السبت 14 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 26 سبتمبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً ٤ – ٦ مساءً · عدا الجمعة

الفصل الرابع — الباب الثاني

الشفا بتعريف حقوق المصطفىالقسم الرابع — الباب الثاني

حكم الذمي إذا صرح بسب النبي صلى الله عليه وسلم ، أو عرض ..

هذا حكم المسلم ، فأما الذمي إذا صرح بسبه أو عرَّض ، أو استخف بقدرالنبي صلى الله عليه وسلم أو وصفه بغير الوجه الذي كفر به فلا خلاف عندنا في قتله إن لم يسلم ، لأنا لم نعطه الذمة أو العهد على هذا ، وهو قول عامة الفقهاء ، إلا أبا حنيفة والثوري وأتباعهما من أهل الكوفة ، فإنهم قالوا : لا يقتل ، ما هو عليه من الشرك أعظم ، و لكن يؤدب و يعزز .

واستدل بعض شيوخنا على قتله بقوله تعالى : (وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ) (التوبة : 12

ويستدل عليه أيضاً بقتل النبي صلى الله عليه وسلم لابن الأشرف وأشباهه ، ولأنا لم نعاهدهم ، ولم نعطهم الذمة على هذا ولا يجوز لنا أن نفعل ذلك معهم ، فإذا أتوا ما لم يعطوا عليه العهد ولا الذمة فقد نقضوا ذمتهم ، وصاروا كفاراً يُقتلون لكفرهم .

وأيضاً فإن ذمتهم لا تُسقط حدودَ الإسلام عنهم ، من القطع في سرقة أموالهم ، والقتل لمن قتلوه منهم وإن كان ذلك حلالاً عندهم فكذلك سبهم النبي صلى الله عليه وسلم يُقتلون به .

ووردت لأصحابنا ظواهر تقتضي الخلاف إذا ذكره الذمي بالوجه الذي كفر به ، ستقف عليها من كلام ابن القاسم و ابن سحنون بعد .

وحكى أبو المعصب الخلاف فيها عن أصحابه المدنيين . واختلفوا إذا سبه ثم أسلم ، فقيل : يسقط إسلامه قتله ، لأن الإسلام يجب ما قبله ، بخلاف المسلم إذا سبه ثم تاب ، لأن نعلم باطنةَ الكافر في بُغضه له ، وتنقصه بقلبه ، لكنّا منعناه من إظهاره ، فلم يزدنا ما أظهره إلا مخالفة للأمر ، ونقض للعهد ، فإذا رجع عن دينه الأول إلى الإسلام سقط ما قبله ، قال الله تعالى :( قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ)

(الأنفال : 38 )

والمسلم بخلافه ، إذا كان ظننا بـباطنه حكم ظاهره ، وخلاف ما بدا منه الأن ، فلم نقبل بعد رجوعه ولا استنمنا إلى باطنه ، إذ قد بدت سرائره ، وما ثبت عليه من الأحكام باقية عليه لا يسقطها شيء .

وقيل : لا يُسقط إسلامُ الذمي السابِّ قتلَه ، لأنه حق النبي صلى الله عليه وسلم وجب عليه ، لانتهاكه حرمته ، وقصده إلحاق النقيصة والمعرة به ، فلم يكن رجوعه إلى الإسلام بالذي يسقطه ، كما وجب عليه من حقوق المسلمين من قبل إسلامه منقتل وقذف ، وإذا كنا لا نقبل توبة المسلم فإنا لا نقبل توبة الكافر أولى .

وقال مالك في كتاب ابن حبيب والمبسوط ، وابن القاسم ، وابن الماجشون ، وابن عبد الحكم ، وأصبغ ـ فيمن شتم نبيناً صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة أو أحداً من الأنبياء عليهم السلام قتل إلا أن يُسلم ، وقاله ابن القاسم في العتبية ، وعند محمد ، وابن سحنون .

وقال سحنون وأصبغ : لا يقال له أسلم ، ولا لا تسلم ، ولكن إن أسلم فذلك له توبة .

وفي كتاب محمد : أخبرنا أصحاب مالك أنه قال : من سبَّ رسول صلى الله عليه وسلم أو غيرَه من الأنبياء من مسلم أو كافر قُتل و لم يُستتب .

وروي لنا عن مالك : إلا أن يسلم الكافر .

وقد روى ابن وهب ، عن ابن عمر ـ أن راهباً تناول النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال ابن عمر : فهلَّا قتلتموه ! .

وروى عيسى عن ابن القاسم في ذمي قال : إن محمداً لم يرسل إلينا ، إنما أرسل إليكم ، وإنما نبينا موسى أو عيسى ، ونحو هذا : لا شيء عليهم ، لأن الله تعالى أقرهم على مثله .

وأما إن سبَّه فقال : ليس بنبي ، أو لم يرسل ، أو لم ينزل عليه القرآن ، وإنما شيء تقوله أو نحو هذا فيُقتل .

وقال ابن القاسم : وإذا قال النصراني : ديننا خير من دينكم ، وإنما دينكم دين الحمير ، ونحو هذا من القبيح أو سمع المؤذن يقول :

أشهد أن محمداً رسول الله ،

فقال : كذلك يعطيكم الله ، ففي هذا،الأدبُ الموجع والسجنُ الطويل .

