساءً · السبت، الإثنين والأربعاء ١١ صباحاً – ٤ مساءً

الفصل الثاني — الباب الثالث

الشفا بتعريف حقوق المصطفىالقسم الأول — الباب الثالث

في تفضيلهصلى الله عليه وسلم بما تضمنته كرامة الإسراء من المناجاة والرؤية

ومن خصائصه ـ صلى الله عليه وسلم قصة الإسراء وما انطوت عليه من درجات الرفعة مما نبَّه عليه الكتاب العزيز وشرحته صحاح الأخبار ، قال الله تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (الإسراء : 1 )

-وقال تعالى:( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى *مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ( 16 ) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) ( سورة النجم 1-18)

فلا خلاف بين المسلمين في صحة الإسراء به صلى الله عليه وسلم ، إذ هو نص القرآن ، وجاءت بتفصيله ، وشرح عجائبه ،وخواص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيه أحاديث كثيرة منتشرة ـ رأينا أن نقدم أكملها ،ونشير إلى زيادة من غيره يجب ذكرها :

-حدثنا القاضي الشهيد أبو علي ، والفقيه أبو بحربسماعي عليهما ، والقاضي أبو عبد الله التميمي ، وغير واحد من شيوخنا ، قالوا : حدثنا أبو العباس العذري ، حدثنا أبو العباس الرازي ، حدثنا أبو أحمد الجلودي ، حدثنا ابن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج حدثنا شيبان بن فروخ ، حدثنا حماد بن سلمة ، حدثنا ثابت البناني ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أتيت بالبُراق ، وهو دابة أبيض طويل ، فوق الحمار ، ودون البغل ، يضع حافره عند منتهى طرفه ـ قال :

فركبته حتى أتيت بيت المقدس ، فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء ، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ، ثم خرجت ، فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن ، فاخترت اللبن ، فقال جبريل : اخترت الفطرة .

-ثم عرج بنا إلى السماء ، فاستفتح جبريل ، فقيل : من أنت ؟ قال جبريل . قيل : و من معك ؟ قال : محمد .

قيل : و قد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه ، ففتح لنا ، فإذا أنا بآدم صلى الله عليه و سلم ، فرحب بي ، ودعا لي بخير .

-ثم عرج بنا إلى السماء الثانية ،فاستفتح جبريل ، فقيل :من أنت : قال :جبريل . قيل : و من معك ؟ قال : محمد . قيل : و قد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه . ففتح لنا ، فإذا أنا بابني الخالة : عيسى ابن مريم ، و يحيى بن زكريا صلى الله عليهما ، فرحبا بي ، ودعوا لي بخير .

-ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة ، فذكر مثل الأول ، ففتح لنا ،فإذا أنا بيوسف صلى الله عليه و سلم وإذا هو قد أعطى شطر الحسن ، فرحب بي ، ودعا لي بخير .

-ثم عرج إلى السماء الرابعة ، و ذكر مثله ، فإذا أنا بإدريس ، فرحب بي ودعا لي بخير ، قال الله تعالى : (وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً) (مريم : 57 )

-ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فذكر مثله ، فإذا أنا بهارون ، فرحب بي ، ودعا لي بخير .

-ثم عرج بنا إلى السماء السادسة ، فذكر مثله ، فإذا أنا بموسى ، فرحب بي ، ودعا لي بخير .

-ثم عرج بنا إلىالسماء السابعة ،فذكر مثله ،فإذا أنا بإبراهيم مسنداً ظهره إلى البيت المعمور ، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ، لا يعودون إليه .

-ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى ، و إذا ورقها كآذان الفيلة ، وإذا ثمرها كالقلال ، قال : فلما غشيها من أمر الله غشي تغيرت ، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها ، فأوحى الله إلي ما أوحى ، ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم و ليلة ، فنزلت إلىموسى ، فقال : ما فرض ربك على أمتك ؟ قلت خمسين صلاة . قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ، فإن أمتك لا يطيقون ذلك ، فإني قد بلوت بني إسائيل و خبرتهم .

