السبت 14 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 26 سبتمبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً ٤ – ٦ مساءً · عدا الجمعة

الفصل الثاني والعشرون

الشفا بتعريف حقوق المصطفىالقسم الأول — الباب الأول : في ثناء الله تعالى

حــديــث جــامــع لــوصــفــهصلى الله عليه وسلم

قد أتيناك ـ أكرمك الله ـ من ذكر الأخلاق الحميدة ، والفضائل المجيدة ، وخصال الكمال العديدة ، وأريناك صحتها له صلى الله عليه وسلم ، وجلينا من الآثار ما فيه مقنع ، والأمر أوسع ، فمجال هذا الباب في حقه صلى الله عليه وسلم ممتد ، تنقطع دون نفاده الأدلاء ، وبحر علم خصائصه زاخر لا تكدره الدلاء ، لكنا أتينا فيه بالمعروف مما أكثر في الصحيح و المشهور من المصنفات ، واقتصرنا في ذلك بقُل من كُل ، و غيْض من فيءض ، ورأينا أن نختم هذه الفصول بذكر حديث الحسن ، عن أبي هالة ، لجمعه من شمائله وأوصافه كثيراً ، وإدماجه جملة كافيةً من سيره وفضائله ، ونصِلُه بتنبيه لطيف على غريبه ومشكله .

-حدثنا القاضي أبو الحسن بن محمد الحافظ ـ رحمه الله ـ بقراءتي عليه سنة ثمان و خمسمائة ، قال : حدثنا الإمام أبو القاسم عبد الله بن طاهر التميمي قراءةً عليه ، أخبركم الفقيه الأديب أبو بكر محمد بن عبد الله بن الحسن النيسابوري ، والشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحسن المحمدي ، والقاضي أبو علي الحسن بن علي بن جعفر الوحشي ، قالوا : حدثنا أبو ا لقاسم علي بن أحمد بن محمد بن الحسن الخزاعي ، أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي ، أنبأنا أبو عيسى بن سورة الحافظ ،قال: حدثنا سفيان بن وكيع ، حدثنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلي إملاءً من كتابه ، قال : حدثني رجل من بني تميم من ولد أبي هالة زوج خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها ، يكنى أبا عبد الله ، عن ابن لأبي هالة ، عن الحسن بن علي أبي طالب رحمه الله ، قال : سألت خالي هند بن أبي هالة .

قال القاضي أبو علي رحمه الله : وقرأت على الشيخ أبي طاهر أحمد بن الحسن ابن أحمد بن خذاداذ الكرجي الباقلاني ، قال : وأجاز لنا الشيخ الأجل أبو الفضل أحمد ابن الحسين بن خيرون ، قالا : حدثنا أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن الحسن ابن محمد بن شاذان بن حرب بن مهران الفارسي قراءةً عليه فأقر به ، قال : أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله بن الحسين بن علي ابن [ الحسين بن علي ] بن أبي طالب المعروف بابن أخي طاهر العلوي قال : حدثنا إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، قا ل : حدثني علي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ، عن أخيه موسى بن جعفر ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه محمد بن علي ، عن علي بن الحسين ، قال : قال الحسن بن علي ـ و اللفظ لهذا السند : سألت خالي هند بن أبي هالة عن حلية رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ و كان وصافاً ـ و أنا أرجو أن يصفع لي منها شيئاً أتعلق به ، قال

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخماً مفخماً ، يتلألأ وجهه تلإلأ القمر ليلة البدر ، أطول من المربوع ، و أقصر من المشذب ، عظيم الهامة ، رجل الشعر ، إن انفرقت عقيقته فرق ، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنه ، إذا هو وفره ، أزهر اللون ، واسع الجبين، أزج الحواجب ، سوابغ ،من غير قرن ، بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرنين ، له نور يعلوه ، و يحسبه من لم يتأمله أشم ، كث اللحية ، أدعج ، سهل الخدين ، ضليع الفم أشنب ، مفلج الأسنان ، دقيق المسربة ، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة ، معتدل الخق ، بادناً ، متماسكاً ، سواء البطن والصدر ، مشيح الصدر ، بعيد ما بين المنكبين ضخم الكراديس ، أنور المتجرد ، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط ، عاري الثديين ، ما سوى ذلك ، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر ، طويل الزندين ، رحب الراحة ، شئن الكفين والقدمين ، سائل الأطراف ـ أو قال : سائن الأطراف ، سبط العصب ، خمصان الأخمصين ، مسيح القدمين ، ينبو عنهما الماء ، إذا زال زال تقلعا ، ويخطو تكفأً ، ويمشي هوناً ، ذريع المشية ، إذا مشى كأنما ينحط من صبب ، وإذا التفت التفت جميعاً ، خافض الطرف ، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء ، جل نظره الملاحظة ، يسوق أصحابه ، و يبدأ من لقيه بالسلام .

قلت : صف لي منطقه .

-قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان ، دائم الفكرة ، ليست له راحة ، ولا يتكلم في غير حاجة ، طويل السكوت ، يفتتح الكلام و يختمه بأشداقه ، و يتكلم بجوامع الكلم فصلاً ، لا فضول فيه ولا تقصير ، دمثاً ليس بالجافي ولا المهين ، يعظم النعمة وإن دقت ، لا يذم شيئاً ، لم يكن يذم ذواقاً ، ولا يمدحه ، ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له ، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها ، إذا أشار أشار بكفه كلها ، و إذا تعجب قلبها وإذا تحدث اتصل بها ، فضرب بإبهامه اليمنى راحته اليسرى ، وإذا غضب أعرض وأشاح ، وإذا فرح غض طرفه ، جل ضحكه التبسم ، ويفتر عن مثل حب الغمام .

