الباب الثاني إن شاء الله ولكنه لايقال إنهم لا يعلمون شيئاً من أمور الدنيا فإن ذلك يؤدي إلى الغفلة والبله ،وهم المنزهون عن ذلك؛ بل قد أرسلوا إلى أهل الدنيا وقُلِّدوا سيايتهم وهدايتهم والنظر في مصالح دينهم ودنياهم ؛ وهذا لا يكون مع عدم العلم بأمور الدنيا بالكلية ، وأحوال الأنبياء وسيَرهم في هذا الباب معلومة ومعرفتهم بذلك كله مشهورة ؛وأما إن كان هذا العقد مما يتعلق بالدين فلا يصح من النبيصلى الله عليه وسلم إلا العلم به ولا يجوز عليه جهله جملة لأنه لا يخلو أن يكون حصل عنده ذلك عن وحي من الله فهو ما لا يصح الشك منه فيه على ما قدمناه فكيف الجهل ؟..بل حصل له العلم اليقين أو يكون فعل ذلك باجتهاده في ما لم ينزل عليه فيه شيء على القول بتجويز وقوع الإجتهاد منه في ذلك على قول المحققين وعلى مقتضى حديث أم سلمة الذي قال فيهصلى الله عليه وسلم : إني إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علي فيه شيء... خرجه التقاة ؛ وكقصة أسرى بدر والإذن للمتخلفين على رأي بعضهم فلا يكون أيضاً لا يعتقده مما يثمره اجتهاده إلا حقاً وصحيحاً؛ هذا هو الحق الذي لا يُلتفت إلى خلاف من خالف فيه ممن أجاز عليه الخطأ في الإجتهاد لا على القول بتصويب المجتهدين الذي هو الحق والصواب عندنا ، ولا على القول الآخر بأن الحق في طرف واحد لعصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الخطإ في الإجتهاد في الشرعيات ولأن القول في تخطئة المجتهدين إنما هو بعد استقرار الشرع ونظر النبيصلى الله عليه وسلم واجتهاده إنما هو في ما لم ينزل عليه فيه شيء ولم يشرع له قبل ، هذا فيما عقد عليه النبي قلبه ؛ فاما ما لم يعقد عليه قلبه من أمور النوازل الشرعية فقد كان لا يعلم منها أوّلاً إلا ما علمه الله شيئاً شيئاً حتى استقر علم جملتها عنده صلى الله عليه وسلمإما بوحي من الله أو إذْنٍ أن يُشرِّع في ذلك ويحكُم بما أراه الله وقد كانصلى الله عليه وسلم ينتظر الوحي في كثير منها ولكنه لم يمُت صلى الله عليه وسلم حتى استفرغ علم جميعها عنده وتقررت معارفها لديه على التحقيق ورفع الشك
والريب وانتفاء الجهل ؛وبالجملة فلا يصح منه الجهل بشيء من تفاصيل الشرع الذي أُمِر صلى الله عليه وسلم بالدعوة إليه إذ لا تصح دعوته إلى ما لا يعلمه ؛ وأما ما يتعلق بعقده من ملكوت السماوات والأرض وخلق الله وتعيين أسمائه الحسنى وآياته الكبرى وأمور الآخرة وأشراط الساعة وأحوال السعداء والأشقياء وعلم ما كان وما يكون مما لم يعلمه إى بوحي فعلى ما تقدم من أنه معصوم فيه لا يأخذه فيما أعلم منه شك ولا ريب بل هو فيه على غاية اليقين لكنه لا يشترط له العلم بجميع تفاصيل ذلك وإن كان عنده من علم ذلك ما ليس عند جميع البشر لقولهصلى الله عليه وسلم : إني لا أعلم إلا ما علمني ربي ...ولقولهصلى الله عليه وسلم : ولا خطر على قلب بشر ...ولقوله تعالى : (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (السجدة : 17 ) وقول موسى عليه السلام للخضر : (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً) (الكهف : 66 ) ؛وقولهصلى الله عليه وسلم : أسألك بأسمائك الحسنى ما علمت منها وما لم أعلم ...وقولهصلى الله عليه وسلم : أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أوأنزلته في كتابك، أو علَّمته أحدا من خلقك ،أو استأثرت به في علم الغيب عندك ...وقد قال الله تعالى : (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (يوسف : 76 )
قال زيد بن أسلم وغيره حتى ينتهي العلم إلى الله ؛وهذا ما لا خفاء به إذ معلوماته تعالى لا يحاط بها ولامنتهى لها ؛ هذا حكم عقد النبي صلى الله عليه وسلم في التوحيد والشرع والمعارف والأمور الدينية...
