السبت 14 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 26 سبتمبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً عدا الجمعة ٤ – ٦ مساءً · السبت، الإثنين والأربعاء ١١ صباحاً – ٤ مساءً

الفصل التاسع عشر — الباب الأول : في ثناء الله تعالى

الشفا بتعريف حقوق المصطفىالقسم الأول — الباب الأول : في ثناء الله تعالى

زهده صلى الله عليه وسلم في الدنيا

وأما زهده في الدنيا فقد تقدم من الأخبار أثناء هذه السيرة ما يكفي . و حسبك من تقلله منها ، واعراضه عن زهرتها ، وقد سيقت إليه بحذافيرها ، وترادفت عليه فتوحها إلي أن توفي صلى الله عليه وسلم و درعه مرهونة عند يهودي في نفقة عياله ، وهو يدعو ويقول : اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً .

حدثنا سفيان بن العاصي ، والحسين بن محمد الحافظ ، والقاضي أبو عبد الله التيمي ، قالوا : حدثنا أحمد بن عمر ، قال : حدثنا أبو العباس الرازي ، قال حدثنا أبو أحمد الجلودي ، حدثنا ابن سفيان ، حدثنا أبو حسين مسلم بن الحجاج ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام تباعاً من خبز حتى مضى لسبيله .

-وفي رواية أخرى : من خبز شعير يومين متواليين ، و لو شاء الله لأعطاه ما لا يخطر ببال .

-وفي رواية أخرى : ما شبع آل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز بر حتى لقي الله تعالى .

-قالت عائشة : ما ترك رسول اللهصلى الله عليه وسلم ديناراً ولا درهماً ولا شاة ولا بعيراً .

وفي حديث عمرو بن الحارث : ما ترك إلا سلاحه و بغلته وأرضاً جعلها صدقة .

-قالت عائشة : ولقد مات وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي .

-وقال لي : إني عرض علي أن تجعل لي بطحاء مكة ذهباً . فقلت : لا ، يا رب ، أجوع يوماً وأشبع يوماً فأما اليوم الذي أجوع فيه فأتضرع إليك وأدعوك ، وأما اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك و أثني عليك

وفي حديث آخر أن جبريل نزل عليه ، فقال له : إن الله تعالى يقرئك السلام ، و يقول لك : أتحب أن أجعل هذه الجبال ذهباً ، و تكون معك حيثما كنت ، فأطرق ساعة ، ثم قال : يا جبريل ، إن الدنيا دار من لا دار له ، و مال من لا مال له ، قد يجمعها من لا عقل له .

فقال له جبريل : ثبتك الله يا محمد بالقول الثابت .

-وعن عائشة قالت : إن كنا آل محمد لنمكث شهراً ما نستوقد ناراً ، إن هو إلا التمر والماء .

-وعن عبد الرحمن بن عوف : هلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و لم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير .

-وعن عائشة و أبي أمامة ، و ابن عباس نحوه .

-قال ابن عباس : كان صلى الله عليه وسلم يبيت هو وأهله الليالي المتتابعة طاوياً لا يجدون عشاء .

-وعن أنس : ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان و لا في سُكُرُّجَة ، و لا خبز له مرقَّق ، و لا رأى شاة سميطاً قط .

-وعن عائشة : إنما كان فراشه الذي ينام عليه أدماً حشوه ليف .

-وعن حفصة قالت : كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته مسحاً نثنيه ثنيتين ، فينام عليه ، فثنيناه له ليلة بأربع ، فلما أصبح قال : ما فرشتم لي الليلة ؟ فذكرنا ذلك له ، فقال : ردوه بحاله فإن وطأته منعتني الليلة صلاتي .

-وكان صلى الله عليه وسلم ينام أحياناً على سرير مرمول بشريط حتى يؤثر في جنبه .

-وعن عائشة قالت : لم يمتلىء جوف النبي صلى الله عليه وسلم شبعاً قط و لم يبث شكوى إلى أحد و كانت الفاقة أحب إليه من الغنى ، و إن كان ليظل جائعاً يلتوي طول ليلته من الجوع فلا يمنعه صيام يومه ، ولو شاء سأل ربه جميع كنوز الأرض وثمارها ورغد عيشها ، ولقد كنت أبكي له رحمة مما أرى به ، وأمسح بيدي على بطنه مما به من الجوع ، وأقول : نفسي لك الفداء ، ولو تبلغت من الدنيا بما يقوتك ! فيقول : يا عائشة ، ما لي و للدنيا ، إخواني من أولى العزم من الرسل صبروا على ما هو أشد من هذا ، فمضوا على حالهم ، فقدموا على ربهم ، فأكرم مآبهم ، و أجزل ثوابهم : فأجدني أستحيي إن ترفهت في معيشتي أن يقصر بي غدا دونهم ، و ما من شيء هو أحب إلي من اللحوق بإخواني و أخلائي .