قال الحسن : فكتمتها الحسين بن علي زماناً ،ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه ، فسأل أباه عن مدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومخرجه ومجلسه وشكله ، فلم يدع منه شيئاً .

-قال الحسين : سألت أبي عن دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : كان دخوله لنفسه مأذوناً له في ذلك ، فكان إذا أوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء :

جزءاً لأهله ، و جزءاً لنفسه ، ثم جزأ جزأه بينه و بين الناس ، فيرد ذلك على العامة بالخاصة ، ولا يدخر عنهم شيئاً ، فكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه و قسمته على قدر فضلهم في الدين ، منهم ذو الحاجة ، ومنهم ذو الحاجتين ، ومنهم ذو الحوائج ، فيتشاغل بهم ، ويشغلهم فيما أصلحهم ، والأمة من مسألته عنهم وإخبارهم بالذي ينبغي لهم ، ويقول : ليبلغ الشاهد منكم الغائب ، و أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته ، فإنه من أبلغ سلطاناً حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة . لا يذكر عنده إلا ذلك ، ولا يقبل من أحد غيره .

وقال في حديث سفيان بن وكيع : يدخلن رواداً ، و لا يتفرقون إلا عن ذواق ، و يخرجون أدلة ـ يعني فقهاء .

قلت : فأخبرني عن مخرجه كيف كان يصنع فيه ؟

-قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزن لسانه إلا مما يعنيهم ويؤلفهم ولا يفرقهم ، يكرم كريم كل قوم ، ويوليه عليهم ، ويحذر الناس ، ويحترس منهم ، من غير أن يطوي عن أحد بشره وخلقه ، ويتفقد أصحابه ، ويسأل الناس ، ويحسن الحسن ويصوبه ، ويقبح القبيح ويوهنه ، معتدل الأمر غير مختلف ، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا ، لكل حال عنده عتاد ، لا يقتصر عن الحق ، ولا يجاوزه إلى غيره ، الذي يلونه من الناس خيارهم ، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة ، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة و موازرة

فسألته عن مجلسه : عما كان يصنع فيه .

-فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر ، ولا يوطن الأماكن ، وينهى عن إيطانها ، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ، ويأمر بذلك ، ويعطي كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه فيه ، من جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه

من سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول . قد وسع ا لناس ، بسطه و خلقه ، فصار لهم أباً ، وصاروا عنده في الحق سواء ، متقاربين متفاضلين فيه التقوى .

وفي الرواية الآخرى : صاروا عنده في الحق سواء ، مجلسه مجلس حلم وحياء ، وصبر وأمانة ، لا ترفع فيه الأصوات ، ولا تؤْبن فيه الحرم ، ولا تثنى فلتاته ـ وهذه الكلمة ، من غير الروايتين ـ

يتعاطون فيه بالتقوى متواصفين ، يوقرون فيه الكبير ، ويرحمون الصغير ، ويرفدون ذا الحاجة ، ويرحمون الغريب .

فسألته عن سيرته صلى الله عليه وسلم في جلسائه .

-فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم البشر ، سهل الخلق ، لين الجانب ، ليس بفظ ولا غليظ ، ولا سخاب ، و ا فحاش ، ولا عياب ولا مداح ، يتغافل عما لا يشتهي ولا يُؤْيَس منه ، قد ترك نفسه من ثلاث : الرياء والإكثار وما لا يعنيه ، وترك الناس من ثلاث :

كان لا يذم أحداً ، ولا يعيره ، ولا يطلب عورته ، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه ، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤسهم الطير ، إذا سكت تكلموا ، لا يتنازعون عنده الحديث . من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ ، حديثهم حديث أولهم ، يضحك مما يضحكون منه ، و يتعجب مما يتعجبون منه ، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق ، ويقول : إذا رأيتم صاحب الحجة يطلبها فأرفدوه ، ولا يطلب الثناء إلا من مكافىء ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوزه فيقطعه بانتهاء أو قيام .

هنا انتهى حديث سفيان بن وكيع .

-وزاد الآخر : كيف كان سكوته صلى الله عليه وسلم؟

-قال : كان سكوته على أربع : الحلم ، والحذر ، والتقدير ، والتفكير . فأما تقديره ففي تسوية النظر و الإستماع بين الناس ، و أما تفكره ففيما يبقى و يفنى .

و جمع له الحلم صلى الله عليه وسلمفي الصبر ، فكان لا يغضبه شيء يستفزه ، وجمع له في الحذر أربع : أخذه بالحسن ليقتدى به ، و تركه القبيح لينتهى عنه ، و اجتهاد الرأي بما أصلح أمته ، و القيام لهم بما جمع أمر الدنيا و الآخرة .

انتهى الوصف بحمد الله و عونه .

هذه المعلومات والوصفات للمعرفة فقط وليست وصفات علاجية، ويجب استشارة الطبيب المعالج قبل تناولها؛ فالكثير من الأعراض قد يتشابه، ولذلك يجب تشخيص الحالات المرضية بدقة.