قال : فرجعت إلى ربي ، فقلت : يا رب ، خفف عن أمتي . فحط عني خمساً ، فرجعت إلى موسى ، فقلت : حط عني خمساً ، قال : إن أمتك لا يطيقون ذلك ، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف . قال : فلم أزل أرجع بين ربي تعال و بين موسى حتى قال : يا محمد ، إنهن خمس صلوات كل يوم و ليلة لكل صلاة عشر ، فتلك خمسون صلاة ، و من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ، فإن عملها كتبت له عشراً و من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئاً فإن عملها كتبت سيئة واحدة .

قال : فنزلت حتى إنتهيت إلى موسى ، فأخبرته ، فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقلت : قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه .

قال القاضي وفَّقه الله : جود ثابت رضي الله عنه هذا الحديث عن أنس ما شاء ، و لم يأت أحد عنه بأصوب من هذا .

-وقد خلط فيه غيره عن أنس تخليطاً كثيراً ، لا سيما من رواية شريك بن أبي نمر ، فقد ذكر في أوله مجيء الملك له ، و شق بطنه ، و غسله بماء زمزم ، و هذا إنما كان وهو صبي ، وقبل الوحي .

-وقد قال شريك في حديثه : وذلك قبل أن يوحي إليه ، وذكر قصة الإسراء . ولا خلاف أنها كانت بعد الوحي .

-وقد قال غير واحد : إنها كانت قبل الهجرة بسنة ، وقيل : قبل هذا .

-وقد روى ثابت عن أنس ، من رواية حماد بن سلمة أيضاً مجيءَ جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يلعب مع الغلمان عند ظِئره ، وشقَّه قلبَه ـ تلك القصة مفردة من حديث الإسراء كما رواه الناس ، فجود في القصتين ، وفي أن الإسراء إلى بيت المقدس وإلى سدرة المنتهى كان قصة واحدة ، وأنه وصل إلى بيت المقدس ، ثم عرج به من هناك ، فأزاح كل أشكال أوهمه غيره .

-وقد روى يونس ، عن ابن شهاب ، عن أنس ، قال :

كان أبو ذر يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فُرج سقْف بيتي ، وأنا بمكة ، فنزل جبريل ، ففَرَج صدري ، ثم غسله من ماء زمزم ، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيماناً ، فأفرغها في صدري ، ثم أطبقه ، ثم أخذ بيدي فعرج بنا إلى السماء . . . فذكر القصة .

-وروى قتادة الحديث ، بمثله ، عن أنس ، عن مالك بن صعصعة ، و فيه تقديم

وتأخير ونقص ، وخلاف في ترتيب الأنبياء في السموات .

-وحديث ثابت ، عن أنس أتقن و أجود .

-وقد وقعت في حديث الإسراء ، زيادات نذكر منها نكتاً مفيدة في عرضنا :

منها حديث ابن شهاب ، وفيه : قول كل نبي له : مرحبا بالنبي الصالح ، و الأخ الصالح ،

إلا آدم و إبراهيم فقالا له : والابن الصالح .

وفيه ـ من طريق ابن عباس : ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام .

-وعن أنس : ثم انطلق بي حتى أتيت سدرة المنتهى ، فغشيها ألوان لا أدري ما هي . قال : ثم أدخلت الجنة .

-وفي حديث مالك بن صعصعة : فلما جاوزته ـ يعني موسى ـ بكى ، فنودي : ما يبكيك ؟ قال : رب ، هذا غلام بعثته بعدي يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمتي .

-وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه : وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء ، فحانت الصلاة ، فأممتهم ، فقال قائل : يا محمد ، هذا مالك خازن النار ، فسلم عليه . فالتفت فبدأني بالسلام

-وفي حديث أبي هريرة : ثم سار حتى أتى إلى بيت المقدس ، فنزل فربط فرسه إلى صخرة ، فصلى مع الملائكة ، فلما قضيت الصلاة قالوا :

يا جبريل ، من هذا معك ؟ قال : هذا محمد رسول الله خاتم النبين : قالوا : و قد أرسل إليه ؟ قال : نعم . قالوا : حياه الله من أخ و خليفة ، فنعم الأخ و نعم الخليفة ! ثم لقوا أرواح الأنبياء فأثنوا على ربهم ، و ذكر كلام كل واحد منهم ، وهم إبراهيم ، وموسى وعيسى ، وداود ، وسليمان .

