السبت 14 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 26 سبتمبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً عدا الجمعة ٤ – ٦ مساءً

فصل في حميات الوباء وما يجانسها وهي

القانون في الطبالكتاب الرابع الأمراض التي لا تختص بعضو بعينه — الفن الأول الحميات — المقالة الثانية حميات العفونة

فصل في حميات الوباء وما يجانسها وهي حمى الجدري والحصبة كلام في حمى الوباء : قد يعرض للهواء ما علمناك في الكتاب الكلي مثل ما يعرض للماء من استحالة في كيفياته إلى حر وبرد ومن استحالة في طبيعته إلى إفساد الماء وتعفن كما يأجن الماء وينتن ويعفن وكما أن الماء لا يعفن على حال بساطته بل لما يخالطه من أجسام أرض خبيثة تمتزج به وتحدث للجملة كيفية رديئة كذلك الهواء لا يعفن على حال بساطته بل لما يخالطه من أبخرة رديئة تمتزج به وتحدث للجملة كيفية رديئة .

وربما كان ذلك لسبب رياح ساقت إلى الموضع الجيد أدخنة رديئة من مواضع نائية فيها بطائح آجنة أو أجسام متجيفة في ملاحم أو وباء قتالة لم تمفن ولم تحرق ورب كان السبب قريباً من الموضع جارياً فيه .

وربما عرضت عفونات في باطن الأرض لأسباب لا يشعر بجزئياتها فأعدت الماء والهواء والحميات الحادثة بسبب الهواء اليابس أقلّ من أمثالها الحادثة من الهواء الرطب إلا أن الصفراء تكون في الهواء اليابس فيكون ذلك سبباً أيضاً لحدوث حميات صفراوية .

وأما الوبائية فتكون من الهواء الكدر الرطب والحميات في الهواء الرطب أكثر لكنها أقلّ حدة وأطول مدة أما في الصيف اليابس القليل المطر فتكون أقلّ حدوثاً وأكثر حدة وأسرع فضلاً وأفضل الفصول ما حفظ طبعه ومبدأ جميع هذه التغيرات هيئات من هيئات الفلك توجبه إيجاباً لا نشعر نحن بوجهه وإن كان لقوم أن يدعوا فيه شيئاً غير منسوب إلى بينة بل يجب أن تعلم أن السبب الأول البعيد لذلك أشكال سمائية والقريب أحوال أرضية وإذا أوجبت القوى الفعالة السمائية والقوى المنفعلة ترطيباً شديداً للهواء يرفع أبخرة وأدخنة إليه ويبثّها فيه ويعقبها بحرارة ضعيفة وصار الهواء بهذه المنزلة حمل على القلب فأفسد مزاج الروح الذي فيه وعفن ما يحويه من رطوبة وحدثت حرارة خارجة عن الطبع وانتشرت من سبيلها في البدن فكانت حمّى وبائية وعمت خلقاً من الناس لهم أيضاً في أنفسهم خاصية استعداد إذ كان الفاعل وحده إذا حصل ولم يكن المنفعل مستعداً لم يحدث فعل وانفعال واستعداد الأبدان لما نحن فيه من الانفعال أن تكون ممتلئة أخلاطاً رديئة فإن النقية لا تكاد تنفعل من ذلك والأبدان الضعيفة أيضاً منفعلة منه مثل التي أكثرت الجماع والأبدان الواسعة السبل الرطبة الكثيرة الاستحمام .

العلامات : هذه الحمّى تكون هادية الظاهر مقربة الباطن في الأكثر مهلكة يستشعر منها حرافة واشتعال قوي ويكون معه عظم التنفس وعلوه وتواتره ويضيق كثيراً وينتن كثيراً وشدة عطش وجفوف لسان وقد تكون مع غثيان أو سقوط شهوة إن لم يقاومها بالأكل صبراً أهلكته ووجع فؤاد وعظم طحال وكرب شديد وتململ وربما كان سعال يابس وسقوط قوة وإنافة على الغشي واختلاط عقل وتمدُد ما دون الشراسيف ويكون به سهر واسترخاء بدن وفتور وربما عرض معها بثر أحمر وأشقر وربما كان سريع الظهور سريع البطون ويحدث قُلاَّع وقروح ويكون النبض في الأكثر متواتراً صغيراً ويشتدّ في الأكثر ليلاً وربما حدثت بهم حالة كالاستسقاء وربما كان سوداوياً وأكثره يكون زبدياً منتناً وفيه شيء من جنس ما يذوب ويكون بوله مائياً مربًا سوداوياً وكثيراً ما يتقيأ السوداء وأما الصفراء فأكثر ذلك ويعرقون عرقاً منتناً وهذه الحمّى تبتدىء مع الأعراض المذكورة بقوتها ويؤول الأمر إلى الغشي وبرد الأطراف وليثرغس والتشنج والكزاز وقد يكون من هذه الحميات الوبائية ما لا يشعر فيها العليل ولا الجاس الغريب بكثير حرارة ولا بتغير النبض والماء كثير تغير ومع ذلك فإنها تكون مهلكة بسرعة تدهش الأطباء في أمرها وأكثر من تنتن نفسه من هؤلاء ومن الأولين يموت فإن العفونة تكون قد استحكمت في القلب .

علامات الوباء : مما يدل على الوباء من الأشياء التي تجري مجرى الأسباب أن يكثر الرجوم والشهب في أوائل الخريف وفي أيلول فإنه منذر بالوباء الحادث إنذار السبب وإذا كثر الجنوب والصبا في الكانونين أياماً وكلما رأيت خثورة من الهواء وضبابية .

