السبت 14 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 26 سبتمبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً ٤ – ٦ مساءً · عدا الجمعة

الفصل الثالث: عشر (1)

الشفا بتعريف حقوق المصطفىالقسم الثالث — الباب الثاني إن شاء الله ولكنه لايقال

في الرد على من أجاز عليهم الصغائر

اعلم أن المجوزين للصغائر على الأنبياء من الفقهاء والمحدثين ومن شايعهم على ذلك من المتكلمين احتجوا على ذلك بظواهر كثيرة من القرآن والحديث إن التزموا ظواهرها أفضت بهم إلى تجويز الكبائر وخرق الإجماع ، وهو ما لا يقول به مسلم ، فكيف وكل ما احتجوا به مما اختلف المفسرون في معناه ، وتقابلت الاحتمالات في مقتضاه ، وجاءت أقاويل فيها للسلف بخلاف ما التزموه من ذلك ، فإذا لم يكن مذهبهم إجماعاً ، وكان الخلاف فيما احتجوا به قديماً ، وقامت الدلالة على خطأ قولهم ، وصحة غيره وجب تركه ، والمصير إلى ما صح .

و ها نحن نأخذ في النظر فيها إن شاء الله .

فمن ذلك قوله تعالى لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً) (الفتح : 2 )

وقوله:(فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) (محمد : 19 ).

وقوله :( وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ *) ( الشرح 2 ، 3 )

وقوله : (عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ)

(التوبة : 43 ).

وقوله : (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ) (الأنفال 67 -68).

و قوله : (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الْأَعْمَى*)(عبس 1-2)

وما قص من قصص غيره من الأنبياء ، كقوله : (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) (طه : 121 )

وقوله : (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الأعراف : 190 ).

وقوله : (قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)

(الأعراف : 23 )

وقوله ـ عن يونس : (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)

(الأنبياء : 87 ) .

وما ذكر من قصته وقصة داود ، وقوله :( وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ ( 24 )

فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ( 25 ) ص-

وقوله : (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) (يوسف : 24 )،

وما قص من قصته مع إخوته .

وقوله ـ عن موسى : (َوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ)

(القصص : 15)

-وقول النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه : اغفر لي ما قدمت وما أخرت ، وما أسررت وما أعلنت

ونحوه من أدعيته صلى الله عليه وسلم. و كر الأنبياء في الموقف ذنوبهم في حديث الشفاعة .

و وله : إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله .

وفي حديث أبي هريرة : إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة .

-وقوله تعالى ـ عن نوح : (وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ) (هود : 47 ).

و قد كان قال الله له : (وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ) (هود : 37 )

-وقال ـ عن إبراهيم : ((وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) (الشعراء : 82 )] .

-وقوله ـ عن موسى :( فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ)

(الأعراف : 143 ).

-وقوله : (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ) (صـ : 34 )... إلى ما أشبه هذه الظواهر .

*قال القاضي رحمه الله : فأما احتجاجهم بقوله تعالى :( لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) : فهذا قد اختلف فيه المفسرون ، فقيل : المراد ما كان قبل النبوة وبعدها .

وقيل : المراد ما وقع لك من ذنب وما لم يقع ـ أعلمه أنه مغفور له .

وقيل : المتقدم ما كان قبل النبوة ، والمتأخر عصمتك بعدها ، حكاه أحمد بن نصر .

وقيل : المراد بذلك أمته .

وقيل : المراد ما كان عن سهو وغفلة ، وتأويل ، حكاه الطبري ، واختاره القشيري .

وقيل : ما تقدم لأبيك آدم ، وما تأخر من ذنوب أمتك ، حكاه السمرقندي والسلمي عن ابن عطاء .

وبمثله والذي قبله يتأول قوله : (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ)،

قال مكي : مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم ها هنا هي مخاطبة لأمته .

و قيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر أن يقول : (قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ) (الأحقاف : 9 ) ـ سر بذلك الكفار ، فأنزل الله تعالى : (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً) (الفتح : 2 )

وبمآل المؤمنين في الآية الأخرى بعدها ، قاله ابن عباس ، فمقصد الآية : إنك مغفور لك غير مؤاخذ بذنب إن لو كان . قال بعضهم : المغفرة ها هنا تبرئة من العيوب .

وأما قوله : :( وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ *) ( الشرح 2 ، 3 )

.، فقيل : ما سلف من ذنبك قبل النبوة ، وهو قول ابن زيد والحسن ، ومعنى قول قتادة

وقيل : معناه أنه حفظ قبل نبوته منها ، وعصم ، ولولا ذلك لأثقلت ظهره ، حكى معناه السمرقندي .

