فصل في شطر الغبّ إن شطر الغبّ هي حمى مركبة من حمّيين : إحداهما غبّ والأخرى بلغمية .
فيكون في يوم واحد نوبة للغبّ والبلغمية معاً إما على سبيل المشابكة والتوافي وإما على سبيل المبادلة والجوار وإما على سبيل المداخلة والطروّ .
وأصعب الأقسام تعرّفاً هو الأول ثم الثاني وقد تكون الحمّيان لازمتين لأن العفونتين داخلتان وقد تكونان دائرتين يقلعان لأن العفونتين خارجتان وقد تكون الصفراوية لازمة عفونتها داخلة والبلغمية بالخلاف وقد لَكون بالعكس .
وقد يجعلون شطر الغبّ الخالصة الحمّى المركبة التي تكون من غبّ خارجة وبلغمية داخلة وما سوى هذه فيعدونه غير خالصة .
وليس ذلك مما ينبغي أن يشتغل به فضل اشتغال .
وربما كانت السابقة إلى العفونة هي الصفراوية وربما توافقا معاً وأيضاً فتارة تكون المادة الفاعلة للحمّى البلغمية أغلب وتارةً المادة الفاعلة للحمّى الصفراوية أغلب وكيف كان فإن المادة البلغمية تجعل نوائب الصفراوية أطول وأبطأ بُحراناً والمادة الصفراوية تجعل نوائب البلغمية بالضدّ وربما امتد شطر الغب مدة طويِلة إلى تسعة أشهر فما فوقها وقد يكون من شطر الغبّ مرض حاد وقد يكون شطر الغبّ من أقتل الحمّيات لأنها تؤدي إلى الدِّق وإلى أمراض مزمنة عسرة .
فصل في علامات شطر الغبّ أخصّ علاماتها وأولها وإن كان لا بدّ من قرائن أخرى هو أن تكون مدة الحمى في أحد اليومين أطول من مدة الغبّ وأسكن ثم يكون اليوم الآخر أخف نوبة وأقل أعراضاً وقد تتكرر فيها القشعريرة في أكثر الأمر مراراً لما يعرض من تصارع المادتين أو لدخول إحداهما على الأخرى وربما وقع هذا التكرير ثلاث مرات وقد تسخن أعضاء ما والقشعريرة ثابتة بعد وهذه التي هي شطر الغب فإن البدن لا ينقى منها نقاءً تاماً ويكون ابتداؤها وتزيدها شديدي الإضطراب وخصوصاً إذا كان تشابك أو كان تداخل في مثل ذلك الوقت وحينئذ يكون للقشعريرة عودات ويكون المنتهى طويلاً وكلما ظننت أن البدن قد تسخن والحمى هذه قد انتهت وجدت قشعريرة معاودة وذلك لمجاهدة الأعراض بمجاهدة الأخلاط ومنتهى هذه الحمى في الأوقات الجزئية والكلية قبل منتهى البلغمية وأسرع منه وأبطأ من منتهى المرارية لأن الحرارة لا تنبسط إلا بكد وخصوصاً في الأول وتشتد حدتها عند المنتهى وكذلك يكون الانحطاط طويلاً لما يعرض من وقفات توجبها منازعة إحدى المادتين الأخرى وقلما تفتر بالعرق .
وهذه الحمى فإن اليوم الثالث من أيامها يشبه الأول والرابع الثاني .
وقد يقع الاستدلال على شطر الغب من وجوه مختلفة فقد يقع من العادات وقد يقع من الأعراض .
والوقوع من العادات هو مثل أن يكون إنسان تكثر في بدنه الصفراء وعفونتها .
ثم ترفه وترك رياضات واستعمل أغذية وأصنافاً من التدبير تولد البلغم أو يكون الإنسان يكثر في بدنه البلغم وعفونته ثم ارتاض كثيراً ويعرض لما يولد الصفراء من أصناف التدبير أو أوجب السن فيه ذلك بأن شبّ بعد صبا وغلبة رطوبة أو اكتهل بعد شباب وحدة مزاج .
وأما من الأعراض فمن مثل النبض والبول وبروز ما يبرز من القيء والبراز وحال النضج وعلاماته وحال للعطش وحال اللمس وحال القشعريرة والنافض وأحوال الأوقات والنوائب .
