قد خص الفك الأسفل بالحركة دون الفك الأعلى لمنافع منها : إن تحريك الأخف أحسن ومنها إن تحريك الأخلى من الاشتمال على أعضاء شريفة تنكى فيها الحركة أولى وأسلم ومنها أن الفكّ الأعلى لو كان بحيث يسهل تحريكه لم يكن مفصله ومفصل الرأس محتاطاً فيه بالإيثاق ثم حركات الفك الأسفل لم يحتج فيها إلى أن تكون فوق ثلاثة حركة فتح الفم والفغر وحركة الانطباق وحركة المضغ والسحق والفاتحة تسهل الفك وتنزله والمطبقة تشيله والساحقة تديره وتميله إلى الجانبين فبين أن حركة الإطباق يجب أن تكون بعضل نازلة من علو تشنج إلى فوق والفاغرة بالضد والساحقة بالتوريب فخلق للإطباق عضلتان تعرفان بعضلتي الصدغ وتسميان ملتفتين وقد صغر مقدارهما في الإنسان إذ العضو المتحرّك بهما في الإنسان صغير القدر مشاشيّ خفيف الوزن وإذ الحركات العارضة لهذا العضو الصادرة عن هاتين العضلتين أخفّ وأما في سائر الحيوان الفك الأسفل أعظم وأثقل مما للإنسان والتحريك بهما في أصناف النهش والقطع والكدم والقطع أعنف .
وهاتان العضلتان ليّنتان لقربهما من المبدأ الذي هو الدماغ الذي هو جرم في غاية اللين وليس بينهما وبين الدماغ الأعظم واحد فلذلك ولما يخاف من مشاكة الدماغ إياهما في الآفات إن غشي عرضت والأوجاع إن اتفقت ما يفضي بالمعروض له إلى السرسام وما يشبهه من الأسقاء دفنها الخالق سبحانه عند منشئها ومنبعها من الدماغ في عظمي الزوج ونفذها في كن شبيه بالأزج ملتئم من عظمي الزوج ومن تفاريج ثقب المنفذ المار معها الملبس حافاته عليها مسافة صالحة إلى مجاورة الزوج ليتصلب جوهرها يسيراً يسيراً ويبعد عن منبتها الأول قليلاً قليلاً وكل واحدة من هاتين العضلتين يحدث لها وتر عظيم يشتمل على حافة الفكّ الأسفل فإذا تشنج أشاله وهاتان العضلتان قد أعينتا بعضلتين سالكتين داخل الفم منحدرتين إلى الفك الأسفل في مقازتين إذ كان إصعاد الثقيل مما يوجب التدبير الاستظهار فيه بفضل قوة .
والوتر النابت من هاتين العضلتين ينشأ من وسطهما لا من طرفهما للوثاقة 0 وأما عضل الفغر وإنزال الفك فقد ينشأ ليفها من الزوائد الإبرية التي خلف الأذن فتتحد عضلة واحدة ثم تتخلص وتراَ لتزداد وثاقة ثم تتنفش كرة أخرى فتحتشي لحماً وتصير عضلة وتسمى عضلة مكررة لئلا تعرض بالامتداد لمنال الآفات ثم تلاقي معطف الفك إلى الذقن فإذا انقلصت جذبت اللحى إلى خلف فيتسفل لامحالة ولما كان الثفل الطبيعي معيناً على التسفّل كفى اثنتان .
ولم يحتج إلى معين وأما عضل المضغ فهما عضلتان من كل جانب عضلة مثلثة إذا جعل رأسها الزاوية التي من زواياها في الوجنة إمتد لها ساقان : أحدهما ينحدر إلى الفكّ الأسفل والآخر يرتقي إلى ناحية الزوج واتصلت قاعدة مستقيمة فيما بينهما وتشبثت كل زاوية بما يليها ليكون لهذه العضلة جهات مختلفة في التشتج فلا تستوي حركتها بل يكون لها أن تميل ميولا "
