هاتان العلتان مشتركتان في أن كل واحد منهما سيلان المادة من الدماغ لكن من الناس من يخصّ باسم النزلة ما نزل وحده إلى الحلق وباسم الزكام ما نزل من طريق الأنف .
ومن الناس من يسمّي جميع ذلك نزلة ويسمى بالزكام ما كان نازلاً من طريق الأنف رقيقاً وملّحاً متواتراً مانعاً للشمّ منصبّاً إلى العين وجلدة الوجه .
وبالجملة إلى مقدّمة أعضاء الوجه .
والنزلة قد تنتفض إلى الحلق والرئة وإلى المريء والمعدة فربما قرّحتها وكثيراً ما يهيج بها الشهوة الكلبية وقد تنتفض في العصب إلى أبعد الأعضاء وقد يتولّد منها الخوانيق .
وذات الرئة وذات الجنب والسلّ خاصة ولا سيما إذا كانت النزلة حارة حادة وأوجاع المعدة وإسهال وسحج إذا كانت حامضة أو مالحة وقد يتولّد منها أيضاً القولنج وخصوصاً من المخاطي الخام منها .
وسبب جميع ذلك إما حرارة مزاجية خاصة أو خارجية من شمس أو سموم أو شمّ أدوية مسخّنة كالمسك والزعفران والبصل وإما برودة مزاجية خاصة أو واردة من خارج من هواء بارد وشمال وخصوصاً إذا كشف الرأس لهما ولا سيما وقت ما يتخلخل الدماغ من حمّام أو رياضة و غضب أو فكر أو غير ذلك .
وقد يحدث من الفصد تخلخل يهيئ البدن لقبول الحر والبرد فيحدث النزلة ولا سيما بعد فصد كثير وكذلك في سوء المزاج الحار المصيب .
والبرد المزاجي إذا قوي واستحكم كما يكون في المشايخ يقال أنها لا تنضج إلا بعد أن يبلغوا الغاية في صحة المزاج وحرارته وأن الدماغ البارد إذا وصل إليه الغذاء في المشايخ وفي ضعفاء الدماغ فلم يهضم فيه ما ينفذ إليه لضعفه فضل ونزل والكائن من البرد أكثر من الكائن من الحرّ .
وأصحاب المزاج الحار أشدّ استعداداً لقبول الأسباب الخارجة الفاعلة للزكام من أصحاب الأمزجة الباردة وأصحاب الأمزجة الحارة في أنفسهم أكثر أمناً لعروض ذلك لهم من الأسباب البدنية من أصحاب الأمزجة الباردة فإن الدماغ البارد لا ينضج ما يصل إليه من الغذاء ولا يتحلّل ما يتصاعد إليه من الأبخرة بل ينكس وصول الغذاء وترتكم البخارات نكس الإنبيق لما يتصاعد إليه من القرع فيدوم عليه النوازل .
والنزلة قد تكون غليظة وقد تكون رقيقة مائية وقد تكون حارة مرة ومالحة ورديئة الطعم وقد تكون حارة لذّاعة وقد تكون باردة .
والنزلة الباردة تنضج بالحمى وأما الحارة فلا تنتفع بالحمّى والنوازل .
والأمراض النزلية تكثر عند هبوب الشمال وخصوصاً بعد الجنوب وتكثر أيضاً في الشتاء وخاصة إذا كان الصيف بعده شمالياً قليل المطر والخريف جنوبياً مطيراً .
وقد تكثر النوازل أيضاً في البلاد الجنوبية لامتلاء الرؤوس .
قال بقراط : أكثر من تصيبه النوازل لا يصيبه الطحال .
قال جالينوس : لأن أكثر من به مرض في عضو فإن أعضاءه الأخرى سليمة .
أقول : عسى ذلك لأن المتهيئ للنوازل أرقّ أخلاطاً ومن غلظت أخلاطه لم يتهيأ النوازل كثيراً والصداع إذا وافق النزلة زاد فيها بالجذب .
العلامات : علامة النزلة الحادة الحارة إن كانت زكامية حمرة الوجه والعينين ولذع السائل ورقته وحرارة ملمسه وربما عرضت معه حمى فلا ينتفع بها .
وإن كانت حلقية فحدّه ما ينزل إلى الحلق وشدة إحراقه ورقته مع التهاب يحسّ به إذا تنخع به ويدلّ عليه نفث إلى الصفرة والحمرة وقد يكون هناك سدّة أيضاً وغنّة ودغدغة حريفة .
وعلامة النزلة الباردة برد السيلان إن كان في الأنف ودغدغة في الأنف مع تمدد الجبهة وشدة السدة والغنة وربما دلّ عليها غلظ المادة .
وإن كانت إلى الحلق فبرد ما يتنخّع به وبياضه والانتفاع بحمّى إن عرضت .
المعالجات : علاج النزلة محصورة في أعراض النقصان من المادة ومقابلة السبب الفاعل وقطع السيلان أو تعديله أو تحريكه إلى جهة أخرى .