وقيل : المراد بذلك ما أثقل ظهره من أعباء الرسالة حتى تبلغها ، حكاه الماوردي ، والسلمي .

وقيل : حططنا عنك ثقل أيام الجاهلية ، حكاه مكي .

وقيل : ثقل شغل سرك وحيرتك وطلب شريعتك حتى شرعنا ذلك لك ، حكى معناه القشيري .

وقيل المعنى : خففنا عليك ما حملت بحفظنا لما استحفظت ، وحفظ عليك .

ومعنى أنقض ظهرك ، أي كاد ينقضه ، فيكون المعنى على من جعل ذلك لما قبل النبوة ـ اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بأمور فعلها قبل نبوته ، وحرمت عليه بعد النبوة ، فعدها أوزار ، وثقلت عليه ، وأشفق منها .

أو يكون الوضع عصمة الله له وكفايته من ذنوب لو كانت لأنقضت ظهره .

أو يكون من ثقل الرسالة ، أو ما ثقل عليه وشغل قلبه من أمور الجاهلية ، وإعلام الله تعالى له بحفظ ما استحفظه من وحيه .

وأما قوله : (عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ)

(التوبة : 43 ).فأمر لم يتقدم للنبي صلى الله عليه وسلم من الله تعالى نهي فيعد معصية ، ولا عده الله تعالى عليه معصية ، بل لم يعده أهل العلم معاتبة . وغلَّطوا من ذهب إلى ذلك ، قال نفطويه : و قد حاشاه الله تعالى من ذلك ، بل كان مخيراً في أمرين ، قالوا : وقد كان له أن يفعل ما شاء فيما لم ينزل عليه فيه وحي ، فكيف وقد قال الله تعالى : (فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ ) (النور : 62 ). فلما أذن لهم أعلمه الله بما لم يطلع عليه من سرهم أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا ، وأنه لا حرج عليه فيما فعل ، وليس( عفا )هنا بمعنى غفر ، بل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق . ولم تجب عليهم قط ، أي لم يلزمكم ذلك .

و نحوه للقشيري ، قال : وإنما يقول العفو : لا يكون إلا عن ذنب من لم يعرف كلام العرب ، ومعنى عفا الله عنك ـ أي لم يلزمك ذنباً .قال الداودي : روي أنها تكرمة .وقال مكي : هو استفتاح كلام ، مثل أصلحك الله و أعزك . و حكى السمرقندي أن معناه عفاك الله .

-وأما قوله في أسارى بدر : (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ) (الأنفال 67 -68) فليس فيه إلزام ذنب للنبي صلى الله عليه وسلم ، بل فيه بيان ما خص به وفضل من بين سائر الأنبياء ، فكأنه قال : ما كان هذا لنبي غيرك ، كما قال صلى الله عليه وسلم:

أحلت لي الغنائم ، و لم تحل لنبي قبلي .

فإن قيل : فما معنى قوله تعالى :( الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )

قيل : المعنى بالخطاب لمن أراد ذلك منهم ، و تجرد غرضه لعرض الدنيا وحده ، و الاستكثار منها ، و ليس المراد بهذا النبي صلى الله عليه و سلم ، و لا عليه أصحابه ، بل قد روى عن الضحاك أنها نزلت حين انهزم المشركون يوم بدر ، واشتغل الناس بالسلب وجمع الغنائم عن القتال ، حتى خشي عمر أن يعطف عليهم العدو .

ثم قال تعالى :( لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)، فاختلف المفسرون في معنى الآية فقيل : معناها لولا أنه سبق مني أن لا أعذب أحداً إلا بعد النهي لعذبتكم .

فهذا ينفي أن يكون أمر الأسرى معصية .

و قيل : المعنى لولا إيمانكم بالقرآن ، وهو الكتاب السابق فاستوجبتم به الصفح ـ

لعوقبتم على الغنائم .

و يزاد هذا القول تفسيراً وبياناً بأن يقال : لولا ما كنتم مؤمنين بالقرآن ، وكنتم ممن أحلت لهم الغنائم لعوقبتم ، كما عوقب من تعدى .

وقيل : لولا أنه سبق في اللوح المحفوظ أنها حلال لكم لعوقبتم .

فهذا كله ينفي الذنب والمعصية ، لأن من فعل ما أحل له لم يعص ، قال الله تعالى : (فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الأنفال : 69 )

وقيل : بل كان صلى الله عليه وسلم قد خير في ذلك ، وقد روي عن علي رضي الله عنه ، قال : جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلميوم بدر ، فقال : خير أصحابك في الأساري ، إن شاءوا القتل ، وإن شاءوا الفداء ، على أن يقتل منهم في العام المقبل مثلهم .

