اعلم أن الزرقة تعرض إما بسبب في الطبقات وإما بسبب في الرطوبات .
والسبب في الرطوبات أنها إن كانت الجليدية منها كثيرة المقدار والبيضية صافية وقريبة الوضع إلى خارج ومعتدلة المقدار أو قليلته كانت العين زرقاء بسببها إن لم يكن من الطبقة منازعة وإن كانت الرطوبات كَدِرة أو الجليدية قليلة والِبيضية كثيرة أظلم إظلام الماء الغمر أو كانت الجليدية غائرة كانت العين كحلاء .
والسبب في الطبقات هو في العتبيّة فإنها إن كانت سوداء كانت العين بسببها كحلاء وإن كانت زرقاء صيرت العين زرقاء .
والعنبيّة تصير زرقاء إما لعدم النضج مثل النبات فإنه أول ما ينبت لا يكون ظاهر الصبغ بل يكون إلى البيض ثم أنها مع النضج تخضر ولهذا السبب تكون عيون الأطفال زرقاً وشهلاً وهذه زرقة تكون عن رطوبة بالغة .
وإما لتحلّل الرطوبة التي يتبعها الصبغ إذا كانت نضيجة جداً مثل النبات عندما تتحلّل رطوبته يأخذ يبيضّ وهذه والمرضى تشهل أعينهم والمشايخ لهذا السبب لأن المشايخ تكثر فيهم الرطوبة الغريبة وتتحلّل الغريزية وإما أن يكون ذلك لون وقع في الخلقة ليس لأن العنبية صار إليها بعد ما لم يكن وقد يكون لصفاء الرطوبة التي منها خلقت وقد يكون لإحدى الآفتين إذا عرضت في أول الخلقة ويعرف ذلك بجودة البصر ورداءته .
فالزرقة منها طبيعية ومنها عارضة والشهلة تحدث من اجتماع أسباب الكحل وأسباب الزرقة .
فيتركب فنها شيء بين الكحل والزرقة وهو الشهلة وإن كانت الشهلة للنارية على ما ظنه أمبادقلس لكانت العين الزرقاء مضروُرة لفقدانها النارية التي هي آلة البصر وبعض الكحل يقصر عن الزرق في الإبصار إذا لم يكن الزرق لا آفة .
والسبب فيه أن الكحل الذي يكون بسبب البيضية يمنع نفوذ أشباح الألوان بالبياض لمضادته للأشفاق ومثل الذي يكون لكدورة الرطوبة وكذلك إن كان السبب كثرة الرطوبة فإنها إذا كانت كثيرة أيضاً لم تجب إلى حركة التحديق والخروج إلى قدام إجابة يُعْتَدُّ بها .
وإذا كانت العين زرقاء بسبب قلّة الرطوبة البيضية كانت أبصر بالليل وفي الظلمة منها بالنهار لما يعرض من تحريك الضوء للمادة القليلة فتشغلها عن التبيّن فإن مثل هذه الحركة يعجز عن تبيُّن الأشياء كما يعجز عن تبيُّن ما في الظلمة بعد الضوء .
وأما الكحلاء بسبب الرطوبة فيكون بصرها بالليل أقلّ بسبب أن ذلك يحتاج إلى تحديق وتحريك للمادة إلى خارج والمادة الكثيرة تكون أعصى من المعالجات : قد جرب الاكتحال ببنج مجفف يطبخ في الماء حتى يصير كالعسل ويكتحل به أو يؤخذ إثمد أصفهاني وزن ثلاثة دراهم لؤلؤ دراهم مسك وكافور من كل واحد وزن دانق دخان سراج الزيت أو الزنبق وزن درهمين زعفران درهم يجمع الجميع بالسحق ويستعمل .
والزعفران نفسه ودهنه مما يسوّد الحدقة وكذلك عصارة عنب الثعلب أو يؤخذ من عصارد الحسك وزن درهمين ومن العفص المسحوق وزن درهم نوى الزيتون المسودّ على الشجر ودهن السمسم غير مقشّر من كل واحد وزن درهم يطبخ بنار لينة ويكتحل به .
ومما جرّب أن يحرق البندق ويخلط بزيت ويمرخ به يافوخ الصبي الأزرق العين وأيضاً يدخل الميل في حنظلة رطبة ويكتحل به حتى قيل أن ذلك يسوّد حدقة السنور جداً وكذلك قشور الجلّوز مسحوقة منخولة ويؤخذ أقاقيا جزءاً مع سدس جزء من عفص يجمع ذلك بماء شقائق النعمان وعصارته ويتخذ منه قطور كذلك عصارة البنج وعصارة قشور الرمان وكذلك الظئر إذا كانت زنجية أو حبشية وترضع الصبي فتزول الزرقة .
