وتفصيل هذه الوجوه المعدودة حتى ينتهي إلى آخر تفصيل بحسب هذا البيان فصل في الاستدلال الكلي من أفعال الدماغ أما الدلالة المأخوذة من جنس الأفعال فإن الأفعال إذا كانت سليمة أعانت في الدلالة على سلامة الدماغ وإن كانت مؤفة دلت على آفة فيها وآفات الأفعال كما أوضحنا ثلاث هي : الضعف والتغير والتشوش ثم البطلان .
والقول الكلي في الاستدلال من الأفعال أن نقصانها وبطلانها يكون للبرد ولغلظ الروح من الرطوبة والسدّة ولا يكون من الحر إلا أن يعظم فيبلغ أن فصل في الاستدلالات المأخوذة من الأفعال النفسانية الحسّية والسياسية والحركية والأحلام من جملة السياسية .
فنقول هذه الأفعال قد تدخلها الآفة على ما عرف من بطلان أو ضعف أو تشوّش مثال ذلك : إما في الحواس فلنبدأ بالبصر : فإن البصر تدخله الآفة إما بأن يبطل وإما بأن يضعف وإما بأن يتشوّش فعله ويتغيّر عن مجراه الطبيعي فيتخيّل ما ليس له وجود من رج مثل الخيالات والبقّ والشعل والدخان .
وغير ذلك فإن هذه الآفات إذا لم تكن خاصة بالعين استدل منها على آفة في الدماغ .
وقد تدل الخيالات بألوانها ولقائل أن يقول إن الخيال الأبيض كيف يدلّ منها على البلغم الغالب وهو بارد وأنتم نسبتم التشوش إلى الحرّ فنقول ذلك بحسب المزاج لا بحسب اعتراض المواد للقوة الصحية الكاملة الحرارة الغريزية .
وأما في السمع فمثل أن يضعف فلا يسمع إلا القريب الجهير أو يتشوّش فيسمع ما ليس له وجود من خارج مثل الدوي الشبيه بخرير الماء أو بضرب المطارق أو بصوت الطبول أو بكشكشة أوراق الشجر أو حفيف الرياح أو غير ذلك .
فيستدلّ بذلك إمّا على مزاج يابس حاضر في ناحية الوسط من الدماغ أو على رياح وأبخرة محتبسة فيه أو صاعدة إليه وغير ذلك مما يدل عليه .
وإما أن يبطل أصلاً والضعف والبطلان لكثرة البرد والذي يسمع كأنه يسمع من بعيد وأما في الشم فبأن يعدم أو يضعف أو يتشوش فيحس بروائح ليس لها وجود من خارج منتنة أو غير منتنة فيدلّ في الأكثر على خلط محتبس في مقدم الدماغ يفعله إن لم يكن شيئاً خاصاً بالخيشوم .
وأما الذوق واللمس فقد يجريان هذا المجرى إلا أن تغيرهما عن المجرى الطبيعي في الأكثر يدل على فساد خاص في الإنهاء القريبة وفي الأقل على مشاركة من الدماغ خصوصاً مثل ما إذا كان عاماً كخدر جميع البدن وقد تشترك الحواس في نوع من الضعف والقوة يدل على حالة في الدماغ دائمة وهي الكدورة والصفاء .
وليس مع كل ضعف كدورة فقد يكون ضعف مع الصفاء مثل أن يكن الإنسان يبصر الشيء القريب والقليل الشعاع إبصاراً جيّداً صافياً ويرى الأشياء الصغيرة منها ثم إذا بعدت أو كثر شعاعها عجز عن إدراكها فإذن الكدورة والصفاء قد يكونان معاً في الضعف والصفاء قد يكون لا محالة مع القوة لكن الكدورة دائماً تدل على مادة والصفاء على يبوسة . وهذه الكدورة ربما استحكمت بغتة فكان منها السَدر وهو يدلّ على مادة بخارية في عروق الدماغ والشبَكة والحكم في الاستدلالات عن هذه الآفات أن ما يجري مجرى التشوش فهو في أكثر الأمر تابع لمزاج حار يابس .
وما يجري مجرى النقصان والضعف فهو في الأكثر تابع لبرد إلا أن يكون مع شدة ظهور فساد وسقوط قوّة فربما كان مع ذلك من الحرارة ولكن الحرارة ملائمة للقوى بالقياس إلى البرد .
فما لم يعظم استضرار المزاج به وفساده لم يورد في القوى نقصاناً فيجب أن لا يعوّل حينئذ على هذا الدليل بل تتوقّع الدلائل الأخرى المذكورة لكل مزاج من المزاجين والبطلان قد يدل على تكّد أسباب النقصان إن كان لسبب دماغي ولم يكن لسبب آفات في الآلات من فساد وانقطاع وسدّة وبالجملة زوال عن صلوحها للأداء أو لسبب في العضو الحسّاس نفسه ومن الأعضاء الحساسة ما هو شديد القرب من الدماغ فيقلّ أن لا تكون الآفة فيهما مشتركة مثل السمع والشم فأكثر آفاته التي لا تزول بتنقية وتعديل مزاج يكون من الدماغ .
