في معنى الحديث في وصيته صلى الله عليه وسلم
فإن قلت : قد قررت عصمته صلى الله عليه وسلم في أقواله في جميع أحواله ، وأنه لا يصح منه فيها خلف ولا اضطراب في عمد ولا سهو ، ولا صحة ولا مرض ، ولا جد ولا هزل ، ولا رضا ولا غضب . ولكن ما معنى الحديث في وصيته صلى الله عليه وسلم الذي حدثنا به القاضي الشهيد أبو علي رحمه الله ، قال : حدثنا القاضي أبو الوليد ، حدثنا أبو ذر ، حدثنا أبو محمد ، وأبو الهيثم ، وأبو إسحاق ، قالوا : حدثنا محمد ابن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا عبد الرزاق ابن همام ، أنبأنا معمر ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، قال : لما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجال فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هلموا أكتب كتاباً لن تضلوا بعده .فقال بعضهم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلبه الوجع ... الحديث .
-وفي رواية : ائتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي أبداً ، فتنازعوا فقالوا : ما له أهجَر !
استفهموه ، فقال : دعوني ، فإن الذي أنا فيه خير
-وفي بعض طرقه : أن النبي صلى الله عليه وسلم يهجُر .
-وفي رواية : هجر . و يروى : أهُجْرٌ . و يروى :
أهُجْراً .
-وفيه فقال عمر : إن النبي صلى الله عليه وسلم قد اشتد به الوجع ، وعندنا كتاب الله ، حسبنا .
وكثر اللغط ، فقال : قوموا عني .
-وفي رواية : واختلف أهل البيت واختصموا ، فمنهم من يقول : قربوا يكتب لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً .
ومنهم من يقول ما قال عمر .
*قال أئمتنا في هذا الحديث : النبي صلى الله عليه وسلم غير معصوم من الأمراض ، وما يكون من عوارضها من شدة وجع وغشي ونحوه مما يطرأ على جسمه ، معصوم أن يكون منه من القول أثناء ذلك ما يطعن في معجزته ، ويؤدي إلى فساد في شريعته من هذيان واختلال كلام .
وعلى هذا لا يصح ظاهر رواية من روى في الحديث : هجَر إذ معناه هذى يقال : هجر هُجراً ، إذا هذى . وأهجر هُجراً ، إذا أفحش ، وأهجَر تعديةُ هجَر ، وإنما الأصح والأولى أهجر ، على طريق الإنكار على من قال : لا نكتب .
وهكذا روايتنا فيه في صحيح البخاري من رواية جميع الرواة في حديث الزهري المتقدم ، وفي حديث محمد بن سلام ، عن عيينة ، وكذا ضبطه الأصيلي بخطه في كتابه ، وغيره من هذه الطرق ، و كذا رويناه عن مسلم في حديث سفيان ، وعن غيره .
وقد تحمل عليه رواية من رواه هجر على حذف ألف الاستفهام ، والتقدير :
أهجر ، أو أن يحمل قول القائل هجر أو أهجر دهشة من قائل ذلك وحيرة لعظيم ما شاهد من حال الرسول صلى الله عليه وسلم، وشدة وجعه ، وهو المقام الذي اختلف فيه عليه ، والأمر الذي هم بالكتاب فيه ، حتى لم يضبط هذا القائل لفظه ، وأجرى الهجر مجرى شدة الوجع ، لا أنه اعتقد أنه يجوز عليه الهجر ، كما حملهم الإشفاق على حراسته ، و الله تعالى يقول : ( وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) (المائدة : 67 ) ، ونحو هذا .
وأما على رواية : أَهُجْراً ـ وهي رواية أبي إسحاق المستملي في الصحيح في حديث ابن جبير ، عن ابن عباس ، من رواية قتيبة ـ فقد يكون هذا راجعاً إلى المختلفين عنده صلى الله عليه وسلم، ومخاطبة لهم من بعضهم ، أي جئتم باختلافكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يديه ـ هُجراً ومنكراً من القول .
والهُجر ـ بضم الهاء : الفحش في المنطق .
وقد اختلف العلماء في معنى هذا الحديث ، وكيف اختلفوا بعد أمرهصلى الله عليه وسلم لهم أن يأتوه بالكتاب ، فقال بعضهم أوامر النبي صلى الله عليه وسلم يفهم إجابها من ندبها من إباحتها بقرائن ، فلعله قد ظهر من قرائن قوله صلى الله عليه وسلم لبعضهم ما فهموا أنه لم تكن منه عَزْمَة ، بل أمرٌ ردّه إلى اختيارهم ، وبعضهم لم يفهم ذلك ، فقال : استفهموه ، فلما اختلفوا كف عنه ، إذا لم يكن عزمة ، ولما رأوه من صواب رأي عمر ، ثم هؤلاء قالوا ويكون امتناع عمر إما إشفاقاً على النبي صلى الله عليه وسلم من تكليفه في تلك الحال إملاء الكتاب ، أو تدخل عليه مشقة من ذلك ، كما قال : أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتد به الوجع .
وقيل : خشي عمر أن يكتب أموراً يعجزون عنها فيحصلون في الحرج بالمخالفة ، ورأى أن الأرفَق بالأمة في تلك الأمور سعة الاجتهاد ، وحكم النظر ، وطلب الصواب ، فيكون المصيب والمخطيء مأجوراً .
وقد علم عمر تقرر الشرع ، وتأسيس الملة ، وأن الله تعالى قال : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) (المائدة : 3 ). وقوله صلى الله عليه وسلم أوصيكم بكتاب الله وعترتي
وقول عمر : حسبنا كتاب الله ـ رد على من نازعه ، لا على أمر النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد قيل : إن عمرخشِيَ تطرُّقَ المنافقين ومن في قلبه مرض لما كتب في ذلك الكتاب في الخلوة ، وأن يتقولوا في ذلك الأقاويل ، كادعاء الرافضة الوصية وغير ذلك .
وقيل :
إنه كان من النبي صلى الله عليه وسلم لهم على طريق المشورة والاختيار . هل يتفقون على ذلك أم يختلفون ؟ فلما اختلفوا تركه .
وقالت طائفة أخرى : إن معنى الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مجيباً في هذا الكتاب لما طلب منه ، لا أنه ابتدأ بالأمر به ، بل اقتضاه منه بعض أصحابه ، فأجاب رغبتهم ، و كره ذلك غيرهم للعلل التي ذكرناها .
واستدل في مثل هذه القصة بقول العباس لعلي : انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن كان الأمر فينا علمناه وكراهة علي هذا ، وقوله : والله لا أفعل ... الحديث .
واستدل بقوله : دعوني ، فإن الذي أنا فيه خير ، أي الذي أنا فيه خير من إرسال الأمر وترككم وكتاب الله وأن تدعوني مما طلبتم .
وذكر أن الذي طلب كتابه أمر الخلافة بعده ، وتعيين ذلك .
