السبت 14 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 26 سبتمبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً ٤ – ٦ مساءً · عدا الجمعة

الفصل العاشر — الباب الثاني إن شاء الله ولكنه لايقال

الشفا بتعريف حقوق المصطفىالقسم الثالث — الباب الثاني إن شاء الله ولكنه لايقال

في عصمة الأنبياء قبل النبوة

وقد اختلف في عصمتهم من المعاصي قبل النبوة ، فمنعها قوم ، وجوزها آخرون .

والصحيح أن شاء الله تنزيههم من كل عيب ، وعصمتهم من كل ما يوجب الريب ، فكيف والمسألة تصورها كالممتنع ، فإن المعاصي والنواهي إنما تكون بعد تقرر الشرع .

وقد اختلف الناس في حال نبينا صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه ، هل كان متبعاً لشرع قبله أم لا ؟ فقال جماعة : لم يكن متبعاً لشيء ، وهذا قول الجمهور ، فالمعاصي على هذا القول غير موجودة ولا معتبرة في حقه حينئذ ، إذ الأحكام الشرعية إنما تتعلق بالأوامر والنواهي وتقرر الشريعة .

ثم اختلف حجج القائلين بهذه المقالة عليها ، فذهب سيف السنة ، ومقتدى فرق الأمة القاضي أبو بكر إلى أن طريق العلم بذلك النقل وموارد الخبر من طريق السمع ، وحجته أنه لو كان ذلك لنقل ، ولما أمكن كتمه وستره في العادة ، إذ كان من مهم أمره ، وأولى ما اهتبل به سيرته ، ولفخر به أهل تلك الشريعة ، ولا احتجوا به عليه ، ولم يؤْثر شيء من ذلك جملة .

وذهبت طائفة إلى امتناع ذلك عقلاً ، قالوا : لأنه يبعد أن يكون متبوعاً من عرف تابعاً ، وبنوا هذا على التحسين والتقبيح ، وهي طريقة غير سديدة ، واستناد ذلك إلى النقل كما تقدم للقاضي أبي بكر أولى وأظهر

وقالت فرقة أخرى بالوقف في أمره صلى الله عليه وسلم وترك قطع الحكم عليه بشيء في ذلك ، إذ لم يحل أحد الوجهين منها العقل ، ولا استبان في أحدهما طريق النقل ، وهو مذهب أبي المعالي .

وقالت فرقة ثالثة : إنه كان عاملاً بشرع من قبله ، ثم اختلفوا : هل يتعين ذلك الشرع أم لا ؟ فوقف بعضهم عن تعيينه وأحجم . وجسر بعضهم على التعيين وصمم . ثم اختلفت هذه المعينة فيمن كان يتبع ، فقيل نوح ، وقيل إبراهيم ، وقيل موسى ، وقيل عيسى صلوات الله عليهم . فهذه جملة المذاهب في هذه المسألة .

والأظهر فيها ما ذهب إليه القاضي أبو بكر ، وأبعدها مذاهب المعينين ، إذ لو كان شيء من ذلك لنقل كما قدمنا ، ولم يخف جملة ، ولا حجة لهم في أن عيسى آخر الأنبياء ، فلزمت شريعته من جاء بعدها ، إذ لم يثبت عموم دعوة عيسى ، بل الصحيح أنه لم يكن لنبي دعوة عامة إلا لنبينا صلى الله عليه وسلم ، ولا حجة أيضاً للآخر في قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (النحل :

123 ) ولا للآخرين في قوله تعالى : شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) (الشورى : 13 ).

وقد سمى الله تعالى فيهم من لم يبعث،ولم تكن له شريعة تخصه ، كيوسف بن يعقوب على قول من يقول : إنه ليس برسول .

وقد سمى الله تعالى جماعة منهم في هذه الآية شرائعهم مختلفة لا يمكن الجمع بينها ، فدل أن المراد ما اجتمعوا عليه من التوحيد و عبادة الله تعالى .

وبعد هذا فهل يلزم من قال بمنع الاتباع هذا القول في سائر الأنبياء غير نبينا صلى الله عليه وسلم ، أو يخالفون نبيهم ؟ .

أما من منع الاتباع عقلاً فيطرد أصله في كل رسول بلا مرية . وأما من مال إلى النقل فأينما تصور له وتقرر اتبعه .

