السبت 14 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 26 سبتمبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً ٤ – ٦ مساءً · عدا الجمعة

فصل في آفات الذهن

القانون في الطبالكتاب الثالث الأمراض الجزئية — الفن الأول أمراض الرأس والدماغ — المقالة الرابعة أمراض الرأس

إن أصناف الضرر الواقعة في الأفعال الدماغية هي لسببين وتتعرف من وجوه ثلاثة فإنه إذا كان الحق من الإنسان سليماً وكان يتخيل أشباح الأشياء في اليقظة والنوم سليماً ثم كانت الأشياء والأحوال التي رآها في يقظته أو نومه مما يمكن أن يعبر عنها وقد زالت عنه وإذا سمعها أو شاهدها لم يبق عنده فذاك آفة في الذكر وفي مؤخر الدماغ .

فإن لم يكن في هذا آفة ولكن كان يقول ما لا ينبغي أن يقال ويستحسن ما لا ينبغي أن يُستحسَن ويرجو ما لا يجب أن يرجى ويَطلب ما لا يجب أن يُطلب ويصنع ما لا يجب أن يُصنع ويحذر ما لا ينبغي أن يُحذر وكان لا يستطيع أن يروي فيما يروي فيه من الأشياء فالآفة في الفكرة وفي الجزء الأوسط من الدماغ .

فإن كان ذكره وكلامه كما كان ولم يكن يحدث فيما يفعله ويقوله شيئاً خلاف السديد وكان يتخيل له أشياء محسوسة ويلتقط الزئبر ويرى أشخاصاً كاذبة ونيراناً ومياهاً أو غير ذلك كاذبة أو كان ضعيف التخيل لأشباح الأشياء في النوم واليقظة فالآفة في الخيال وفي البطن المقدم من الدماغ .

لأن اجتمع اثنان من ذلك أو ثلاثة فالآفة في البطنين أو الثلاثة ولأن يمرض الفكر ويقع فيه تقصير بمشاركة آفة في الذكر سبقت أولاً اسهل من أن يمرض الفكر فيتبعه مرض الذكر .

وما كان من هذا يميل إلى النقصان فهو من البرد وما كان يميل إلى التشوش والاضطراب فهو من الحر .

وزعم بعضهم أنه قد يميل إلى النقصان لنقصان جوهر الدماغ وليس هذا ببعيد وجميع ذلك فأما أن يكون سببه بدياً في الدماغ نفسه وإما من عضو آخر وقد يكون من خارج كضربة أو سقطة .

فأما المعالجات فيجب أن يعول فيها على الأصول التي ذكرت في القانون وتلتقط من ألواح أمراض أعضاء الرأس .

وفي الكتاب الثاني أدوية نافعة من جميع ذلك لتستعملها عليه وتتأمل منها ومن الأغذية ما يضرها فيجتنبها فيه .

أما اختلاط الذهن والهذيان من بين ذلك فالكائن بسبب الدماغ نفسه فهو إما مرة سوداء وإما دم حار ملتهب وإما مرة صفراء وإما مرّة حمراء إما حرّ ساذج وإما بخار حار وذلك مما تخفّ المؤنة في مثله وإما يبس لتقدم سهر أو فكر أو غير ذلك مما يجفف فيعدم الدماغ مادة روح غريزية بمثلها يمكن أن يحفظ طريقة العقل .

والكائن بسبب عضو آخر أو البدن فذلك العضو هو كالمعدة أو فمها أو المراق أو الرحم أو البدن كله كما في الحميات .

وكل ذلك إمّا لكيفية ساذجة تتأدّى إليه كما يرتفع عن الإصبع من الرجل ومن اليد إذا ورمت ومن الأعضاء الفاسدة المزاج المتورِّمة وإما من بخار حار من مرّة أو بلغم قد عفن واحتدّ .

وأسلم اختلاط العقل ما كان مع ضحك وما كان مع سكون وأردؤه ما كان مع اضطراب وضجر وإقدام .

العلامات : اعلم إن كل من به وجع شديد ولا يشكوه ولا يحسّ به فيه اختلاط .