فأما النبض فيكون فيه أقل عظماً وسرعة وتواترأً مما يكون في الغب وأقل في أضدادها مما يكون في البلغمية .
وأما البول فيكون بطيء النضج والقيء فيكون مختلطاً من مرار وبلغم والبراز مختلطاً من مرار وبلغم .
وأما حال التسخن والتبرد والعطش والقشعريرة والأوقات والنوائب فقد قلنا فيها وجب وإنما يتوقع الوقوف على الغالب من الخلطين بالغالب من الدلائل فإنه إن غلب البلغم كانت النوائب أطول والاقشعرار أقل والتضاغط وخصوصاً في النبض أقوى والأطراف أسرع قبولاً للبرد في أوائل المرض وأبطأ نقاء على بردها والعطش أقلّ وقيء المرار أقل والبول أشد بياضاً وفجاجةً والعرق أقل والسن أصبي أو شيخ ومزاج البدن قد يدل عليه وكذلك العادة وما يجري معها .
وإن غلبت الصفراء كانت النوائب أقصر والأطراف أسرع إلى التسخن والعطش وقيء المرار أكثر والعرق أغزر وربما مالت قشعريرته إلى شيء كالنافض ويكون البول أشد صبغاً والسن أشب ومزاج البدن قد يدل عليه وكذلك العادة وما يجري مجراها .
وإذا تساوى الخلطان توازنت الدلائل وكانت قشعريرة صرفة تامة غير ناقصة ولا متعدّية إلى النقص .
وإذا كان التركيب بين الدائرة واللازمة وهي التي يخصها كثير من الناس باسم شطر الغب الخالصة وكانت اللازمة هي البلغمية كانت نافضاً وضعفاً لأن المادة الخارجة صفراوية ولا معارض لها من جهة البلغم خارجاً معها فيما يوجب من نفض ولكنه يكون ضعف وربما تكثر فيها البرد والقشعريرة حتى يغلظ في المنتهى كما تعلم وتكثر فيها حرارة الأحشاء والبطن مع برد الأطراف ويكون النبض أشدّ صغراً وتفاوتاً فإن كانت اللازمة هي الصفراوية لم يكن نافض ولا كثير قشعريرة ويكون النبض أعظم وأسرع والكرب أشدُ وإن تركّبت الدائمتان لم يكن نافض البتّة ويعرض أغب اللازمة أن تخف قبل خفة البلغمية وإن لم تكن راجعة قبل رجوعها .
فصل في علاج شطر الغبّ الواجب في شطر الغب أن تشتد العناية باستفراغ المادة على أنحاء الاستفراغ من الاسهال والتقيئة والإدرار والتعريق أكثر من اشتدادها بالمطفئات والمسهلات يجب أن يتلوم بها النضج إلا أن يكون من جنس ما يلين ويطلق ولا تشوّش مثل ماء اللبلاب مع الجلنجبين إن كان الغالب البلغم ومثل الترنجبين والشيرخشت ونقوع التمر الهندي وشراب البنفسج إن كان الغالب الصفراء ومثل ما يركب من هذين إن كان الخلطان كالمتكافئين وبعد ظهور النضج إن استفرغ بالقوي جاز والقيء يجب أن يكون أيضاً بحسب الغالب إما بماء الفجل مع السكنجبين الحار أو السكنجبين مع الماء الحار والإدرار يجب أن يكون بما فيه اعتدال وإذا أسرع في سقي المطبوخات قبل النضج خيف السرسام .
وأما الأدوية النافعة في طريق السالك إلى المنتهى لإصلاح المادة وإنضاجها وتلافي آفاتها فمن المفردات الأفسنتين .
