السبت 14 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 26 سبتمبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً ٤ – ٦ مساءً · عدا الجمعة

في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج حر المصيبة وحزنها

الطب النبويهدي النبي صلى الله عليه وسلم في الطب

قال تعالى : {وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا : إنالله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون}[البقرة: 155] . وفي ((المسند)) عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((ما من أَحَدٍ تصيبُهمصِيبَةٌ فيقولُ : إنَّا لله وإنَّا إليه رَاجِعُونَ ، اللهم أجرنِي في مُصيبَتىوأخلفْ لي خيراً منهَا ، إلا أجاَرَه الله في مصِيبَتِهِ ، وأخلفَ لهُ خَيراًمنها)).

وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب ، وأنفعه له في عاجلته وآجلته ،فأنها تتضمن أصلين عظيمين إذا تحقق العبد بمعرفتهما تسلى عن مصيبته.

أحدهما : أن العبد وأهله وماله ملك لله عز وجل حقيقة ، وقد جعله عندالعبد عارية ، فإذا أخذه منه ، فهو كالمعير يأخذ متاعه من المستعير ، وأيضا فإنهمحفوف بِعَدَمينِ : عدم قبله ، وعدم بعده ، وملك العبد له متعة معارة في زمن يسير ،وأيضا فإنه ليس الذي أوجده من عدمه، حتى يكون ملكه حقيقةً، ولا هو الذي يحفظه منالآفات بعد وجوده ، ولا يبقى عليه وجوده ، فليس له فيه تأثير ، ولا ملك حقيقي ،وأيضا فإنه متصرف فيه بالأمر تصرف العبد المأمور المنهي ، لا تصرف الملاك ، ولهذالا يباح له من التصرفات فيه إلا ما وافق أمر مالكه الحقيقي .

والثاني : أن مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق ، ولا بد أنيخلف الدنيا وراء ظهره ، ويجيء ربه فرداً كما خلقه أول مرة بلا أهل ولا مالولاعشيرة ، ولكن بالحسنات والسيئات ، فإذا كانت هذه بداية العبد وما خُوِّلهونهايته ، فكيف يفرح بموجود ، أو يأسى على مفقود ، ففكره فى مبدئه ومعاده من أعظمعلاج هذا الداء ، ومن علاجه أن يعلم علم اليقين أنَّ ما أصابه لم يكن ليُخطئه ، وماأخطأه لم يكن ليُصيبه . قال تعالى : {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى الأَرْضِوَلاَ فِى أَنْفُسِكُمْ إلاَّ فِى كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ، إنَّذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ * لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَتَفْرَحُواْ بِمَا آتَاكُمْ * وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}[الحديد : 22].

ومن علاجه أن ينظر إلى ما أُصيبَ به ، فيجد ربه قد أبقى عليه مثله ،أو أفضل منه ، وادَّخر له إن صبرَ ورضِىَ ما هو أعظمُ من فوات تِلك المصيبةِبأضعافٍ مُضاعفة ، وأنه لو شاء لجعلها أعظم مما هى .

ومن عِلاجه أن يُطفئَ نارَ مصيبته ببرد التأسِّى بأهل المصائب ،وليعلم أنه فى كل وادٍ بنو سعد ، ولينظر يَمْنةً ، فهل يرى إلا مِحنةً ؟ ثم ليعطفيَسْرةً ، فهل يرى إلا حسرةً ؟ ، وأنه لو فتَّش العالَم لم ير فيهم إلا مبتلىً ،إما بفوات محبوب ، أو حصول مكروه ، وأنَّ شرورَ الدنيا أحلامُ نوم أو كظلٍّ زائلٍ ،إن أضحكتْ قليلاً ، أبكتْ كثيراً ، وإن سَرَّتْ يوماً ، ساءتْ دهراً ، وإن مَتَّعتْقليلاً ، منعت طويلاً ، وما ملأت داراً خيرةً إلا ملأتها عَبْرة ، ولا سرَّته بيومِسرور إلا خبأتْ له يومَ شرور .

قال ابن مسعود رضى الله عنه : لكل فرحةٍ تَرْحة ، وما مُلِىءَ بيتٌفرحاً إلا مُلِىءَ تَرحاً .

وقال ابن سيرين : ما كان ضحكٌ قَطٌ إلا كان من بعده بُكاء .

وقالت هند بنت النُّعمان : لقد رأيتُنا ونحن مِن أعزِّ الناسوأشدِّهم مُلكاً ، ثم لم تَغِبِ الشمسُ حتى رأيتُنا ونحن أقلُّ الناس ، وأنه حقٌعلى الله ألا يملأ داراً خَيْرة إلا ملأها عَبرة .

وسألها رجلٌ أن تُحَدِّثه عن أمرها ، فقالت : أصبحنا ذا صباح ، ومافى العرب أحدٌ إلا يرجونا ، ثم أمسينا وما فى العرب أحد إلا يرحمُنا .

