السبت 14 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 26 سبتمبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً ٤ – ٦ مساءً · عدا الجمعة

الفصل الثاني عشر — الباب الثاني إن شاء الله ولكنه لايقال

الشفا بتعريف حقوق المصطفىالقسم الثالث — الباب الثاني إن شاء الله ولكنه لايقال

في الكلام على الأحاديث المذكور فيها السهو منه صلى الله عليه وسلم

وقد قدمنا في الفصول قبل هذا ما يجوز فيه السهو عليه صلى الله عليه وسلموما يمتنع ، وأحلناه في الأخبار جملة ، وفي الأقوال الدينية قطعاً ، وأجزنا وقوعه في الأفعال الدينية على الوجه الذي رتبناه ، وأشرنا إلى ما ورد في ذلك ، ونحن نبسط القول فيه ونقول : الصحيح من الأحاديث الواردة في سهوه صلى الله عليه وسلم في الصلاة ثلاثة أحاديث : أولها : حديث ذي اليدين في السلام من اثنتين .الثاني : حديث ابن بحينة في القيام من اثنتين .

الثالث : حديث ابن مسعود رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمساً .

وهذه الأحاديث مبنية على السهو في الفعل الذي قررناه ، وحكمة الله فيه ليستن به ، إذ البلاغ بالفعل أجلى منه بالقول ، وأرفع للاحتمال ، وشرطه ألا يقر على السهو ، بل يشعر به ليرتفع الالتباس ، وتظهر فائدة الحكمة فيه كما قدمناه ، فإن النسيان والسهو في الفعل في حقه صلى الله عليه وسلم غير مضاد للمعجزة ، ولا قادح في التصديق ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : إنما أنا بشر أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني .

وقال صلى الله عليه وسلم : رحم الله فلاناً ، لقد أذكرني كذا و كذا آية كنت أُسقطهن ـ و يروى : أُنسيهتن .

وقال صلى الله عليه وسلم : إني لأَنسى ، أو أُنسى ، لأَسُنَّ

قيل : هذا اللفظ شك من الراوي . وقد روى : إني لا أنسى ، و لكن أنسى لأسن .

وذهب ابن نافع ، وعيسى بن دينار أنه ليس بشك ، فإن معناه التقسيم ، أي أنسى أنا ، أو ينسيني الله .

قال القاضي أبو الوليد الباجي : يحتمل ما قالاه أن يريد أني أنسى في اليقظة ، وأنسى في النوم ، أو أنسى على سبيل عادة البشر من الذهول عن الشيء والسهو ، وأنسى مع إقبالي عليه وتفرغي له ، فأضاف أحد النسيانين إلى نفسه ، إذ كان له بعض السبب فيه ، ونفى الآخر عن نفسه ، إذ هو فيه كالمضطر .

وذهبت طائفة من أصحاب المعاني والكلام على الحديث إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسهو في الصلاة ولا ينسى ، لأن النسيان ذهول وغفلة وآفة ، قال : و النبي صلى الله عليه وسلم منزه عنها ، والسهو شغل ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يسهو في صلاته ، ويشغله عن حركات الصلاة ما في الصلاة ، شغلاً بها لا غفلة عنها .

واحتج بقوله في الرواية الأخرى : إني لا أنسى .

وذهبت طائفة إلى منع هذا كله عنه ، وقالوا : إن سهوه صلى الله عليه وسلم كان عمداً وقصداً ليَسُنَّ .

وهذا قول مرغوب عنه ، متناقض المقاصد ، لا يُحلى منه بطائل ، لأنه كيف يكون معتمداً ساهياً في حال . ولا حجة لهم في قولهم : إنه أمر بتعمد صورة النسيان ليسن ، لقوله : إني لأنسى أو أنسى . وقد أثبت أحد الوصفين ، ونفى مناقضة التعمد والقصد ، وقال :

إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني .

وقد مال إلى هذا عظيم من المحققين من أئمتنا ، وهو أبو المظفر الإسفرايني ، ولم يرتضه غيره منهم ، ولا أرتضيه ، ولا حجة لهاتين الطائفتين في قوله : إني لا أنَسى ، ولكن أُنسى ، إذ ليس فيه نفي حكم النسيان بالجملة ، وإنما فيه نفي لفظه وكراهة لقبه ، كقوله : بئس ما لأحدكم أن يقول : نسيت آية كذا ، ولكنه نسي ، أونفي الغفلة وقلة الاهتمام بأمر الصلاة عن قلبه ، لكن شغل بها عنها ، ونسي بعضها ببعضها ، كما ترك الصلاة يوم الخندق حتى خرج وقتها ، وشغل بالتحرز من العدو عنها ، فشغل بطاعة عن طاعة .