فقالوا : الفداء و يقتل منا . وهذا دليل على صحة ما قلناه ، وأنهم لم يفعلوا إلا ما أذن لهم فيه ، ولكن بعضهم مال إلى أضعف الوجهين مما كان الأصلح غيره من الإثخان والقتل ، فعوتبوا على ذلك ، وبين لهم ضعف اختيارهم وتصويب اختيار غيرهم ،، وكلهم غير عصاة ولا مذنبين ، وإلى نحو هذا أشار الطبري .

-وقوله ـ صلى الله عليه وسلم في هذه القضية : لو نزل من السماء عذاب ما نجا منه إلا عمر . إشارة إلى هذا من تصويب رأيه ورأي من أخذ بمأخذه ، في إعزاز الدين وإظهار كلمته ، وإبادة عدوه ، وأن هذه القضية لو استوجبت عذاباً نجا منه عمر ومثله ، وعين عمر لأنه أول من أشار بقتلهم ، ولكن الله لم يقدر عليهم في ذلك عذاباً لحله لهم فيما سبق .

وقال الداودي : والخبر بهذا لا يثبت ، ولو ثبت لما جاز أن يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم لما لا نص فيه ولا دليل من نص ، ولا جعل الأمر فيه إليه ، وقد نزهه الله تعالى عن ذلك .

وقال القاضي بكر بن العلاء : أخبر الله تعالى نبيهصلى الله عليه وسلم في هذه الآية أن تأويله وافق ما كتبه له من إحلال الغنائم والفداء ، وقد كان قبل هذا فادَوا في سرية عبد الله بن جحش التي قتل فيها ابن الحضرمي بالحكم بن كيسان وصاحبه ، فما عتب الله ذلك عليهم ، وذلك قبل بدر بأزيد من عام .

فهذا كله يدل على أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الأسرى كان على تأويل و بصيرة ، وعلى ما تقدم قبل مثله ، فلم ينكره الله تعالى عليهم ، لكن الله تعالى أراد ـ لعظم أمر بدر وكثرة أسراها ، والله أعلم ـ إظها ر نعمته ، وتأكيد منته ، بتعريفهم ما كتبه في اللوح المحفوظ من حل ذلك لهم ، لا على وجه عتاب وإنكار وتذنيب .

هذا معنى كلامه .

-وأما قوله : (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الْأَعْمَى*)(عبس 1-2)

فليس له إثبات ذنب له صلى الله عليه وسلم، بل إعلام الله أن ذلك المتصدي له ممن لا يتزكى ، وان الصواب والأولى ـ لو كشف لك حال الرجلين الإقبال على الأعمى .

وفعل النبي صلى الله عليه وسلم لما فعل ، وتصديه لذلك الكافر ، كان طاعة لله وتبليغاً عنه واستئلافاً له ، كما شرعه الله له ، لا معصية ، ولا مخالفة له .

وما قصه الله عليه من ذلك إعلام بحال الرجلين وتوهين أمر الكافر عنده والإشارة إلى الإعراض عنه ، بقوله : (وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى) (عبس 7 ).

و قيل : أراد بـ ( عبس ) ، و ( تولى ) ـ الكافر الذي كان مع النبي صلى الله عليه وسلم ، قاله أبو تمام .

-وأما قصة آدم عليه السلام ، وقوله تعالى :( (فَأَكَلَا مِنْهَا)(طه 121) ـ بعد قوله :( وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ) (البقرة : 35 )(الأعراف 19) . وقوله(أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ) ( الأعراف 22)، و تصريحه تعالى عليه بالمعصية بقوله تعالى : (َوعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) (طه : 121 )) ، أي جهل . وقيل أخطأ ، فإن الله تعالى قد أخبر بعذره بقوله :(وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) (طه : 115 )، قال ابن زيد : نسي عداوة إبليس له ، وما عهد الله إليه من ذلك بقوله : (إنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى)

(طه : 117 ).

وقيل : نسي ذلك بما أظهر لهما . وقال ابن عباس : إنما سمي الإنسان إنسانا لأنه عهد إليه فنسي .

وقيل : لم يقصد المخالفة استحلالاً لها ، ولكنهما اغتراً بحلف إبليس لهما :( وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ)

(الأعراف : 21 ) ، و توهما أن أحداً لا يحلف بالله حانثاً .