ولكن بعد السابع وظهور النضج بعد أن يكون الرومي الجيد منه وإن استعجلت به حرك الخلط ولم يستفرغه فأحدث كرباً وغمًا وغثياناً ثم كرّ عليه بمرارته فجفّفها ويقبضه فبلَّدَها وجالينوس ومن قبله يعالجهم بماء الشعير وفيه قوة من فلفل وقد قال بعض الأطباء الأولين أن جالينوس قد أمعن في السهو ووقف حيث يجب أن يتعجب منه ولم يدر أن الفلفل يلهب الحمى وماء الشعير يبلّد المادة وقد أخطأ هذا المعارض خطأ لا يختصّ بهذا المعنى بل بالقانون المعطى في معاضدة الطبيعة إذا انتصبت لمقاومة أمثال هذه الموادّ معاضدةً تكون بالأدوية المركبة من مبرِّدات ومسخِّنات لتميِّز الطبيعة بين القوتين فتشغل المبرّدة بالحمّى وناحية القلب والمسخنة بالمادة ومن الذي عالج شطر الغبّ بغير ذلك وإن لم تكن الطبيعة قوية على التمييز فلن ينجح العلاج كيف عمل وقد أخطأ من وجوه أخرى لا نحتاج أن نسلك في إيرادها مسلك المطوّلين .
وقد قال هذا المتعنِّت أنه كان يجب أن يستعمل الملطفات التي لا تسخين قوي فيها مثل الكرفس والشبث ولم يعلم أن الفلفل قد يمكن أن يرد بتقليله إلى أن ينكسر تسخينه ولا يقصر تلطيفه عن تلطيف الكرفس الكثير ويكون ماء الشعير عضداً له في إيصال قوته وهدم إفراطها وإنقاع الموادّ له ليسهل نفوذ قوته فيها .
ثم العجب العجيب أنه جعل جالينوس ممّن يجهل أنَّ الفلفل يلهب الحمّى ويعد معد من غفل عن هذا حين أفتى بهذا .
وأما المركبات من الأدوية التي يجب استعمالها في هذا الوقت فمثل أقراص الأفسنتين وأقراص الورد .
أقراص خفيفة جيدة لشطر الغبّ : ونسخته يؤخذ ورد أصل السوسن من كلِّ واحد أربعة ترنجبين ثلاثة سنبل عصارة الأفسنتين طباشير من كل واحد وزن درهمين يتخذ منها أقراص
أخرى للملتهب : ورد وزن ستة بزر الحمّاض صمغ من كل واحد أربعة نشا ثلاثة أمير باريس طباشير بزر الحمقاء من كل واحد إثنان كثيراء زعفران سنبل راوند من كل أقراص أخرى جيدة لصاحب هذه الحمى وخصوصاً إذا كان يشكو مع ذلك إسهالاً وسعالاً .
ونسخته : يؤخذ سنبل الطيب عود زعفران أمير باريس أو عصارته من كل واحد ثلاثة راوند وزن أربعة طباشير ورد بأقماعه لكّ صمغ مقلو كهربا من كل واحد خمسة دراهم بزر الحمّاض المقلو ستة دراهم طين رومي سبعة دراهم يتخذ منها أقراص .
نسخة أخرى جيدة : يؤخذ ورد أحمر ستة دراهم أمير باريس صمغ بزر الحماض من كل واحد أربعة دراهم سنبل غافت طباشير نشا بزر الحمقاء حب القثّاء من كل واحد وزن درهين بزر الهندبا بزر الكشوث من كل واحد درهم ونصف رب السوس درهم لك راوند من كل واحد نصف درهم يجمع ويقرض .
حب جيد : هذه لعلة ولجميع المزمنات والحمّيات المؤذية للأحشاء وخصوصاً إذا كانت المادة البلغمية أغلب .
ونسخته : يؤخذ صبر مصطكى هليلج أصفر راوند عصارة الغافت عصارة الأفسنتين ورد أجزاء سواء زعفران نصف جزء يحبّب بماء الهندبا والشربة منه وزن درهمين بالسكنجبين .
نسخة جيدة : وتصلح في وقت النضج وتسهِّل .
ونسخته : يؤخذ صبر مصطكي عصارة الغافت عصارة الأفسنتين ورد بالسوية زعفران نصف جزء يحبب بماء الهندبا والشربة فصل في النكس فنقول قولاً صادقاً أن النكس شرّ من الأصل والرأي أن لا يبادر فيه إلى المعالجة حتى يتبين قيه وجه الأمر فإنه في أكثر الأمر خبيث .
