في حُكم مَن سبَّ الله تعالى
لا خلاف أن سابَّ الله تعالى من المسلمين كافرٌ حلالُ الدم . و اختُلِف في استتابته ، فقال ابن القاسم في المبسوط ، وفي كتاب ابن سحنون ، ومحمد ، ورواه ابن القاسم عن مالك في كتاب إسحاق بن يحيى : من سبَّ اللهَ تعالى من المسلمين قُتل ولم يُستتب إلا أن يكون افتراء على الله بارتداده إلى دين دان به وأظهره فيُستتاب ، وإن لم يظهره لم يستتب .
وقال ،في المبسوطة، مطرف وعبد الملك مثله .
وقال المخزومي ، ومحمد بن سلمة ، وابن أبي حازم : لا يُقتل المسلم بالسب حتى يستتاب .
وكذلك اليهودي والنصراني ، فإن تابوا قبل منهم ، وإن لم يتوبوا قُتلوا ولا بد من الاستتابة ، وذلك كله كالردة ، وهو الذي حكاه القاضي بن نصر عن المذهب .
وأفتى أبو محمد بن أبي زيد فيما حكي عنه في رجل لعن رجلاً ولعن الله ، فقال : إنما أردت أن ألعن الشيطان فزل لساني ، فقال : يُقتل بظاهر كفره ، ولا يقبل عذره .
وأما فيما بينَه و بيْن الله تعالى فمعذور .
واختلف فقهاء قرطبة في مسألة هارون بن حبيب أخي عبد الملك الفقيه ،وكان ضيق الصدر، كثير التبرم ، وكان قد شهد عليه بشهادات ، منها أنه قال عند استقلاله من مرض : لقيت في مرضى هذا ما لو قَتلت أبا بكر وعمر لم أستوجب هذا كله .
فأفتى إبراهيم بن حسين بن خالد بقتله ، وأن مضمن قوله تجوير لله تعالى وتظلم منه ، والتعريض فيه كالتصريح .
وأفتى أخوه عبد الملك بن حبيب ، وإبراهيم بن حسين بن عاصم ، وسعيد بن سليمان القاضي بطرح القتل عنه ، إلا أن القاضي رأى عليه التثقيل في الحبس ، والشدة في الأدب ، لاحتمال كلامه ، وصرفه إلى التشكي ، فوجه من قال في ساب الله بالاستتابة ـ إنه كفر ورِدَّة محضة لم يتعلق بها حق لغير الله ، فأشبه قصد الكفر بغير سب الله ، وإظهار الانتقال إلى دين آخر من الأديان المخالفة للإسلام .
ووجه ترك استتابته أنه لما ظهر منه ذلك بعد إظهار الإسلام قبل اتهمناه وظننا أن لسانه لم ينطق به إلا وهو معتقد له ، إذ لا يتساهل في هذا أحد ، فحكم له بحكم الزنديق ، ولم تقبل توبته ، وإذا انتقل من دين إلى آخر ، وأظهر السب بمعنى الارتداد فهذا قد أعلم أنه خلع ربقة الإسلام من عنقه ، بخلاف الأول المتمسك به ، وحكم هذا حكم المرتد : يستتاب على مشهور مذاهب أكثر أهل العلم ، وهو مذهب مالك وأصحابه على ما بيناه قبل ، وذكرنا الخلاف في فصوله .
