السبت 14 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 26 سبتمبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً ٤ – ٦ مساءً · عدا الجمعة

الفصل الثاني تدبير الإرضاع والنقل

القانون في الطبالكتاب الأول الأمور الكلية في علم الطب — الفن الثالث الصحة والمرض وضرورة الموت — التعليم الأول التربية

أما كيفية إرضاعة وتغذيبته فيجب أن يرضع ما أمكن بلبن أمه فإنه أشبه الأغذية بجوهر ما سلف من غذائه وهو في الرحم أعني طمث أمه فإنه بعينه هو المستحيل لبناً وهو أقبل لذلك وآلف له حتى إنه قد صح بالتجربة أن لقامه حلمة أمه عظيم النفع جداً في دفع ما يؤذيه ويجب أن يُكتفى بإرضاعه في اليوم مرتين أو ثلاثاً ولا يبدأ في أول الأمر في إرضاعه بإرضاع كثير على أنه يستحب أن تكون من ترضعه في أول الأمر غير أمه حتى يعتدل مزاج أمه والأجود أن يلعق عسلاً ثم يرضع .

ويجب أن يحلب من اللبن الذي يرضع منه الصبي في أول النهار حلبتان أو ثلاثة ثم يلقم الحلمة وخصوصاً إذا كان باللبن عيب والأولى باللبن الرديء والحريف أن لا ترضعها المرضعة وهي على الريق ومع ذلك فانه من الواجب أن يلزم الطفل شيئين نافعين أيضاً لتقوية مزاجه : أحدهما : التحريك اللطيف والآخر : الموسيقى والتلحين الذي جرت به العادة لتنويم الأطفال .

وبمقدار قبوله لذلك يوقف على تهيئة للرياضة والموسيقى : أحدهما ببدنه والآخر بنفسه فإن مَنَعَ عن إرضاعة لبن والدته مانع من ضعف وفساد لبنها أو ميله إلى الرقة فينبغي أن يختار له مرضعة على الشرائط التي نصفها بعضها في سنّها وبعضها في سحنتها وبعضها في أخلاقها .

وبعضها في هيئة ثديها وبعضها في كيفية لبنها وبعضها في مقدار مدة ما بينها وبين وضعها وبعضها من جنس مولودها وإذا أصبت شرائطها فيجب أن يجاد غذاؤها فيجعل من الحنطة والخندريس ولحوم الخرفان والجداء والسمك الذي ليس بعفن اللحم ولا صلبه .

والخس غذاء محمود واللوز أيضاً والبندق .

وشرّ البقول لها الجرجير والخردل والباذروج فإنه يفسد اللبن وفي النعناع قوة من ذلك .

وأما شرائط المرضع فسنذكرها : ونبدأ بشريطة سنها فنقول : إن الأحسن أن يكون ما بين خمس وعشرين سنة إلى خمس وثلاثين سنة فإن هذا هو سن الشباب وسن الصحة والكمال .

وأما في شريطة سحنتها وتركيبها فيجب أن تكون حسنة اللون قوية العنق والصدر واسعته عضلانية صلبة اللحم متوسطة في السمن والهزال لحمانية لا شحمانية . وأما في أخلاقها فأن تكون حسنة الأخلاق محمودتها بطيئة عن الانفعالات النفسانية الرديئة من الغضب والغم والجبن وغير ذلك فإن جميع ذلك يفسد المزاج وربما أعدى بالرضاع ولهذا نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن استظئار المجنونة على أن سوء خلقها أيضاً مما يسلك بها سوء العناية بتعهّد الصبي وإقلال مداراته .

وأما في هيئة ثديها فأن يكون ثديها مكتنزاً عظيماً وليس مع عظمه بمسترخ ولا ينبغي أيضاً أن يكون فاحش العظم ويجب أن يكون معتدلاً في الصلابة واللين .

وأما في كيفية لبنها فأن يكون قوامه معتدلاً ومقداره معتدلاً ولونه إلى البياض لا كمد ولا أخضر ولا أصفر ولا أحمر ورائحته طيّبة لا ونة فيها ولا عفونة .

وطعمه إلى الحلاوة لا مرارة فيه ولا ملوحة ولا حموضة وإلى الكثرة ما هو وأجزاؤه متشابهة فحينئذ لا يكون رقيقاً سيالاً ولا غليظاً جداً جبنياً ولا مختلف الأجزاء ولا كثير الرغوة وقد يجرب قوامه بالتقطير على الظفر فإن سال فهو رقيق وإن وقف عن الإسالة من الظفر فهو ثخين .

ويجرب أيضاً في زجاجة بأن يلقي عليه شيء من المر ويحرك بالأصبع فيعرف مقدار جبنيته ومائيته فإن اللبن المحمود هو المتعادل الجبنية والمائية فإن اضطر إلى من لبنها ليس بهذه الصفة دبر فيه من وجه السقي ومن علاج المرضعة . أما من وجه السقي فما كان من الألبان غليظاً كريه الرائحة فالأصوب أن يسقى بعد حلب ويعرض للهواء وما كان شديد الحرارة فالأصوب أن لا يسقى على الريق البتة .