وبكت أختها حُرقَةُ بنت النُّعمان يوماً ، وهى فى عِزِّها ، فقيللها : ما يُبكيكِ ، لعل أحداً آذاك ؟ قالت : لا ، ولكن رأيتُ غَضارة فى أهلى ،وقلَّما امتلأت دارٌ سروراً إلا امتلأت حُزناً .

قال إسحاق بنُ طلحة : دخلتُ عليها يوماً ، فقلتُ لها : كيف رأيتِعبراتِ الملوك ؟ فقالت : ما نحنُ فيه اليومَ خيرٌ مما كنا فيه الأمس ، إنَّا نجِدُفى الكتب أنه ليس مِن أهل بيت يعيشون فى خيْرة إلا سيُعقَبون بعدها عَبرة ، وأنَّالدهر لم يظهر لقوم بيوم يحبونه إلا بَطَن لهم بيوم يكرهونه ، ثم قالت :

فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أَمْرُنَا إذَا نَحْنُفِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ

فَأُفٍّ لِدُنْيَا لاَ يَدُومُ نَعِيمُهَـا تَقَلَّبُ تَارَاتٍبِنَا وَتَصَرَّفُ

ومِن عِلاجها : أن يعلم أنَّ الجزع لا يردها ، بل يُضاعفها ، وهو فىالحقيقة من تزايد المرض .

ومِن عِلاجها : أن يعلم أنَّ فوت ثواب الصبر والتسليم ، وهو الصلاةُوالرحمة والهداية التى ضمِنَها الله على الصبر والاسترجاع ، أعظمُ مِن المصيبة فىالحقيقة .

ومِن عِلاجها : أن يعلم أنَّ الجَزَعَ يُشمت عدوه ، ويسوء صديقه ،ويُغضب ربه ، ويَسرُّ شيطانه ، ويُحبط أجره ، ويُضعف نفسه ، وإذا صبرَ واحتسب أنضىشيطانه ، وردَّه خاسئاً ، وأرضى ربه ، وسرَّ صديقه ، وساء عدوه ، وحمل عن إخوانه ،وعزَّاهم هو قبل أن يُعَزُّوه ، فهذا هو الثباتُ والكمال الأعظم ، لا لطمُ الخدودِ ، وشقُّ الجيوب ، والدعاءُ بالوَيْل والثُّبور ، والسخَطُ على المقدور .

ومِن عِلاجها : أن يعلم أنَّ ما يُعقبه الصبرُ والاحتساب من اللَّذةوالمسرَّة أضعافُ ما كان يحصُل له ببقاء ما أُصيبَ به لو بقى عليه ، ويكفيه من ذلكبيتُ الحمد الذى يُبنى له فى الجنَّة على حمده لربه واسترجاعه ، فلينظرْ : أىُّالمصيبتين أعظمُ ؟ مصيبةُ العاجلة ، أو مصيبةُ فواتِ بيتِ الحمد فى جنَّة الخلد؟

وفى الترمذى مرفوعاً : ((يَوَدُّ ناسٌ يَوْمَ القيامة أنَّجُلُودَهُم كانت تُقْرَضُ بالمقارِيض فى الدُّنيا لما يَرَوْنَ من ثوابِ أهلِالبلاءِ)) .

وقال بعضُ السَّلَف : لولا مصائبُ الدنيا لورَدْنا القيامة مفاليس .

ومِن عِلاجها : أن يُرَوِّح قلبه برَوْح رجاء الخَلَفِ من الله ،فإنه من كُلِّ شىء عِوَض إلا الله ، فما مِنه عِوَضٌ كما قيل :

مِنْ كُلِّ شَىْءٍ إذَا ضَيَّعْتَهُ عِوَضٌ وَمَا مِنَ اللهِ إنْضَيَّعْتَهُ عِوَضُ

ومن عِلاجها : أن يعلم أنَّ حظه من المصيبة ما تُحدثه له ، فمن رضى ، فله الرِّضى ، ومن سخِط ، فله السَّخَط ، فحظُّك منها ما أحدثته لك ، فاختر خيرَالحظوظ أو شرَّها ، فإن أحدثت له سخطاً وكفراً ، كُتِب فى ديوان الهالكين ، وإنأحدثت له جزعاً وتفريطاً فى ترك واجب ، أو فى فعل مُحَرَّم ، كُتِبَ فى ديوانالمفرِّطين ، وإن أحدثتْ له شكايةً وعدم صبرٍ ، كُتِبَ فى ديوان المغبونين ، وإنأحدثتْ له اعتراضاً على الله ، وقدحاً فى حكمته ، فقد قرع باب الزندقة أو ولَجه ،وإن أحدثت له صبراً وثباتاً لله ، كُتِبَ فى ديوان الصابرين ، وإن أحدثت له الرِّضىعن الله ، كُتِبَ فى ديوان الراضين ، وإن أحدثت له الحمدَ والشكرَ ، كُتِبَ فىديوان الشاكرين ، وكان تحتَ لواء الحمد مع الحمَّادين ، وإن أحدثت له محبةًواشتياقاً إلى لقاء ربه ، كُتِبَ فى ديوان المُحبِّين المخلصين .

