السبت 14 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 26 سبتمبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً ٤ – ٦ مساءً · عدا الجمعة

الفصل الرابع — الباب الثاني إن شاء الله ولكنه لايقال

الشفا بتعريف حقوق المصطفىالقسم الثالث — الباب الثاني إن شاء الله ولكنه لايقال

في عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الشيطان وكفايته منه ...

واعلم أن الأمة مجمعة على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الشيطان وكفايته منه لا في جسمه بأنواع الأذى ولا على خاطره بالوسواس ،وقد أخبرنا القاضي الحافظ أبو علي رحمه الله قال : حدثنا أبو الفضل بن ، خيرون العدل ،حدثنا أبو بكر البرقاني وغيره ، حدثنا أبو الحسن الدارقطني ، حدثنا إسماعيل الصفار ، حدثنا عباس الترقفي ،حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا سفيان، عن منصور ،عن سالم بن أبي الجعد ،عن مسروق ،عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما منكم من أحد إلا وُكِّلَ به قرينُه من الجن وقرينُه من الملائكة...قالوا وإياك يا رسول الله ؟ قال : وإياي ولكن الله تعالى أعانني عليه فأسلم. .. زاد غيره عن منصور : فلا يأمرني إلا بخير .وعن عائشة بمعناه ،رُويَ فأسلمُ بضم الميم أي فأسلمُ أنا منه وصحح بعضهم هذه الرواية ورجحها . ورُوي فأسلمَ يعني أن القرين انتقل عن حال كفره إلى الإسلام فصار لا يأمر إلا بخير كالمـلَك ، وهو ظاهر الحديث ، ورواه بعضهم : فاستسلم ؛

*قال القاضي أبو الفضل وفقه الله : فإذا كان هذا حكم شيطانه وقرينه المسلط على بني آدم ، فكيف بمن بعُد منه ولم يلزم صحبتَه ولا أُقدِر على الدنُوّ منه ؟ وقد جاءت الآثار بتصدي الشياطين له في غير موطن رغبة في إطفاء نوره وإماتة نفسه وإدخال شغل عليه إذ يئسوا من إغوائه فاتقلبوا خاسرين ،كتعرضه له في صلاته لفأخذه النبيصلى الله عليه وسلم وأسره..

ففي الصحاح عنأبي هريرة رضي الله عنه أن النبيصلى الله عليه وسلم قال :إن الشيطان عرض لي ...قال عبد الرزاق : في صورة هر فشد عليَّ يقطع عليَّ الصلاة فأمكنني الله منه فذعته :ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا تنظرون إليه :فذكرت قول أخي سليمان: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) (صـ : 35 ) فردَّه اللهُ خاسئاً...

وفي حديث أبي الدرداء عنه صلى الله عليه وسلم: إن عدو الله إبليس جاءني بشهاب من نار ليجعله في وجهي ، والنبيصلى الله عليه وسلم في الصلاة ،وذكر تعوُّذَه بالله منه ولعنَه له.... ثم أردت أخذه . وذكر نحوه وقال :لأصبح موثقاً يتلاعب به ولدان أهل المدينة ... وكذلك في حديثه في الإسراء : وطلبِ عفريتٍ له بشعلة نار فعلمه جبريل ما يتعوذ به منه .ذكر في الموطإ . ولما لم يقدر على أذاه بمباشرته تسبب بالتوسط إلى عداه كقضيته مع قريش في الإئتمار بقتل النبي صلى الله عليه وسلم وتصوره في صورة الشيخ النجدي ؛ ومرة أخرى في غزوة يوم بدر في صورة سراقة بن مالك ؛وهو قول الله تعالى : (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الأنفال : 48 ) ؛ ومرة ينذر بشأنه عند بيعة العقبة .. وكل هذا فقد كفاه الله أمره وعصمه ضرَّه وشرَّه وقد قالصلى الله عليه وسلم : إن عيسى عليه السلام كفي من لمسه فجاء ليطعن بيده في خاصرته حين وُلد فطعن في الحجاب.. وقالصلى الله عليه وسلم ـ حين لد في مرضه وقيل له خشينا أن يكون بك ذات الجنب ـ إنها من الشيطان،ولم يكن الله ليسلطه عليَّ.. فإن قيل فما معنى قوله تعالى : (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الأعراف : 200 ) ؟ فقد قال بعض المفسرين إنها راجعة إلى قوله تعالى : (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف : 199 ) ثم قال : (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ) أي يستخفَّك غضب يحملك على ترك الإعراض عنهم فاستعذ بالله ، وقيل : النزغ هنا الفساد كما قال :( مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ) (يوسف : 100 ) ، وقيل :( يَنزَغَنَّكَ) أي

يُغرينَّك ويُحرِّكنَّك ، والنزغ أدنى الوسوسة ، فأمره الله تعالى أنه متى تحرك عليه غصب على عدوِّه أو رام الشيطان من إغوائه به وخواطر أدنى وساوسه ما لم يجعل له سبيل إليه أن يستعيذ منه فيُكفى أمرَه ويكون سبب تمام عصمته إذ لم يسلط عليه بأكثر من التعرض له ولم يُجعل له قدرة عليه وقد قيل في هذه الآية غير هذا ؛