وأما علاج المرضع فإنها إن كانت غليظة اللبن سقيت من السكنجيين البزوري المطبوخ بالملطفات مثل الفودنج والزوفا والحاشا والصعتر الجبلي تطعمه والطرنج ونحوه ويجعل في طعامها شيء من الفجل يسير وتؤمر أن تتقيأ بسكنجبين حار وأن تتعاطى رياضة معتدلة وإن كان مزاجها حار أسقيت السكنجبين مع الشراب الرقيق مجموعين ومفردين وإن كان لبنها إلى الرقة رفهت ومنعت الرياضة وغذيت بما يولد دماً غليظاً وربما سقوها - إن لم يكن هناك مانع - شراباً حلواً أو عقيد العنب وتؤمر بزيادة النوم فإن كان لبنها قليلاً تؤمّل السبب فيه هل هو سوء مزاج حار في بدنها كله أو في ثديها ويتعرف ذلك من العلامات المذكورة في الأبواب الماضية ويلمس الثدي فإن دل الدليل على أن بها حرارة غذيت بمثل كشك الشعير والأسفاناخ وما أشبهه وإن دل الدليل على أن بها برد مزاج أو سدد أو ضعف من القوة الجاذبة زيد في غذائها اللطيف المائل إلى الحرارة وعلق عليها المحاجم تحت الثديين بلا تعنيف وينفع من ذلك بزر الجزر .

وللجزر نفسه منفعة شديدة وإن كان السبب فيه استقلالها من الغذاء غذيت بالأحساء المتخذة من الشعير والنخالة والحبوب .

ويجب أن يجعل في أحسائها وأغذيتها أصل الرازيانج وبزره والشبث والشونيز وقد قيل : إن أكل ضروع الضأن والمعز بما فيه من اللبن نافع جداً لهذا الشأن لما فيه من المشاكلة أو لخاصية فيه وقد جرب أن يؤخد وزن درهم من الأرضة أو من الخراطين المجففة في ماء الشعير أياماً متوالية ووجد ذلك غاية وكذلك سلاقة رؤوس السمك المالح في ماء الشبث ومما يغزر اللبن أن تؤخذ أوقية من سمن البقر فيصبّ فيه شيء من شرار صرف ويشرب أو يؤخذ طحين السمسم ويخلط بالشراب ويصفّى ويسقى ويضمد الثديان بثفل الناردين مع زيت ولبن أتان أو تؤخذ أوقية من جوف الباذنجان المسلوق ويمرس بالشراب مرساً ويسقى وتغلى النخالة والفجل في الشراب ويسقى أو يؤخذ بزر الشبث ثلاث أواق وبزر الحندقوقي وبزر الكراث من كل واحد أوقية وبزر الرطبة والحلبة من كل واحد أوقيتان يخلط بعصارة الرازيانج والعسل والسمن ويشرب منه .

وإذا كان اللبن بحيث يؤذي ويفسد من الكثرة لاحتقانه وتكاثقه فينقص بتقليل الغذاء وتناول ما يقل غذاؤه وبتضميد الصدر والبدن بكمّون وخل أو بطين حر وخل أو بعدس مطبوخ بخل ويشرب الماء المالح عليه . وكذلك أستعمال النعناع الكثير والاستكثار من ذلك للثدي يغزر اللبن فأما اللبن الكريه الرائحة فيعالج بسقي الشراب الريحاني ومناولة الأغذية الطيبة الرائحة وأما التدبير المأخوذ من مدة وضع المرضع فيجب أن تكون ولادتها قريبة لا ذلك القرب جداً بل ما بينها وبينه شهر ونصف أو شهران وأن تكون ولادتها لذكر وأن يكون وضعها لمدة طبيعية وأن لا تكون أسقطت ولا كانت معتادة الإسقاط .

ويجب أن تؤمر المرضع برياضة معتملة وتغذى بأغذية حسنة الكيموس ولا تجامع البتة فإن ذلك يحرك منها دم الطمث فيفسد رائحة اللبن ويقل مقداره بل ربما حبلت وكان من ذلك ضرر عظيم على الولدين جميعاً أما المرتضع فلانصراف اللطيف من اللبن إلى غذاء الجنين وأما الجنين فلقلة ما يأتيه من الغذاء لاحتياج الآخر إلى اللبن .

ويجب في كل إرضاعة وخصوصاَ في الإرضاع الأول أن يحلب شيء من اللبن ويسيل وأن يعان بالغمز لئلا تضطره شدة المصّ إلى إيلام آلات الحلق والمريء فيحجف به .

