في الكلام على الأحاديث المذكور فيها السهو منه صلى الله عليه وسلم
وقد قدمنا في الفصول قبل هذا ما يجوز فيه السهو عليه صلى الله عليه وسلموما يمتنع ، وأحلناه في الأخبار جملة ، وفي الأقوال الدينية قطعاً ، وأجزنا وقوعه في الأفعال الدينية على الوجه الذي رتبناه ، وأشرنا إلى ما ورد في ذلك ، ونحن نبسط القول فيه ونقول : الصحيح من الأحاديث الواردة في سهوه صلى الله عليه وسلم في الصلاة ثلاثة أحاديث : أولها : حديث ذي اليدين في السلام من اثنتين .الثاني : حديث ابن بحينة في القيام من اثنتين .
الثالث : حديث ابن مسعود رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمساً .
وهذه الأحاديث مبنية على السهو في الفعل الذي قررناه ، وحكمة الله فيه ليستن به ، إذ البلاغ بالفعل أجلى منه بالقول ، وأرفع للاحتمال ، وشرطه ألا يقر على السهو ، بل يشعر به ليرتفع الالتباس ، وتظهر فائدة الحكمة فيه كما قدمناه ، فإن النسيان والسهو في الفعل في حقه صلى الله عليه وسلم غير مضاد للمعجزة ، ولا قادح في التصديق ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : إنما أنا بشر أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني .
وقال صلى الله عليه وسلم : رحم الله فلاناً ، لقد أذكرني كذا و كذا آية كنت أُسقطهن ـ و يروى : أُنسيهتن .
وقال صلى الله عليه وسلم : إني لأَنسى ، أو أُنسى ، لأَسُنَّ
قيل : هذا اللفظ شك من الراوي . وقد روى : إني لا أنسى ، و لكن أنسى لأسن .
وذهب ابن نافع ، وعيسى بن دينار أنه ليس بشك ، فإن معناه التقسيم ، أي أنسى أنا ، أو ينسيني الله .
قال القاضي أبو الوليد الباجي : يحتمل ما قالاه أن يريد أني أنسى في اليقظة ، وأنسى في النوم ، أو أنسى على سبيل عادة البشر من الذهول عن الشيء والسهو ، وأنسى مع إقبالي عليه وتفرغي له ، فأضاف أحد النسيانين إلى نفسه ، إذ كان له بعض السبب فيه ، ونفى الآخر عن نفسه ، إذ هو فيه كالمضطر .
وذهبت طائفة من أصحاب المعاني والكلام على الحديث إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسهو في الصلاة ولا ينسى ، لأن النسيان ذهول وغفلة وآفة ، قال : و النبي صلى الله عليه وسلم منزه عنها ، والسهو شغل ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يسهو في صلاته ، ويشغله عن حركات الصلاة ما في الصلاة ، شغلاً بها لا غفلة عنها .
واحتج بقوله في الرواية الأخرى : إني لا أنسى .
وذهبت طائفة إلى منع هذا كله عنه ، وقالوا : إن سهوه صلى الله عليه وسلم كان عمداً وقصداً ليَسُنَّ .
وهذا قول مرغوب عنه ، متناقض المقاصد ، لا يُحلى منه بطائل ، لأنه كيف يكون معتمداً ساهياً في حال . ولا حجة لهم في قولهم : إنه أمر بتعمد صورة النسيان ليسن ، لقوله : إني لأنسى أو أنسى . وقد أثبت أحد الوصفين ، ونفى مناقضة التعمد والقصد ، وقال :
إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني .
وقد مال إلى هذا عظيم من المحققين من أئمتنا ، وهو أبو المظفر الإسفرايني ، ولم يرتضه غيره منهم ، ولا أرتضيه ، ولا حجة لهاتين الطائفتين في قوله : إني لا أنَسى ، ولكن أُنسى ، إذ ليس فيه نفي حكم النسيان بالجملة ، وإنما فيه نفي لفظه وكراهة لقبه ، كقوله : بئس ما لأحدكم أن يقول : نسيت آية كذا ، ولكنه نسي ، أونفي الغفلة وقلة الاهتمام بأمر الصلاة عن قلبه ، لكن شغل بها عنها ، ونسي بعضها ببعضها ، كما ترك الصلاة يوم الخندق حتى خرج وقتها ، وشغل بالتحرز من العدو عنها ، فشغل بطاعة عن طاعة .
