أقوالهصلى الله عليه وسلم الدنيوية من أخباره عن أحواله وأحوال غيره وما يفعله أو فعله
وأما أقواله الدنيوية من أخباره عن أحواله وأحوال غيره وما يفعله أو فعله ـ فقد قدمنا أن الخلف فيها ممتنع عليه في كل حال ، وعلى أي وجه ، من عمد أو سهو ، أو صحة أو مرض ، أو رضا أو غضب ، وأنه معصوم منه صلى الله عليه وسلم .
هذا فيما طريقه الخبر المحض مما يدخله الصدق والكذب ، فأما المعاريض الموهم ظاهرها خلاف باطنها فجائز ورودها منهصلى الله عليه وسلم في الأمور الدنيوية لا سيما لقصد المصلحة ، كتوريَّته عن وجه مغازيه لئلا يأخذ العدو جذره .وكما روي من ممازحته ودعابته لبسط أمته وتطييب قلوب المؤمنين من صحابته ، وتأكيداً في تحببهم ومسرة نفوسهم ، كقوله :
لأحملنك على ابن الناقة . وقوله للمرأة التي سألته عن زوجها : أهو الذي بعينه بياض .
وهذا كله صدق ، لأن كلَّ جملٍ ابنُ ناقة ، وكلَّ إنسانٍ بعينه بياض وقد قال صلى الله عليه وسلم : إني لأمزح ولا أقول إلا حقاً .
هذا كله فيما بابه الخبر ، فأما ما بابه غير الخبر مما صورته صورة الأمر والنهي في الأمور الدنيوية فلا يصح منه أيضاً ، ولا يجوز عليه أن يأمر أحداً بشيء أو ينهي أحداً عن شيء وهو يبطن خلافه .
وقد قال صلى الله عليه وسلم : ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين ، فكيف أن تكون له خيانة قلب .
فإن قلت : فما معنى إذاً قوله تعالى في قصة زيد رضي الله عنه :( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ )
(الأحزاب : 37 )
فاعلم ـ أكرمك الله ، ولا تَسْتَرِب في تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الظاهر
وأن يأمر زيداً بإمساكها وهو يحب تطليقه إياها ، كما ذكر عن جماعة من المفسرين .
وأصح ما في هذا ما حكاه أهل التفسير عن علي بن حسين ـ أن الله تعالى كان أعلم نبيَّه أن زينب رضي الله عنها ستكون من أزواجه ، فلما شكاها إليه زيد قال له :( أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ) . وأخفى في نفسه ما أعلمه الله به من أنه سيتزوجها مما الله مبديه ومظهره بتمام التزويج بعد تطليق زيد لها .
وروى نحوه عمرو بن فائد ، عن الزهري ، قال : نزل جبريل على النبي يُعْـلِمُه أن الله يزوجه زينب بنت جحش ، فذلك الذي أخفى في نفسه ويصحح هذا قول المفسرين في قوله تعالى بعد هذا : (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً) (الأحزاب 37 ) ، أي لا بُد لك أن تتزوجها .
ويوضح هذا أن الله لم يُـبْدِ من أمره معها غير زواجه لها ، فدل أنه الذي أخفاه صلى الله عليه وسلم مما كان أعلمه به تعالى .
وقوله تعالى في القصة : (مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً) (الأحزاب : 38 )
فدل أنه لم يكن عليه حرج في الأمر .
-قال الطبري : ما كان الله ليُؤثِّم نبيَّه فيما أحل مثال فعله لمن قبله من الرسل ، قال الله تعالى : (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا ) (الأحزاب : 38+62 )، أي من النبيين فيما أحل لهم ، ولو كان على ما روي في حديث قتادة من وقوعها من قلب النبي صلى الله عليه وسلم عندما أعجبته ، ومحبته طلاق زيد لها لكان فيه أعظم الحرج ، وما لا يليق به من مدِّ عينيه لما نُهِيَ عنه من زهرة الحياة الدنيا ، ولكان هذا نفس الحسد المذموم الذي لا يرضاه ولا يتسم به الأتقياء ، فكيف سيد الأنبياء ؟ .
قال القشيري : وهذا إقدام عظيم من قائله ، وقِلة معرفة بحق النبي صلى الله عليه وسلموبفضله .
وكيف يقال:رآها فأعجبته وهي بنت عمه ،ولم يزل يراها منذ ولدت ،ولا كان النساء
يحتجبن منه صلى الله عليه وسلم، وهو زوَّجها لزيد ، وإنما جعل الله طلاق زيد لها ، وتزويج النبي صلى الله عليه وسلم إياها ، لإزالة حرمة التبني وإبطال سنته ، كما قال تعالى : ( مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) (الأحزاب : 40 ) . وقال : ( لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً) (الأحزاب :
37 ).
ونحوه لابن فورك .
وقال أبو الليث السمرقندي : فإن قيل : فما الفائدة في أمر النبي صلى الله عليه و سلم لزيد بإمساكها ؟ فهو أن الله أعلم نبيه أنها زوجته ، فنهاه النبي صلى الله عليه و سلم عن طلاقها ، إذ لم تكن بينهما ألفة ، و أخفى في نفسه ما أعلمه الله به فلما طلقها زيد خشي قول الناس : يتزوج إمرأة ابنه ، فأمره الله بزواجها ليباح مثل ذلك لأمته ، كما قال تعالى :( لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً) (الأحزاب : 37 )
وقد قيل : كان أمره لزيد بإمساكها قمعاً للشهوة ، ورداً للنفس عن هواها . وهذا إذا جوزنا عليه أنه رآها فجأة واستحسنها . ومثل هذا لا نكرة فيه ، لما طبع عليه ابن آدم من استحسانه للحسن ، ونظرة الفجاءة معفو عنها ، ثم قمع نفسه عنها ، وأمَر زيداً بإمساكها ، وإنما تُنكر تلك الزيادات في القصة .
والتعويل والأولى ما ذكرناه عن علي بن حسين ، وحكاه السمرقندي ، وهو قول ابن عطاء ، وصححه واستحسنه القاضي القشيري ، وعليه عول أبو بكر بن فورك ، وقال : إنه معنى ذلك عند المحققين من أهل التفسير ، قال : والنبي صلى الله عليه وسلم منزه عن استعمال النفاق في ذلك ، وإظهار خلاف ما في نفسه ، وقد نزهه الله عن ذلك بقوله تعالى :( (مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً) (الأحزاب : 38 ) ، ومن ظنَّ ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم فقد أخطأ
قال : وليس معنى الخشية هنا الخوف ، وإنما معناه الاستحياء ، أي يستحي منهم أن يقولوا : تزوج زوجة ابنه .وأن خشيته صلى الله عليه وسلم من الناس كانت من إرجاف المنافقين واليهود وتشغيبهم على المسلمين بقولهم : تزوج زوجة ابنه بعد نهيه عن نكاح حلائل الأبناء ، كما كان ، فعتبة الله على هذا ، ونزهه عن الالتفاف إليهم فيما أحله له ، كما عتبه على مراعاة رضا أزواجه في سورة التحريم بقوله :( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (التحريم : 1 ) . وكذلك قوله له ها هنا : (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ) (الأحزاب : 37 ).
وقد روي عن الحسن وعائشة : لو كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً كتم هذه الآية لما فيها من عَـتْـبه وإ بْداء ما أخفاه .