ولذلك ما يكون سائر الحواس إذا تأذت بمحسوساتها دلّت على آفة فيها من حر أو يبس لم يبلغا أن يسقط القوة والسمع ثم الشمّ وفي الأكثر يدل على أن ذلك المزاج في الدماغ
وأما الأفعال السياسية : فإن قوة الوهم والحدس دالة على قوة مزاج الدماغ بأسره وضعفه دالّ على آفة فيه موقوفة إلى أن يتبين أيّ الأفعال الأخرى اختلّ فمنها فساد قوة الخيال والتصور وآفتها فإن هذه القوّة إذا كان قوية أعانت في الدلالة على صحة مقدم الدماغ وهذه القوة إنما تكون قوية إذا كان الإنسان قادراً على جودة تحفظ صور المحسوسات مثل الأشكال والنقوش والحلو والمذاقات والأصوات والنغم وغيرها فإن من الناس من يكون له في هذا الباب قوّة تامة حتى إن الفاضل من المهندسين ينظر في الشكل المخطوط نظرة واحدة فترتسم في نفسه صورته وحروفه ويقضي المسألة إلى آخرها مستغنياً عن معاودة النظر في الشكل .
وكذلك حال قوم بالقياس إلى النغم وحال قوم بالقياس إلى المذاقات وغير ذلك وبهذا الباب تتعلّق جودة تعرف النبض فإنه يحتاج إلى خيال قويّ ترتسم به في النفس قوى الملموسات وهذه القوة إذا عرضت لها الآفة .
أما بطلان الفعل فلا تقوى فيه صورة خيال محسوس بعد زواله عن النسبة التي تكون بينه وبين الحاسة حتى يحسّ بها وإما ضعف وإما نقصان وإما تغير عن المجرى الطبيعي بأن يتخيّل ما ليس موجوداً دل ضعفه وتعذره وبطلان فعله في الأكثر على إفراط برد أو يبس في مقدم الدماغ أو رطوبة .
والبرد هو السبب بالذات والآخران سببان بالعرض لأنهما يجلبانه .
ودل تغير فعله وتشوّشه على فضل حرارة وهذا كلّه بحسب أكثر الأمور وعلى نحو ما قيل في القوى الحساسة وقد يعرض هذا المرض لأصحاء العقل حتى تكون معرفتهم ميل والقبيح تامة وكلامهم مع الناس صحيحاً لكنهم يتخيّلون قوماً حضوراً ليسوا بموجودين خارجاً ويتخيّلون أصوات طبالين وغير ذلك كما حكى جالينوس أنه كان عرض لروطلس الطبيب ومنها فساد في قوة الفكر والتخيّل إما بطلان ويسمّى هذا : ذهاب العقل وإما ضعف ويسمى حمقاً ومبدؤهما برد مقدّم الدماغ أو يبوسته أو رطوبته وذلك في الأكثر على ما قيل وإما تغيّر وتشوّش حتى تكون فكرته في ما ليس .
ويستصوب غير الصواب ويسمّى : اختلاط العقل فيدلّ : إما على صرم وإما على مادة صفراوية حارة يابسة وهو الجنون السبعي ويكون اختلاطه مع شرارة وإما على مادة سوداوية وهو المالنخوليا ويكون اختلاطه مع سوء ظن ومع فكر بلا تحصيل .
والمائل من تلك الأخلاق إلى الجبن أدلّ على البردَ والمائل منها إلى الاجتراء والغضب أدلّ على الحر وبحسب الفروق التي بينها ونحن نوردها بعد وربما كان هذا بمشاركة عضو آخر .
ويتعرف ذلك بالدلائل الجزئية التي نصفها بعد . وبالجملة إذا تحركت الأفكار حركات كثيرة وتشوشت وتفنّنت فهناك حرارة .
وقد يقع أيضاً تشوّش الفكر في أمراض باردة المادة إذا لم تخل عن حرارة مثل اختلاط العقل في ليثرغس ومنها آفة في قوة الذكر إما بأن يضعف وإما بأن يبطل كما حكى جالينوس أن وباء حدث بناحية الحبشة كان عرض لهم بسبب جيف كثيرة بقيت بعد ملحمة بها شديدة فصار ذلك الوباء إلى بلاد يونان فعرض لهم أن وقع بسببه من النسيان ما نسي له الإنسان اسم نفسه وأبيه .
وكثر ما يعرض من الضعف في الذكر يعرض لفساد في مؤخر الدماغ من برد أو رطوبة أو يبس ويتشوّش فيقع له أنه يذكر ما لم يكن له به عهد فيدلّ على مزاج حار مع مادة أو بلا مادة .
والمادة اليابسة أولى بذلك .
كل ذلك إذا لم يفرط المزاج فتسقط القوّة ونقول قولاً مجملاً أن بطلان هذه الأفاعيل ربما يكون لغلبة البرد إما على جرم الدماغ فيكون مما يستولي على الأيام أو على تجاويفه وقد يكون لبرد مع رطوبة وربما جلبه اليبس .
وكذلك ضعفها وإما تغيرها فلورم أو مزاج صفراوي أو سوداوي أو جسم مجرد والاستدلال من أحوال الأحلام مما يليق أن يضاف إلى هذا الموضع فإن كثرة رؤية الأشياء الصفر والحارّة تدل على غلبة الصفراء وكذلك كثرة رؤية أشياء تناسب مزاجاً مزاجاً ولا يحتاج إلى تعديدها .
والأحلام المتشوشة تدل على حرارة ويبوسة ولذلك تنذر بأمراض حارة دماغية وكذلك الأحلام المفزعة والتي لا تذكر تدل على برد ورطوبة في الأكثر ورؤية الأشياء كما هي تدل على ذلك .