وقد روي عذر آدم بمثل هذا في بعض الآثار .وقال ابن جبير : حلف بالله لهما حتى غرهما ، والمؤمن يخدع .وقد قيل : نسي ، ولم ينو المخالفة ، فلذلك قال :( وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) (طه : 115 ) ، أي قصداً للمخالفة . وأكثر المفسرين على أن العزم هنا الجزم والصبر .

وقيل : كان عند أكله سكران ، وهذا فيه ضعف ، لأن الله تعالى وصف خمر الجنة أنها لا تسكر ، فإذا كان ناسياً لم تكن معصية ، وكذلك إن كان ملبساً عليه غالطاً ، إذ الاتفاق على خروج الناسي والساهي عن حكم التكليف .

قال الشيخ أبو بكر بن فورك وغيره : إنه يمكن أن يكون ذلك قبل النبوة ، ودليل ذلك قوله تعالى : (َوعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) (طه : 121- 122) ، فذكر أن الاجتباء والهداية كانا بعد العصيان .وقيل : بل أكلها متأولاً ، وهو يعلم أنها الشجرة التي نهي عنها ، لأنه تأول نهي الله عن شجرة مخصوصة لا على الجنس ، ولهذا قيل : إنما كانت التوبة من ترك التحفظ ، لا من المخالفة . وقيل : تأول أن الله لم ينهه عنها نهي تحريم .

فإن قيل : فعلى كل حال فقد قال الله تعالى :( وعصى آدم ربه )، و قال : (فتاب عليه وهدى) .

-وقوله في حديث الشفاعة : ويذكر ذنبه ، وقال : إني نهيت عن أكل الشجرة فعصيت ، فسيأتي الجواب عنه وعن أشباهه مجملاً آخر الفصل إن شاء الله .

-وأما قصة يونس فقد مضى الكلام على بعضها آنفاً ، وليس في قصة يونس نص على ذنب ، وإنما فيها أبق وذهب مغاضباً وقد تكلمنا عليه .وقيل : إنما نقم الله عليه خروجه عن قومه فاراً من نزول العذاب .

وقيل : بل لما وعدهم العذاب ثم عفا الله عنهم قال : و الله لا ألقاهم بوجه كذاب أبداً .

وقيل : بل كانوا يقتلون من كذب فخاف ذلك .

وقيل : ضعف عن حمل أعباء الرسالة . وقد يقدم الكلام أنه لم يكذبهم .

وهذا كله ليس فيه نص على معصية إلا على قول مرغوب عنه .وقوله : (إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) (الصافات :

140 ) قال المفسرون تباعد .

وأما قوله : (إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)

(الأنبياء : 87 ) ، فالظلم وضع الشيء في غير موضعه ، فهذا اعتراف منه عند بعضهم بذنبه ، فإما أن يكون لخروجه عن قومه بغير إذن ربه ، أو لضعفه عما حمله ، أو لدعائه بالعذاب على قومه . وقد دعا نوح بهلاك قومه فلم يؤاخذ .

وقال الواسطي في معناه : نزه ربه عن الظلم ، وأضاف الظلم إلى نفسه اعترافاً واستحقاقاً . ومثل هذا قول آدم وحواء : (قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (الأعراف : 23 ))، إذ كانا السبب في وضعهما غير الموضع الذي أنزلا فيه ، واخراجهما من الجنة ، وإنزالهما إلى الأرض .

-وأما قصة داود عليه السلام فلا يجب أن يلتفت إلى ما سطره فيه الأخباريون من أهل الكتاب الذين بدلوا وغيروا ، ونقله بعض المفسرين . ولم ينص الله على شيء من ذلك ، ولا ورد في حديث صحيح . والذي نص عليه قوله : (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ *فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ *) ( ص 24-25) وقوله فيه : (أَوّاب) .

فمعنى(فَتَنَّاهُ): اختبرناه . و( أَوَّاب) : قال قتادة : مطيع . وهذا التفسير أولى .

وقال ابن عباس ، وابن مسعود : ما زاد داود على أن قال للرجل : انزل لي عن امرأتك وأكفلنيها ، فعاتبه الله على ذلك ، ونبهه عليه ، وأنكر عليه شغله بالدنيا ، وهذا الذي ينبغي أن يعول عليه من أمره .

هذه المعلومات والوصفات للمعرفة فقط وليست وصفات علاجية، ويجب استشارة الطبيب المعالج قبل تناولها؛ فالكثير من الأعراض قد يتشابه، ولذلك يجب تشخيص الحالات المرضية بدقة.