وظننت مطراً ووجدته مغبراً يابساً لا يمطر فاعلم أن مزاج الشتاء فاسد .

وأما الوباء الصيفي الخبيث الرديء فيدل عليه قلة المطر في الربيع مع برد ثم إذا رأيت الجنوب يكثر ويكدر الهواء أياماً ثم يصفو بعده أسبوعاً فما فوقه ثم يحدث برد ليل ومدّ نهار وغمة وكذلك إذا لم يكن الصيف شديد الحرارة وكان شديد الكدورة مغير الأشجار وكان سلف في الخريف شهب ونيران ونيازك فهو علامة وباء وكذلك إذا رأيت الهواء يتغير في اليوم الواحد مرات كثيرة ويصفو الهواء يوماً وتطلع الشمس صافية وتكدر يوماً آخر وتطلع في جلباب من الغبرة فاحكم بأن وباء يحدث .

وأما العلامات التي على سبيل المقارنة للسبب فمثل أن ترى الضفادع قد كثرت وترى الحشرات المتولدة من العفونة قد كثرت ومما يدل على ذلك أن ترى الفأر والحيوانات التي تسكن قعر الأرض تهرب إلى ظاهر الأرض سدرة مسمدرة وترى الحيوان الذكي الطبع مثل اللقلق ونحوه يهرب من عشه ويسافر عنه وربما ترك بيضه .

في معالجات الحمى الوبائية : جملة علاجهم التجفيف وذلك بالفصد والإسهال ويجب أن تبادر فيها إلى الاستفراغ فإن كانت المادة الغالبة دموية فصدوا وإن كانت أخلاطاً أخرى استفرغوا ويجب أن تبرّد بيوتهم وتصلح أهويتها .

أما تبريد بيوتهم فبأن يحفّ بالفواكه والرياحين الباردة وأطراف الشجر الباردة واللخالخ والنضوخات المتخذة من الفواكه الباردة الرائحة ومن الكافور وماء الورد والصندل ويرش بيته وإن كان في البيت رشاشات ونضّاخات للماء فهو أجود وأما إصلاح الهواء فسنذكره ويستعمل فيهم أقراص الكافور والربوب الباردة وماء الرائب المنزوع الزبد وماء ورد ديف فيه مصل حامض طيب والخلّ بالماء أيضاً والماء البارد الكثير دفعة نافع جداً .

وأما القليل المتتابع فربما هيّج حرارة فإن تمادى الأمر إلى أن تتمثد الشراسيف وتبرد الأطراف ويطول السهر والإختلاط وترى الصدر وما عليه يرتفع وينزل فلا بد من استعمال الدثار الجاذب للحرارة إلى خارج وإذا سقطت الشهوة أجبروا على الأكل فإن أكثر من يتشجع على ذلك ويكل قسراً يقبل ويعيش فلا بد من إجبارهم على الغذاء ويجب أن تكون أغذيتهم من الحوامض والمجففات وتكون قليلة المقدار فإن أغذيتهم تكون أيضاً رديئة فتضر كثرتها من حيث الرداءة وتضرّ أيضاً من حيث الامتلاء وأما إصلاح الهواء فقد يكون بعضه بحسب الأصحاء وبعضه بحسب الأصحاء والمرضى .

أما الذي بحسب الأصحاء فيكون الغرض فيه أن يجفف الهواء ويطيب وتمنع عفونته بأي شيء كان فيصلح العود الخام والعنبر والكندر والمسك والقسط الحلو والميعة والسندروس والحلتيت وعلك القرنفل والمصطكي وعلك البطم واللاذن والعسل والزعفران والسكّ والسرو والعرعر والأشنة والغار والسعد والأذخر والأبهل والوج والشابابك واللوز المر والأسارون وقد يتخذ من هذه مركبات ويرش البيت بالخل والحلتيت .

وأما بحسب الأصحاء وأيضاً المحمومين والمرضى فالتبخير بالصندل والكافور وقشور الرمان والآس والتفاح والسفرجل والأبنوس والساج والطرفاء والريباس ويجب أن يكرر التبخير بذلك .

في التحرز من الوباء : يجب أن يخرج عن البدن الرطوبات الفضلية ويمال تدبيره إلى التجفيف من كل وجه ومن قلة الغذاء إلا الرياضة فيجب أن لا يستعمل ولا الحمام ولا الأشربة ولا يصابر على العطش ويصلح الهواء بما ذكرناه ويمال الغذاء إلى الحموضات ويقلل منه وليكن اللحم الذي يستعمل مطبوخاً في الحموضات ويتناول من الهلام والقريص والمصوص المتخذ بالخل وغير الخلّ من السماق وماء الحصرم وماء الليمون وماء الرمان والمخللات النافعة وخصوصاً الكبر المخلل والحلتيت مما ينفعهم ويمنع عنهم العفونة ومما يخلص عنه استعمال الترياق والمثروديطوس قبله مع سائر التدبير الصواب والدواء المتخذ من الصبر والزعفران والمرّ يستعمل منه كل يوم قريباً من درهم فإنه نافع .

هذه المعلومات والوصفات للمعرفة فقط وليست وصفات علاجية، ويجب استشارة الطبيب المعالج قبل تناولها؛ فالكثير من الأعراض قد يتشابه، ولذلك يجب تشخيص الحالات المرضية بدقة.