وإن ألعِق قبل الإرضاع كل مرة ملعقة من عسل فهو نافع وإن مزج بقليل شراب كان صواباً ولا ينبغي أن يرضع اللبن الكثير دفعة واحدة بل الأصوب أن يرضع قليلاً قليلاً متوالياً متوالياً فإن ارضاعه الشبع دفعة واحدة ربما ولد تمدداً ونفخة وكثرة رياح وبياض بول فإن عرض ذلك فيجب أن لا يرضع ويجوعّ شديد أو يشتغل بنومه إلى أن ينهضم ذلك وأكثر ما يرضع في الأيام الأول هو في اليوم ثلاث مرات وإن أرضعته في اليوم الأول غير أمه على ما قد ذكرنا كان أصوب وكذلك إذا عرض للمرضعة مزاج رديء أو علة مؤلمة أو إسهال كثير أو احتباس مؤذ فالأولى أن يتولى إرضاعه غيرها إلى أن تستقل وكذلك إذا أحوجت الضرورة إلى سقيها دواء له قوة وكيفية غالبة وإذا نام عقيب الرضاع لم يعنف عليه بتحريك شديد للمهد يخضخض اللبن في معدته بل يرجح برفق .

والبكاء اليسير قبل الرضاع ينفعه والمدة الطبيعية للرضاع سنتان .

واذا اشتهى الطفل غير اللبن أعطي بتدريج ولم يشدد عليه ئم إذا جعلت ثناياه تظهر إلى الغذاء الذي هو أقوى بالتدريج من غير أن يعطى شيئاً صلب الممضغ وأول ذلك خبز تمضغه المرضع ثم خبز بماء وعسل أو بشراب أو بلبن ويسقى عند ذلك قليل ماء وفي الأحيان مع يسير شراب ممزوج به ولا تدعه يتملأ فإن عرض له كظة وانتفاخ بطن وبياض بول منعته كل شيء .

وأجود تغذيته أن يؤخر إلى أن يمرخ ويحمم ثم إذا أفطم نقل إلى ما هو من جنس الأحساء .

واللحوم الخفيفة .

ويجب أن يكون الفطام بالتدريج لا دفعة واحدة ويشغل ببلاليط متخذة من خبز وسكر فإن ألح على الثدي واسترضع وبكى فيجب أن يؤخذ من المر والفوتنج من كل واحد درهم يسحق ويطلى منه على الثدي .

ونقول بالجملة : إن تدبير الطفل هو الترطيب لمشاكلة مزاجه لذلك ولحاجته إليه في تغذيته ونموه والرياضة المعتدلة الكثيرة . وهذا كالطبيعي لهم فكأن الطبيعة تتقاضاهم به ولا سيما إذا جاوزوا الطفولية إلى الصبا فإذا أخذ ينهض ويتحرك فلا ينبغي أن يمكن من الحركات العنيفة ولا يجوز أن يحمل على المشي أو القعود قبل انبعاثه إليه بالطبع فيصيب ساقيه وصلبه اَفة والوِاجب في أول ما يقعد ويزحف على الأرض أن يجعل مقعده على نطع أملس لئلا تخدشه خشونة الأرض وينحى عن وجهه الخشب والسكاكين وما أشبه ذلك ما ينخس أو يقطع ويحمى عن التزلق من مكان عال وإذا جعلت الأنياب تفطر منعوا كل صلب الممضغ لئلا تتحلل المادة التي منها تتخلّق الأنياب بالمضغ الذي يولع به وحينئذ تمرخ غمورهم بدماغ الأرنب وشحم الدجاج فإن ذلك يسهل فطورها فإذا انغلق عنها الغمور مرخت رؤوسهم وأعناقهم حينئذ بالزيت المغسول مضروباً بماء حار وقطر من الزيتَ في آذانهم فإذا صارت بحيث يمكنه أن يعض بها فإنه يُغرَى بأصابعة وعضها فيجب أن يعطى قطعة من أصل السوس الذي لم يجف بعد كثيراَ أو رُبّه فإن ذلك ينفع في ذلك الوقت وينفع من القروح والأوجاع في اللثة وكذلك يجب أن يدلك فمه بملح وعسل لئلا تصيبه هذه الأوجاع ثم إذا استحكم نباتها أيضاً أعطوا شيئاً من رب السوس أو من أصله الذي ليس بشديد الجفاف يمسكونه في الفم ويوافقهم تمريخ أعناقهم في وقت نبات الأنياب بزيت عذب أو دهن عذب وإذا أخذوا ينطقون تعهدوا بإدامة ذلك أصول أسنانهم .

هذه المعلومات والوصفات للمعرفة فقط وليست وصفات علاجية، ويجب استشارة الطبيب المعالج قبل تناولها؛ فالكثير من الأعراض قد يتشابه، ولذلك يجب تشخيص الحالات المرضية بدقة.