ومن قال بالوقف فعلى أصله . ومن قال بوجوب الاتباع لمن قبله فيلتزمه بمساق حجته في كل نبي .

الفصل الحادي عشر

حكم السهو والنسيان في الأفعال

هذا حكم ما تكون المخالفة فيه من الأعمال على قصد وهو ما يسمى معصية ويدخل تحت التكليف ، وأما ما يكون بغير قصد وتعمُّد كالسهو والنسيان في الوظائف الشرعية مما تقرر الشرع بعدم نعلق الخطاب به وترك المؤاخذة عليه فأحوال الأنبياء في ترك المؤاخذة به وكونه ليس بمعصية لهم مع أممهم سواء ، ثم ذلك على نوعين : ما طريقه البلاغ وتقرير الشرع وتعلق الأحكام وتعليم الأمة بالفعل وأخذهم بانباعه فيه وما هو خارج عن هذا مما يختص بنفسه ،أما الأول فحكمه عند جماعة من العلماء حكم السهو في القول في هذا الباب ، وقد ذكرنا الإتفاق على امتناع ذلك في حق النبي صلى الله عليه وسلم وعصمته من جوازه عليه قصدا أو سهواً،فكذلك قالوا : الأفعال في هذا الباب لا يجوز طروُّ المخالفة فيها لا عمداً ولا سهوا لأنها بمعنى القول من جهة التبليغ والأداء ، وطروُّ هذه العوارض عليها يوجب التشكيك و يسبب المطاعن ، واعتذروا عن أحاديث السهو بتوجيهات نذكرها بعد هذا ،وإلى هذا مال أبو إسحاق ،وذهب الأكثر من الفقهاء والمتكلمين إلى أن المخالفة في الأفعال البلاغية والأحكام الشرعية سهواً وعن غير قصد منه جائز عليه كما تقرر من أحاديث السهو في الصلاة وفرقوا بين ذلك وبين الأقوال البلاغية لقيام المعجزة على الصدق في القول؛ ومخالفة ذلك تُناقضها ..وأما السهو في الأفعال فغير مناقض لها ولا قادح في النبوة بل علطات الفعل وغفلات القلب من سمات البشر كما قالصلى الله عليه وسلم : إنما أنا بشر أنسى كما تنسون ،فإذا نسيتُ فذكِّروني...نعم؛بل حالة النسيان والسهو هنا في حقه سبب إفادة علم وتقرير شرع كما قالصلى الله عليه وسلم : إني لأَنسى أو أُنسى لأسنَّ ..بل قد رُوي عنه أيضلً : لست أنسى ولكن اُنسىلأسنَّ...وهذه الحالة زيادة له في التبليغ وتمام عليه في النعمة بعيدة عن سمات النقص وأغراض الطعن ؛فإن القاءلين بتجويز ذلك يشترطون أن الرسل لا تقر على السهو والغلط بل ينبهون عليه ويعرفون حكمه

بالفور على قول بعضهم وهو الصحيح وقبل انقراضهم على قول الآخرين ؛وأما ما ليس طريقه البلاغ ولا بيان الأحكام من أفعاله صلى الله عليه وسلم وما يختص به من أمور دينه وأذكار قلبه مما لم يفعله ليُتَّبَع فيه فالأكثر من طبقات علماء الأمة على جواز السهو والغلط عليه فيها ولحوق الفترات والغفلات بقلبه وذلك بما كُلِّفهصلى الله عليه وسلم من مقاساة الخلق وسياسات الأمة ومعاناة الأهل وملاحظة الأعداء ،ولكن ليس على سبيل التكرار ولا الإتصال بل على سبيل الندور كما قالصلى الله عليه وسلم : إنه ليغان على قلبي فأستعفر الله ،وليس في هذا شيء يحُط من رتبته ويناقص معجزته ..وذهبت طائفة إلى منع السهو والنسيان والغفلات والفترات في حقه صلى الله عليه وسلم جملة وهو مذهب جماعة المتصوفة وأصحاب علم القلوب والمقامات ولهم في هذه الأحاديث مذاهب نذكرها بعد إن شاء الله..

هذه المعلومات والوصفات للمعرفة فقط وليست وصفات علاجية، ويجب استشارة الطبيب المعالج قبل تناولها؛ فالكثير من الأعراض قد يتشابه، ولذلك يجب تشخيص الحالات المرضية بدقة.