و قيل : إن الذي ترك يوم الخندق أربع صلوات : الظهر ، والعصر ، والمغرب ، والعشاء ، وبه احتج من ذهب إلى جواز تأخير الصلاة في الخوف ، إذا لم يتمكن من أدائها إلى وقت الأمن ، وهو مذهب الشاميين

والصحيح أن حكم الصلاة الخوف كان بعد هذا ، فهو ناسخ له .

فإن قلت : فما تقول في نومه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة يوم الوادي ، وقد قال : إن عيني تنامان ولا ينام قلبي .

فاعلم أن للعلماء في ذلك أجوبة ، منها : أن المراد بأن هذا حكم قلبه عند نومه وعينيه في غالب الأوقات وقد يندر منه غير ذلك ، كما يندر منة غيره خلاف عادته .

ويصحح هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث نفسه : إن الله قبض أرواحنا

وقول بلال فيه : ما ألقيت علي نومه مثلها قط ، ولكن مثل هذا إنما يكون منه لأمر يريده الله من إثبات حكم ، وتأسيس سُنة ، وإظهار شرع ، كما قال في الحديث الآخر : لو شاء الله لأيقظنا ، ولكن أراد أن يكون لمن بعدكم .

الثاني ـ أن قلبه لا يستغرقه النوم حتى يكون منه الحدث فيه ، لما روي أنه كان محروساً ، وأنه كان ينام حتى ينفخ ، وحتى يسمع غطيطه ثم يصلي ولا يتوصأ .

وحديث ابن عباس المذكور فيه وضوءه عند قيامه من النوم ، فيه نومه مع أهله ، فلا يمكن الاحتجاج به على وضوئه بمجرد النوم إذ لعل ذلك لملامسته الأهل أو لحدث آخر ، فكيف وفي آخر الحديث نفسه : ثم نام حتى سمعت غطيطه ، ثم أقيمت الصلاة فصلى ولم يتوضأ .

وقيل : لا ينام قلبه من أجل أنه يوحى إليه في النوم ، وليس في قصة الوادي إلا نوم عينه عن رؤية الشمس . وليس هذا من فعل القلب ، وقد قال صلى الله عليه وسلم: إن الله قبض أرواحنا و لو شاء لردها إلينا في حين غير هذا

فإن قيل : فلولا عادته من استغراق النوم لما قال لبلال : اِكْلَأْ لنا الصبح .

فقيل في الجواب : إنه كان من شأنه صلى الله عليه وسلم التغليس بالصبح ، ومراعاة أول الفجر لا تصح ممن نامت عينه ، إذ هو ظاهر يدرك بالجوارح ، فوكل بلالاً بمراعاة أوله ليعلمه بذلك ، كما لو شغل بشغل غير النوم عن مراعاته .

فإن قيل : فما معنى نهيه صلى الله عليه وسلم عن القول : نسيت ، و قد قال صلى الله عليه وسلم : إني أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني .... وقال :لقد أذكرني كذا و كذا آية كنت أنسيتها .

فاعلم ـ أكرمك الله ـ أنه لا تعارض في هذه الألفاظ ، أما نهيه عن أن يقال نسيت آية كذا فمحمول على ما نسخ حفظه من القرآن ، أي إن الغفلة في هذا لم تكن منه ، ولكن الله تعالى اضطره إليها ليمحو ما يشاء ويثبت . وما كان من سهو أو غفلة من قبله تذكرها صلح أن يقال فيه : أنسى .

وقد قيل : إن هذه منه صلى الله عليه وسلم على طريق الاستحباب أن يضيف الفعل إلى خالقه ، والآخر على طريق الجواز لاكتساب العبد فيه ، وإسقاطه صلى الله عليه وسلملما أسقط من هذه الآيات جائز عليه بعد بلاغ ما أمر ببلاغه ، وتوصيله إلى عباده ، ثم يستذكرها من أمته ، أو من قبل نفسه ، إلا ما قضى الله نسخه ومحوه من القلوب وترك استذكاره .

وقد يجوز أن ينسى النبي صلى الله عليه وسلم ما هذا سبيله كرَّة ، و يجوز أن ينسيه منه قبل البلاغ ما لا يغير نظماً ، ولا يخلط حكماً ، مما لا يدخل خللاً في الخبر ، ثم يذكره إياه و يستحيل دوام نسيانه له ، لحفظ الله كتابه ، وتكليفه بلاغه .

هذه المعلومات والوصفات للمعرفة فقط وليست وصفات علاجية، ويجب استشارة الطبيب المعالج قبل تناولها؛ فالكثير من الأعراض قد يتشابه، ولذلك يجب تشخيص الحالات المرضية بدقة.