والبول الذهبي قد يدلّ في الحميات على اختلاط العقل .

أما الكائن من السوداء فيكون مع غموم وظن شيء ومع علامات المالنخوليا التي نذكرها في بابه وإن كانت السوداء صفراوية كان معه سبعية وإقدام وإن كان السوداء دموية كان هناك طرب وضحك مع درور العروق .

وأمّا الكائن عن الصفراء فيكون مع التهاب وحرارة وضجر وسوء خلق واضطراب شديد وتخيّل نار وشرار وحرقة آماق وصفرة لون والتهاب رأس وامتداد جلد الجبهة وغؤور العينين ووثب إلى المقابلة .

والذي من الحمراء فتكون هذه الأعراض فيه أشدّ وأصعب .

ومن هذا القبيل اختلاط العقل الذي في الحميات وأكثرِ ما يكون في الوبائيات .

وأما الكائن من حرّ ويبس ساذج فلا يكون معه ثقل ولا علامات المواد المذكورة في القوانين وفي الأبواب المقدمة .

والكائن من بلغم قد عفن واحتد فيعرض لأصحابه أن يكون بهم مع الاختلاط رزانة وأن يشيلوا حواجبهم بأيديهم كل وقت وأن تثقل رؤوسهم ويسبتوا لجوهر البرد كما تختلط عقولهم لعارض الحرارة وهؤلاء لا يفارقون ما يمسكونه وربما عرض لهم أن يتوهموا أنفسهم دواب وطيور .

أو بالجملة فإن اختلاط العقل إذا عرض عن حرارة يابسة فإنه يدل عليه السهر أو عن حرارة رطبة من دم أو بلغم عفن فإنه يدل عليه السبات .

وأما الذي سببه بخار متصاعد من عضو فيعرف من حال ذلك العضو الألم إن كان عضواً أو البدن كله إن كان شاملاً كما في الحمّيات المشتملة ويعرف هل هو ساذج أو مع مادة أو بخار فعلامات جميع ذلك مذكورة في باب الصداع .

العلاجات : أما علاج المالنخوليا فسنذكره في باب المالنخوليا وأمّا علاج الاختلاط الكائن من وأما الكائن من الصفراء والحمراء فعلاجه أن يبادر ويستفرغ ويبدّل المزاج إما من البدن كله وإما من الرأس خاصة ويستعمل التدبيرات والترطيبات المذكورة في القانون ويستعمل أضمدته بعد حلق الرأس وإن اشتدّ وقوي دبّر تدبير مانيا ومما يصلح لاختلاط الذهن الحار قيروطي مبرد من دهن الورد والخلّ على اليافوخ أو دهن البنفسج واللبن إن لم يكن حمى أو دهن الورد والخشخاش مع محاذرة انعطاف البخَارات .

وإذا كان سهر فجميع الأطلية غير نافعة وربما أورثته حقن حادة فلا يستعطن فيزيد في الجذب بل اتّبع حقناً ليّنة .

وأما الكائن بسبب شركة عضو فليستعمل فيه تقوية الرأس وتبريده والجذب إلى الّخلاف وقد علم كل هذا في القوانين الماضية الكلّية والجزئية وإذا لم يكن مع الاختلاط ضعف وعلامات أورام فيجب أن يلطم صاحبه لطماً شديداً وربما وجب ضربه ليثوب إليه عقله وربما احتيج إلى أن يكوى رأسه كياً صليبياً إن لم ينفع شيء .

ومن الأشياء النافعة له أن يصبّ على الرأس منه طبيخ الأكارع والرؤوس وكثيراً ما يعافيهم الفاشرا إذا سقوا منه أياماً كما هو أو في شيء آخر من الثمار والحلاوة مما يخفيه يستسره فيه فإنه نافع .

هذه المعلومات والوصفات للمعرفة فقط وليست وصفات علاجية، ويجب استشارة الطبيب المعالج قبل تناولها؛ فالكثير من الأعراض قد يتشابه، ولذلك يجب تشخيص الحالات المرضية بدقة.