والتقدّم بمنع ما عسى أن يتولد منه مثل خشم في الأنف وقروح على المنخر أو مثل خشونة في الحلق وسعال وقروح الرئة وما يليها وورم وجميعه محتاج إلى هجر التخم وترك الامتلاء من الطعام والشراب والعطاس ضارّ في أول حدوث النزلة والزكام مانع من نضج الأخلاط الحاصلة في الدماغ التي لا تنضج إلا بالسكون ومع ذلك فإنه يجذب إليه فضول أخرى وهو بعد النضج بالغ جداً بما يستفرع من الفضل النضيج .
والمبتلي بالزكام والنزلة يجب أن لا يبيت ممتلئ البطن طعاماً فيمتلئ رأسه وأن يديم تسخين الرأس وتبعيده عن البرد ويقيه الشمال خصوصاً عقيب الجنوب فإن الجنوب يملأه ويخلخل والشمال يقبض ويعصر ويقلّ شرب ماء الثلج ولا ينام نهاراً ويعطش ويجوع ويسهر ما أمكن فهو أصل العلاج .
والإسهال وإخراج الدم يبدأ به ثم بالإسهال بعده إذا دعت الحاجة إليهما جميعاً وقلّما يستعجل إلى الفصد خصوصاً في الابتداء إلا لكثرة لا تحتمل وأولى نزلة لا يفصد فيها ما خلا عن السعال فإن كان سعال قليل النفث فلا بد من قليل فصد مخلف عدة لما لعله أن يخرج إلى تكريرات ويستعمل شراب الخشخاش الساذج إن كان سهر وإلا فبالسكران لم يكن سهر والحقنة تجذب الفضل وتليق الطريق بمثل ماء الشعير في نفوذه وإذا وجد مع النزلة نخس يندوه دلّ على أن المادة تميل إلى الجنب فليبادر وليفصد .
والتدخينات ربما أورثت حمّى وحب السعال لخشونة الصدر لا لمواد الرأس ويجب أيضاً أن يصابر العطش ويكسر بمزاج من شراب الخشخاش والماء وإن أردنا التقوية فبماء الشعير والسويق وإذا كان مع النزلة حمّى لم يستحم ومن دامت به النوازل صيفياً وشتاءً فحبّ القوقايا له من أنفع العدد وحركة الأعضاء السافلة نافعة جداً من النوازل لجذب المواد إلى أسفل ثم استعمال ما يوصف من التكميدات والتبخيرات مع مراعاة أن لا يستعمل على امتلاء والمعتاد للنزلة فإنه قد يمنع حدوث النزلة به بادره إلى رّق في الحمّام قبل حدوث النزلة ويجب على كل حال أن يديم تنكيس الرأس ويلطئ الوساد ولا يستلقي في النوم وأما لنقصان من المادة فهو باستعمال تنقية البدن أما في الحار فبالفصد والإسهال المزاج للأخلاط الحارة والحقن الجاذبة للمادة إلى أسفل .
وأما في الباردة فبالأدوية المسهّلة للخلط البلغمي من الرأس من المشروبة والمحقون بها وفي
الجملة يجب أن لا يقل الأكل والشرب من الماء ويهجره أصلاً يوماً وليلة ويزول .
وأما مقابلة السبب الفاعل .
إما الحار فأن يجتهد في تبريد الرأس بما هو مبرّد بالقوة مثل دخول الحمام العذب بكرة على الريق وصبّ الماء على الأطراف ومسح الرأس والأطراف والسرّة حلقة والمذاكير وما يليها بدهن البنفسج واستعمال النطول المتخذ من الشعير خشخاش والبنفسج والبابونج وصبّ المبرّدات القوية الفحل على الرأس والميل أغذية إلى ما خص وبرد ورطب واستعمال الجلنجبين كل يوم .
وإما البارد فأن يجتهد كما يبدأ الدغدغة والعُطاس بتسخين الرأس وتكميده خرق المسخنة إلى أن يحس بالحر يصل إلى الدماغ وحفظ الرأس على تلك
الجملة بما احتيج إلى أن يكون بالملح والجاورس وربما كمد بالمياه الحارة في غاية ما يمكن أن يحتمل من الحرارة ويستعمل فيها النطولات المنضجة المحللة وتمريخ الأطراف بالأدهان الحارة كدهن الشبث ودهن البابونج والمرزنجوش .
وأقوى من ذلك دهن السذاب ودهن البان ودهن الغار ودهن السوسن يمسح به الذكر وما يليه والحلقة والسرة والأطراف ويغسل الرأس بالصابون القسطنطيني .
