في حكم من لم تتم الشهادة عليه ..
هذا حكم من ثبت عليه ذلك بما يجب ثبوته من إقرار أو عدول لم يدفع فيهم ، فأما من لم تتم الشهادة عليه بما شهد عليه الواحد أو اللفيف من الناس ، أو ثبت قوله لكن احتمل ولم يكن صريحاً .
وكذلك إن تاب على القول بقبول توبته فهذا يدرأ عنه القتل ، ويتسلط عليه اجتهاد الإمام بقدر شهرة حاله وقوة الشهادة عليه ، وضعفها ، وكثرة السماع عنه ، وصورة حاله من التهمة في الدين والنبر بالسفه والمجون ، فمن قوي أمره أذاقه من شديد النكال من التضيق في السجن ، والشد في القيود إلى الغاية التي هي منتهى طاقته لما لا يمنعه القيام لضرورته ، ولا يقعده عن صلاته ، وهو حكم كل من وجب عليه القتل لكن وقف عن قتله لمعنى أوجبه ، وتربص به لإشكال وعائق اقتضاه أمره ، وحالات الشدة في نكاله تختلف بحسب اختلاف حاله .
وقد روى الوليد عن مالك والأوزاعي أنها ردة ، فإذا تاب نكل .
ولمالك في العتبية وكتاب محمد ، من رواية أشهب :
إذا تاب المرتد فلا عقوبة عليه وقاله سحنون .
وأفتى أبو عبد الله بن عتاب فيمن سب النبي صلى الله عليه وسلم، فشهد عليه شاهدان عُدِّلض أحدُهما بالأدب الموجع والتنكيل والسجن الطويل حتى تظهر توبته .
وقال القابسي في مثل هذا : ومن كان أقصى أمره القتل فعاق عائق أشكل في القتل لم ينبَغِ أن يطلق من السجن ، ويستطال سجنه ، ولو كان فيه من المدة ما عسى أن يقيم ، ويحمل عليه من القيد ما يطيق .
وقال في مثله ممن أشكل أمره : يشد في القيود شداً ، ويُضيَّق عليه في السجن حتى ينظر فيما يجب عليه
وقال في مسألة أخرى مثلها : ولا تهراق الدماء إلا بالأمر الواضح ، وفي الأدب بالسوط والسجن نكال للسفهاء ، ويعاقب عقوبة شديدة ، فأما إن لم يشهد عليه سوى شاهدين ، وأثبت من عداوتهما أو جرحتهما ما أسقطهما عنه ، ولم يسمع ذلك من غيرها فأمره أخف لسقوط الحكم عنه ، وكأنه لم يشهد عليه ، إلا أن يكون مما لا يليق به ذلك ، ويكون الشاهدان من أهل التبريز فأسقطهما بعداوة ، فهو وإن لم ينفذ الحكم عليه بشهادتهما فلا يدفع الظن صدقهما ، وللحاكم هنا في تنكيله موضع اجتهاد .
والله ولي الإرشاد .