-ثم ذكر كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : و إن محمداً صلى الله عليه وسلم أثنى على ربه عز وجل فقال : كلكم أثنى على ربه ، و أنا أثنى على ربي . الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين ، وكافة للناس بشيراً ونذيراً ، وأنزل علي الفرقان فيه تبيان كل شيء . وجعل أمتي خير أمة ، وجعل أمتي أمة وسطاً ، وجعل أمتي هم الأولون ، وهم الآخرون ، وشرح لي صدري ، ووضع عني وزري ، ورفع لي ذكري ، وجعلني فاتحاً و خاتماً

فقال إبراهيم : بهذا فضلكم محمد .

-ثم ذكر أنه عرج به إلى السماء الدنيا ، ومن سماء إلى سماء ، نحو ما تقدم .

-وفي حديث ابن مسعود : وانتهي بي إلى سدرة المنتهى ، وهي في السماء السادسة ، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها ، وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها فيقبض منها ، قال :( إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى) (النجم : 16 ))، قال : فراش من ذهب .

وفي رواية أبي هريرة ، من طريق الربيع بن أنس . فقيل لي : هذه السدرة المنتهى ينتهي إليها كل أحد من أمتك خلا على سبيلك ، وهي السدرة المنتهى ، يخرج من أصلها (َأنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ) (محمد : 15 ))، وهي شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً ، و إن ورقة منها مظلة الخلق ، فغشيها نور ، و غشيتها الملائكة .

قال : فهو قوله تعالى : :( إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى) (النجم : 16 ))

فقال الله تبارك و تعالى له : سل . فقال : إنك اتخذت إبراهيم خليلاً وأعطيته ملكاً عظيماً . وكلمت موسى تكليماً ، وأعطيت داود ملكاً عظيماً ، و ألنت له الحديد وسخرت له الجبال وأعطيت سليمان ملكاً عظيماً ، وسخرت له الجن و الإنس والشياطين والرياح ، وأعطيته ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده ، وعلمت عيسى التوراة والإنجيل ، وجعلته يبريء الأكمه والأبرص ، وأعذته وأمه من الشيطان الرجيم ، فلم يكن له عليهما سبيل .

فقال له ربه تعالى : قد اتخذتك خليلاً وحبيبا . فهو مكتوب في التوراة : محمد حبيب الرحمن ، وأرسلتك إلى الناس كافة ، و جعلت أمتك هم الأولون ، وهم الآخرون ، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي ، وجعلتك أول النبيين خلقاً ، وآخرهم بعثاً ، وأعطيتك سبعاً من المثاني ، و لم أعطيها نبياً قبلك ، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت عرشي لم أعطيها نبياً قبلك ، و جعلتك فاتحاً و خاتماً .

-وفي الرواية الأخرى قال : فأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً : أعطي الصلوات الخمس ، وأعطي خواتيم سورة البقرة ، وغفر لمن لا يشرك بالله شيئاً من أمته المُقْحِمات .

-وقال تعالى :( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى) ( النجم 11-12 )- رأى جبريل في صورته، له ستمائة جناح .

-وفي حديث شريك أنه رأى موسى في السابعة ـ قال :

بتفضيل كلام الله .

قال : ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله ، فقال موسى : لم أظن أن يرفع علي أحد .

-وقد روي عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم صلى بالأنبياء ببيت المقدس .