و قيل : إن الذي ترك يوم الخندق أربع صلوات : الظهر ، والعصر ، والمغرب ، والعشاء ، وبه احتج من ذهب إلى جواز تأخير الصلاة في الخوف ، إذا لم يتمكن من أدائها إلى وقت الأمن ، وهو مذهب الشاميين
والصحيح أن حكم الصلاة الخوف كان بعد هذا ، فهو ناسخ له .
فإن قلت : فما تقول في نومه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة يوم الوادي ، وقد قال : إن عيني تنامان ولا ينام قلبي .
فاعلم أن للعلماء في ذلك أجوبة ، منها : أن المراد بأن هذا حكم قلبه عند نومه وعينيه في غالب الأوقات وقد يندر منه غير ذلك ، كما يندر منة غيره خلاف عادته .
ويصحح هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث نفسه : إن الله قبض أرواحنا
وقول بلال فيه : ما ألقيت علي نومه مثلها قط ، ولكن مثل هذا إنما يكون منه لأمر يريده الله من إثبات حكم ، وتأسيس سُنة ، وإظهار شرع ، كما قال في الحديث الآخر : لو شاء الله لأيقظنا ، ولكن أراد أن يكون لمن بعدكم .
الثاني ـ أن قلبه لا يستغرقه النوم حتى يكون منه الحدث فيه ، لما روي أنه كان محروساً ، وأنه كان ينام حتى ينفخ ، وحتى يسمع غطيطه ثم يصلي ولا يتوصأ .
وحديث ابن عباس المذكور فيه وضوءه عند قيامه من النوم ، فيه نومه مع أهله ، فلا يمكن الاحتجاج به على وضوئه بمجرد النوم إذ لعل ذلك لملامسته الأهل أو لحدث آخر ، فكيف وفي آخر الحديث نفسه : ثم نام حتى سمعت غطيطه ، ثم أقيمت الصلاة فصلى ولم يتوضأ .
وقيل : لا ينام قلبه من أجل أنه يوحى إليه في النوم ، وليس في قصة الوادي إلا نوم عينه عن رؤية الشمس . وليس هذا من فعل القلب ، وقد قال صلى الله عليه وسلم: إن الله قبض أرواحنا و لو شاء لردها إلينا في حين غير هذا
فإن قيل : فلولا عادته من استغراق النوم لما قال لبلال : اِكْلَأْ لنا الصبح .
فقيل في الجواب : إنه كان من شأنه صلى الله عليه وسلم التغليس بالصبح ، ومراعاة أول الفجر لا تصح ممن نامت عينه ، إذ هو ظاهر يدرك بالجوارح ، فوكل بلالاً بمراعاة أوله ليعلمه بذلك ، كما لو شغل بشغل غير النوم عن مراعاته .
فإن قيل : فما معنى نهيه صلى الله عليه وسلم عن القول : نسيت ، و قد قال صلى الله عليه وسلم : إني أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني .... وقال :لقد أذكرني كذا و كذا آية كنت أنسيتها .
فاعلم ـ أكرمك الله ـ أنه لا تعارض في هذه الألفاظ ، أما نهيه عن أن يقال نسيت آية كذا فمحمول على ما نسخ حفظه من القرآن ، أي إن الغفلة في هذا لم تكن منه ، ولكن الله تعالى اضطره إليها ليمحو ما يشاء ويثبت . وما كان من سهو أو غفلة من قبله تذكرها صلح أن يقال فيه : أنسى .
وقد قيل : إن هذه منه صلى الله عليه وسلم على طريق الاستحباب أن يضيف الفعل إلى خالقه ، والآخر على طريق الجواز لاكتساب العبد فيه ، وإسقاطه صلى الله عليه وسلملما أسقط من هذه الآيات جائز عليه بعد بلاغ ما أمر ببلاغه ، وتوصيله إلى عباده ، ثم يستذكرها من أمته ، أو من قبل نفسه ، إلا ما قضى الله نسخه ومحوه من القلوب وترك استذكاره .
وقد يجوز أن ينسى النبي صلى الله عليه وسلم ما هذا سبيله كرَّة ، و يجوز أن ينسيه منه قبل البلاغ ما لا يغير نظماً ، ولا يخلط حكماً ، مما لا يدخل خللاً في الخبر ، ثم يذكره إياه و يستحيل دوام نسيانه له ، لحفظ الله كتابه ، وتكليفه بلاغه .