وأما الدهن فما أمكنك أن لا يمسه الرأس فافعل إلا أن لا يجد بداً حين يحتاج إلى تبريد ثابت أو تسخين ثابت وليكن بجد الاستفراغ وأن يستعمل على الرأس والجبهة لطوخات من الخردل والقسط ونحوه ويغسله بمثل الصابون ونحوه وأن يميل بالأغذية إلى ما لطف وخف وسخن وجفف مع تليين منه للصدر وربما احتيج إلى استعمال الأدوية المحمرة وبحيث يقع فيها خرء الحمام مع الخردل والتين والفوتنج والثافسيا بل استعمال الكي وبالجملة فإن تسخين الرأس وتجفيفه نافع لما حدث ومانع لما يحدث ويجب في هذه النزلة أن لا يدخل الحمام قبل النضج بل يستعمل التكميدات اليابسة ومما ينفع فيه شمّ المسك وكذلك إلقام الأذن صوفة مغموسة في دهن حار مسخن .
وأما قطع السيلان فبالغراغر المجمدة الباردة مثل الغرغرة بالماء البارد وبماء الورد وماء العدس وماء الكزبرة وماء قد طبخ فيه قشور الخشخاش وماء الرمان أيضاً أما باردة للحار أو حارة للبارد ومثل تلطيخ الحلق بشراب سحق فيه مر وخصوصاً في البارد وكذلك إمساك بنادق في الفم متخذة من الأفيون والميعة والكندر والزعفران من غير بلع لمائيته ومثل الأشربة التي لها خاصية ذلك كشراب الخشخاش الساذج الحار وشراب الكرنب وشراب الخشخاش المتخذ بالسلاقة المجعول فيها المر وغيره مما يذكر في الأقراباذين للبارد ولا يجب أن يسقى شراب الخشخاش إلا في الابتداء ليمنع عن الصدر فأما إذا احتبس واحتيج إلى نفث لم يصلح هذا الشراب ومثل البخورات الحابسة يستعمل بحيث يلج في الخيشوم أو تحنكاً حابساً للبخار وهذه البخورات كالسندروس للحار والبارد جميعاً وكالشونيز للبارد بخوراً وشموماً والقسط أيضاً والشونيز المقلي إذا شمّ مصروراً في خرقة كان نافعاً .
وكذلك بخور القشر المسمّى قوقي وكذلك بخار الخمر أو العسل عن حجر الرحا المحمّي .
ومما ينفع في ذلك التبخير بالكندر والعود الخام والسندروس والقسط واللبني والعود .
وأما الطرفاء والورد فللحار وكذلك الطبرزذ والباقلا والشعير المنقع في مخيض البقر خاصة والسكر والكافور والنخالة المنقوعة في الخل يبخر بها للحارة وكذلك بخار الخل عن حجر الرحا محمى مغسولاً منظّفاً .
وأما التعديل للقوام مثل استعمال اللعوقات وأخذ الكثير وحب السفرجل في الفم ليخالط غلظها رقة ما ينزل فيغلظ بها ويلزج ولا ينزل إلى العمق ويسهل لها النفث واستعمال ما يرقّق ذلك حتى لا يؤذي بغلظه ولحوجه وإذا كانت النزلة بارعة لم يصح دخول الحمام قبل النضج وإن كانت حارة لم يكن بذلك كبير بأس بل انتفع به .
وأما تحريكه إلى جهة أخرى فمثل ما يعامل به النزلة إلى الحلق بأن يجذب إلى الأنف بالمعطسات ولجميع ما يلذع المنخرين ومثل ما يعامل به كل نزلة حارة تسيل إلى أسفل من استعمال الحجامة على النقرة .
وكذلك الإكباب على النطولات المتخذة من الرياحين الجاذبة للمادة إلى ناحية الأنف .
وأما التقدم فمثل أن يصان الحلق والرئة عن آفته وأكثره بالأغذية أما في الحارة فبتمريخ الصدر بدهن البنفسج وتناول ماء الشعير بالبنفسج المربى وماء الرمان الحلو واستعمال الأحساء المتخذة من النشا ودقيق الشعير والباقلا باللبن الحليب إن لم يكن حمى ويضر اللبن إن كان حمى واستعمال اللعوقات اللينة الباردة والأشربة الزوفائية .
وأما في البارد فمثل تمريخ الصدر بدهن البنفسج والبان واستعمال الأحساء الحارة المليّنة مثل الأطرية بالعسل وبمثل ماء نخالة الحنطة بدهن اللوز والعسل ومثل الخبز بالمبيختج واستعمال اللعوقات اللينة الحارة والأشربة الزوفائية الحارة وأيضاً الزوفا نفسه مع الاصطرك .
وشرب الماء الحار نافع في النوازل بنضجها ويدفع غائلتها من أعضاء النفس إنضاجاً لما نزل وتلييناً والنبيذ لا يوافقهم وربما اتفق أن ينفعهم هذا في الابتداء وأما بعد النضج فالمعتدل منه موافق ويجب أن يكون في تلك الحال للحار الشراب ممزوجاً والزهومات تمنع النضج في الرقيق في الابتداء .