قال : وأما إن شتم النبي صلى الله عليه وسلم تماً يعرف فإنه يُقتل إلا أن يسلم ، قاله مالك غير مرة ، ولم يقل يستتاب .

قال ابن القاسم : ومحمل قوله عندي إن أسلم طائعاً .

وقال ابن سحنون في سؤالات سليمان بن سالم في اليهودي يقول للمؤذن ، إذا تشهد : كذبت ـ يعاقب العقوبة الموجعة مع السجن الطويل .

وفي النوادر من رواية سحنون عنه : من شتم الأنبياء من اليهود والنصارى بغير الوجه الذي به كفروا ضربت عنقه إلا أن يسلم .

قال محمد بن سحنون : فإن قيل : لم قتلته في سب النبي صلى الله عليه وسلم ون دينه سبه وتكذيبه ؟ قيل : لأنا لم نعطهم العهد على ذلك ، ولا على قتلنا ، وأخذ أموالنا ، فإذا قتل واحد منا قتلناه ، وإن كان من دينه استحلاله ، فكذلك إظهاره لسب نبينا صلى الله عليه وسلم.

قال سحنون : كما لو بذل لنا أهل الحرب الجزية على اقرارهم على سبِّه لم يجز لنا ذلك في قول قائل .

وكذلك ينتقص عهد من سب منهم ، ويحل لنا دمه فكما لم يحصن الإسلام من سبه من القتل كذلك لا تحصنه الذمة .

*ال القاضي أبو الفضل : ما ذكره ابن سحنون عن نفسه وعن أبيه مخالف لقول ابن القاسم فيما خفف عقوبتهم فيه مما به كفروا ، فتأمله

ويدل على أنه خلاف ما روي عن المدنيين في ذلك ، فحكى أبو المصعب الزهري ، قال :

أتيت بنصراني قال : والذي اصطفى عيسى على محمد ، فاختلف على فيه ، فضربته حتى قتلته ، أو عاش يوماً وليلة ، وأمرت مَن جرَّ برجله ، و طُرح على مزبلة ، فأكلته الكلاب

وسئل أبو المصعب عن نصراني قال : عيسى خلق محمداً . فقال : يُقتل .

وقال ابن القاسم : سألنا مالكاً عن نصراني بمصر شهد عليه أنه قال : مسكين محمد ، يخبرك أنه في الجنة ، ما له لم ينفع نفسه ! إذ كانت الكلاب تأكل ساقيه ، لو قتلوه استراح منه الناس .

قال مالك : أرى أن تضرب عنقه .

قال ولقد كدت ألا أتكلم فيها بشيء ، ثم رأيت أنه لا يسعني الصمت .

قال ابن كنانة في المبسوطة : من شتم النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى فأرى للإمام أن يحرقه بالنار وإن

شاء قتله ثم حرق جثته ، وإن شاء أحرقه بالنار حياً إذا تهافتوا في سبه .

وقد كتب إلى مالك من مصر مسألة ابن قاسم المتقدمة ، قال : فأمرني مالك ، فكتبت بأن يقتل ، وأن يضرب عنقه ، فكتبت ، ثم قلت : يا أبا عبد الله ، وأكتب : ثم يحرق بالنار ؟ فقال كان إنه لحقيق بذلك ، وما أولاه به .

فكتبته بيدي بين يديه ، فما أنكره ولا عابه ، ونفذت الصحيفة بذلك فقتل وحرق .

وأفتى عبيد الله ابن يحيى وابن لبابة في جماعة سلف أصحابنا الأندلسيين بقتل نصرانية استهلت بنفي الربوبية وبنوة عيسى الله ، وبتكذيب محمد في النبوة ، وبقبول إسلامها ودرأ القتل عنها به .

وبه قال غير واحد من المتأخرين منهم القابسي ، وابن الكتاب .

وقال أبو القاسم بن الجلاب في كتابه : من سب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من مسلم أو كافر قتل ولا يستتاب .

وحكى القاضي أبو محمد في الذمي يسب النبي صلى الله عليه وسلم روايتين في درء القتل عنه بإسلامه .

وقال ابن سحنون : وحد القذف وشبهه من حقوق العباد لا يُسقطه عن الذمي إسلامُه ، وإنما يسقط عنه بإسلامه حدود الله .فأما حد القذف فحق للعباد ، كان ذلك لنبي أو غيره ، فأوجب على الذمي إذا قذف النبي صلى الله عليه وسلم ثم أسلم حد القذف .

ولكن انظر ماذا يجب عليه ؟ هل حد القذف في حق النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو القتل لزيادة حرمة النبي صلى الله عليه وسلم على غيره ، أم هل يسقط القتل بإسلامه ، ويحد ثمانين ؟ فتأمله ...

هذه المعلومات والوصفات للمعرفة فقط وليست وصفات علاجية، ويجب استشارة الطبيب المعالج قبل تناولها؛ فالكثير من الأعراض قد يتشابه، ولذلك يجب تشخيص الحالات المرضية بدقة.