قالت : فما أقام بعد إلا شهراً حتى توفى صلى الله عليه وسلم.

الفصل العشرون

خوفه ربه ، و طاعته له ، و شدة عبادته صلى الله عليه وسلم.

وأما خوفه ربه ، وطاعته له ، و شدة عبادته ، فعلى قدر علمه بربه ، ولذلك قال فيما حدثناه أبو محمد بن عتاب قراءة مني عليه .

قال : حدثنا أبو القاسم الطرابلسي ، حدثنا أبو الحسن القابسي ، حدثنا أبو زيد المروزي ، حدثنا أبو عبد الله الفربري ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا يحيى بن بكير ، عن الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ـ أن أبا هريرة كان يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً و لبكيتم كثيراً .

زاد في روايتنا ، عن أبي عيسى الترمذي ـ رفعه إلى أبي ذر : إني أرى ما لا ترون ، و أسمع ما لا تسمعون ، أطت السماء وحق لها أن تئط ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا و ملك واضع جبهته ساجداً لله ، و الله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً و لبكيتم كثيراً ، و ما تلذذتم بالنساء على الفرش ، و لخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ، لوددت أني شجرة تعضد .

روي هذا الكلام : وددت أني شجرة تعضد ـ من قول أبي ذر نفسه ، و هو أصح .

-وفي حديث المغيرة : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت قدماه .

-وفي رواية : كان يصلى حتى ترم قدماه ، فقيل له : أتكلف هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر . قال : أفلا أكون عبداً شكوراً ؟ .

-ونحوه عن أبي سلمى و أبي هريرة .

-وقالت عائشة : كان عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديمة ، و أيكم يطيق ما كان يطيق ! .

-وقالت : كان يصوم حتى نقول : لا يفطر . و يفطر حتى نقول : لا يصوم .

-ونحوه عن ابن العباس ، و أم سلمى ، و أنس .

-وقالت : كنت لا تشاء أن تراه من الليل مصلياً إلا رأيته مصليا ، و لا نائماً إلا رأيته نائماً .

-وقال عوف بن مالك : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فاستاك ثم توضأ ، ثم قام يصلي ، فقمت معه ، فبدأ فاستفتح البقرة ، فلا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل ، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ ، ثم ركع ، فمكث بقدر قيامه ، يقول : سبحان ذي الجبروت والملكوت والعظمة ،ثم سجد و قال مثل ذلك ،ثم قرأ آل عمران ، ثم سورة سورة ، يفعل مثل ذلك .

-وعن حذيفة مثله ، وقال سجد نحواً من قيامه ، و جلس بين السجدتين نحواً منه ، وقال : حتى قرأ البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة

-وعن عائشة : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بآية من القرأن ليلة .

-وعن عبد الله بن الشخير : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل .

-وقال أبن أبي هالة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان ، دائم الفكرة ، ليست له راحة .

فقال صلى الله عليه وسلم : إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة - وروي سبعين مرة .

-وعن علي رضي الله عنه ، قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سُنته ، فقال : المعرفة رأس مالي ، والعقل أصل ديني ، والحب أساسي ، والشوق مركبي ، وذكر الله أنيسي ، والثقة كنزي ، والحزن رفيقي ، والعلم سلاحي ، والصبر ردائي ، والرضا غنيمتي ، والعجز فخري ، والزهد حرفتي ، واليقين قوتي ، والصدق شفيعي ، والطاعة حسبي ، والجهاد خلقي ، وقرة عيني في الصلاة .

و في حديث آخر : وثمرة فؤادي في ذكره ، وغمي لأجل أمتي ، وشوقي إلى ربي .

هذه المعلومات والوصفات للمعرفة فقط وليست وصفات علاجية، ويجب استشارة الطبيب المعالج قبل تناولها؛ فالكثير من الأعراض قد يتشابه، ولذلك يجب تشخيص الحالات المرضية بدقة.