-وعن أنس رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بينما أنا قاعد ذات يوم إذ دخل جبريل ، فوكز بين كتفي ، فقمت إلى شجرة فيها مثل وَكْري الطائر ، فقعد في واحدة وقعدت في الأخرى ، فنمت حتى سدت الخافقين . ولو شئت لمست السماء ، وأنا أقلب طرفي ، ونظرت جبريل كأنه حلس لاطيء فعرفت فضل علمه بالله علي ، وفتح لي باب السماء ، ورأيت النور الأعظم ، ولطَّ دوني الحجاب ، وفرجه الدر و لياقوت .ثم أوحى الله إلي ما شاء أن يوحي .

-وذكر البزار عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لما أراد الله تعالى أن يعلم رسوله الآذان جاء جبريل بدابة يقال لها البراق ، فذهب يركبها ، فاستصعبت عليه ، فقال لها جبريل : اسكني ، فوالله ما ركبك عبد أكرم على الله من محمد صلى الله عليه وسلم ، فركبها حتى أتى إلى الحجاب الذي يلي الرحمن تعالى ، فبينما هو كذلك إذ خرج ملك من الحجاب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا جبريل ، من هذا ؟

قال : و الذي بعثك بالحق ، إني لأقرب الخلق مكاناً ، وإن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه . فقال الملك : الله أكبر . الله أكبر . فقيل له من وراء الحجاب : صدق عبدي ، أنا أكبر . أنا أكبر .

ثم قال الملك : أشهد أن لا إله إلا الله . فقيل له من وراء الحجاب : صدق عبدي ، أنا الله لا إله إلا أنا .

وذكر مثل هذا في بقية الأذان ، إلا أنه لم يذكر جواباً عن قوله : حي على الصلاة ، حي على الفلاح .

وقال : ثم أخذ الملك بيد محمد صلى الله عليه وسلم ، فقدمه ، فأم أهل السماء ، فيهم آدم و نوح .

قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين ، راويه : أكمل الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم الشرف على أهل السموات والأرض.

قال القاضي وفقه الله : ما في هذا الحديث من ذكر الحجاب فهو في حق المخلوق لا في حق الخالق ، فهم المحجوبون ، والباري جل اسمه منزه عما يحجبه ، إذ الحجب إنما تحيط بمقدر محسوس . ولكن حجبه على أبصار خلقه وبصائرهم وإدراكاتهم بما شاء وكيف شاء ، ومتى شاء ، كقوله تعالى :( كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ) (المطففين : 15 ) .

فقوله في هذا الحديث : الحجاب ، وإذ خرج ملك من الحجاب ـ يجب أن يقال : إنه حجاب حجب به من وراءه من ملائكته عن الإطلاع على ما دونه من سلطانه وعظمته ، وعجائب ملكوته وجبروته .

ويدل عليه من الحديث قول جبريل ـ عن الملك الذي خرج من ورائه : إن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه .فدل على أن هذا الحجاب لم يختص بالذات . و دل عليه قول كعب في تفسير : سدرة المنتهى قال : إليها ينتهي علم الملائكة ، وعندها يجدون أمر الله ، لا يجاوزها علمهم .

-وأما قوله : الذي يلي الرحمن فيُحمل على حذف المضاف ، أي يلي عرش الرحمن ، أو أمراً ما من عظيم آياته ، أو مبادىء حقائق معارفه ، مما هو أعلم به ، كما قال تعالى : ((وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ) (يوسف : 82 ))، أي أهلها .

-وقوله : فقيل من وراء الحجاب : صدق عبدي ، أنا أكبر فظاهره أنه سمع في هذا الموطن كلام الله ، ولكن من وراء الحجاب ، كما قال تعالى : (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ ) (الشورى : 51 )، أي وهو لا يراه ، حجب بصره عن رؤيته .

فإن صح القول بأن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه عز وجل ـ فيحتمل أنه في غير هذا الموطن بعد هذا أو قبله ، رفع الحجاب عن بصره حتى رآه . و الله أعلم .

هذه المعلومات والوصفات للمعرفة فقط وليست وصفات علاجية، ويجب استشارة الطبيب المعالج قبل تناولها؛ فالكثير من الأعراض قد يتشابه، ولذلك يجب تشخيص الحالات المرضية بدقة.