وكذلك لا يصحأن يتصور له الشيطان في صورة الملك ويُلَبِّس عليه لا في أول الرسالة ولا بعدها ،والإعتماد في ذلك دليل المعجزة ،بل لا يشك النبي صلى الله عليه وسلم أن ما يأتيه من الله الملكُ ورسولُه حقيقة إما بعلم ضروري يخلُقه الله له أو ببرهان يُظهره لديه لتتمَّ ( كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الأنعام : 115 ) ..فإن قيل فما معنى قةله تعالى :( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (الحج : 52 )؟فاعلم أن للناس في معنى هذه الآية أقاويل : منها السهل والوعر، والغث والسمين ،وأولى ما يقال فيها ما عليه الجمهور من المفسرين أن التمني هاهنا التلاوة وإلقاء الشيطان فيها إشغاله بخواطر وأذكار من أمور الدنيا لِلَّيـالي حتى يُدخِل عليه الوهم والنسيان فيما تلاه أو يُدخِل غير ذلك على أفهام السامعين من التحريف وسوء التأويل ما يزيله الله وينسخه ويكشف لبسه ويحكم آياته وسيأتي الكلام على هذه الآية بعد بأشبع من هذا إن شاء الله ؛ وقد حكى السمرقندي إنكار قول من قال بتسلط الشيطان على مُلك سليمان وغلبته عليه وأن مثل هذا لا يصح وقد ذكرنا قصة سليمان مبينة بعد هذا ومن قال إن الجسد الذي أُلقي على كرسيه هو الولد الذي وُلد له ، وقال أبو محمد مكي في قصة أيوب ،وقوله تعالى : (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) (صـ : 41 ) : إنه لا يجوز لأحد أن يتأول أن الشيطان هو الذي أمرضه وألقى الضر في بدنه ، ولا يكون ذلك إلا بفعل الله وأمره ليبتليه ويتيبه ...وقيل إن الذي أصابه الشيطان ما وسوس به إلى أهله ؛

فإن قلت : فما معنى قوله تعالى : (وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ) (الكهف : 63 ) ، وقوله عن يوسف : (فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ) (يوسف : 42 ) ، وقول نبينا صلى الله عليه وسلم حين نام عن الصلاة يوم الوادي : إن هذا واد به شيطان ؛ وقول موسى عليه السلام في وكزته :( هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ) (القصص : 15 ) ، فاعلم أن هذا الكلام قد يرد في جميع هذا على مورد مستمر كلام العرب في وصفهم كل قبح من شخص أو فعل بالشيطان أو فعله كما قال تعالى : (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ) (الصافات : 65 ) ؛ وقالصلى الله عليه وسلم : إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحداً يمر بين يديه ،وليدرأه ما استطاع ، فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان ..وأيضاً فإن قول يوشع لا يلزمنا الجواب عنه إذ لم يثبن له في ذلك الوقت نبوة مع موسى عليه السلام ، قال الله تعالى : (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ ) (الكهف : 60 ) والمروي أنه إنما نُيِّيءَ بعد موت موسى، وقيل قبيل موته وقول مو؛سى عليه السلام كان قبل نبوَّته بدليل القرآن... وقصةُ يوسف عليه السلام قد ذُكر أنها كانت قبل نبوَّته ؛ وقد قال المفسرون في قوله تعالى :( فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) (يوسف : 42 )) (يوسف : 42 ) قولين : أحدهما أن الذي أنساه الشيطان ذكر ربه هوأحد صاحبي السجن وربه الملِك ؛ أي أنساه أت يذكر للملك شأن يوسف عليه السلام وأيضاً فإن مثل هذا من فعل الشيطان ليس فيه تسلط على يوسف ويوشع بوساوسَ ونزغ وإنما هو بشغل خواطرهما بأمور أُخر وتذكيرهما من أُمورهما ما يُنسيهما ما نسيا؛ وأما قوله صلى الله عليه وسلم :إن هذا واد به شيطان ؛ فليس فيه ذكر تسلطه عليه ولا وسوسته له بل إن كان بمقتضى ظاهره فقد بيَّن أمر ذلك الشيطان بقوله : إن الشيطان أتى بلالاً فلم يزل يهدؤُه،

كما يُهَدَّأُ الصبيُّ، حتى نام...فاعلم أن تسلط الشيطان في ذلك الوادي إنما كان على بلال الوكَّل بكلاءة الفجر، هذا إن جعلنا قوله صلى الله عليه وسلم :إن هذا واد به شيطان...تنبيهاً على سبب النوم عن الصلاة .وأما إن جعلناه تنبيهاً على سبب الرحيل عن الوادي وعلة لترك الصلاة به وهو دليل مساق حديث زيد بن أسلم فى اعتراض به في هذا الباب لبيانه وارتفاع إشكاله .

هذه المعلومات والوصفات للمعرفة فقط وليست وصفات علاجية، ويجب استشارة الطبيب المعالج قبل تناولها؛ فالكثير من الأعراض قد يتشابه، ولذلك يجب تشخيص الحالات المرضية بدقة.