وفى ((مسند الإمام أحمد)) والترمذىِّ ، من حديثِ محمود بن لبيديرفعه : ((إنَّ اللهَ إذا أحبَّ قوماً ابتلاهُم ، فمَن رَضِىَ فَلَهُ الرِّضى ،ومَن سَخِط فَلَهُ السُّخْطُ)) . زاد أحمد : ((ومَن جَزِع فَلَهُ الجَزَعُ )) .

ومِن عِلاجها : أن يعلم أنه وإن بلغ فى الجَزَع غايتَه ، فآخِرُأمره إلى صبر الاضطرار ، وهو غيرُ محمود ولا مُثاب ، قال بعض الحكماء : العاقلُيفعل فى أوَّل يوم من المصيبة ما يفعله الجاهل بعد أيام ، ومَن لم يصبْر صَبْرَالكِرَام ، سلا سُلُوَّ البهائم

وفى ((الصحيح)) مرفوعاً : ((الصَّبْرُ عند الصَّدْمَةِ الأُولى)) .

@ وقال الأشعث بن قيس : إنك إن صبرتَ إيماناً واحتساباً ، وإلاسَلَوْتَ سُلُوَّ البهائِم .

ومِن عِلاجها : أن يعلم أنَّ أنفع الأدوية له موافقةُ ربه وإلههفيما أحبَّه ورضيه له ، وأن خاصيَّة المحبة وسِرَّها موافقةُ المحبوب ، فمَن ادَّعىمحبة محبوب ، ثم سَخِطَ مَا يُحِبُّه ، وأحبَّ ما يُسخطه ، فقد شهد على نفسه بكذبه ، وتَمقَّتَ إلى محبوبه .

وقال أبو الدرداء : إنَّ الله إذا قضى قضاءً ، أحب أن يُرضَى به .

وكان عِمران بن حصين يقول فى عِلَّته : أحَبُّهُ إلىَّ أحَبُّهُإليه ، وكذلك قال أبو العالية .

وهذا دواءٌ وعِلاجٌ لا يَعمل إلا مع المُحبِّين ، ولا يُمكن كُلّأحد أن يتعالج به .

ومِن عِلاجها : أن يُوازِن بين أعظم اللَّذتين والتمتعين ،وأدْوَمِهما : لذَّةِ تمتعه بما أُصيب به ، ولَذَّةِ تمتُّعه بثواب الله له ،فإنظهر له الرجحان ، فآثر الراجِحَ ، فليحمدِ الله على توفيقه ، وإن آثر المرجوحَ مِنكل وجه ، فليعلم أنَّ مصيبتَه فى عقله وقلبه ودينه أعظمُ مِن مصيبته التى أُصيب بهافى دنياه

ومِن عِلاجها : أن يعلم أنَّ الذى ابتلاه بها أحكمُ الحاكمين ،وأرحمُ الراحمين ، وأنه سبحانه لم يُرسل إليه البلاءَ ليُهلكه به ، ولا ليُعذبه به ، ولا ليَجْتاحَه ، وإنما افتقده به ليمتحن صبره ورضاه عنه وإيمانه ، وليسمعتضرُّعه وابتهالَه ، وليراه طريحاً ببابه ، لائذاً بجنابه ، مكسورَ القلب بين يديه ، رافعاً قصصَ الشكوى إليه .

قال الشيخ عبد القادر : يا بُنَىَّ ؛ إنَّ المصيبةَ ما جاءتلِتُهلِكَكَ ، وإنَّما جاءت لتمتحِنَ صبرك وإيمانَك ، يا بُنَىَّ ؛ القَدَرُ سَبُعٌ ، والسَّبُعُ لا يأكل الميتةَ .

والمقصود : أنَّ المصيبة كِيرُ العبدِ الذى يُسبَك به حاصله ، فإماأن يخرج ذهباً أحمر ، وإما أن يخرج خَبَثاً كله ، كما قيل :

سَبَكْنَاه ونَحْسِبـــُهُ لُجَيْناً فأَبْدَى الْكِيرُ عَنْ خَبَثِالْحَدِيدِ

فإن لم ينفعه هذا الكِيرُ فى الدنيا ، فبيْنَ يديه الكِيرُ الأعظم ،فإذا علم العبد أنَّ إدخاله كِيرَ الدنيا ومَسبكَها خيرٌ له من ذلك الكِير والمسبك ، وأنه لا بد من أحد الكِيرَين ، فليعلم قدرَ نعمة الله عليه فى الكِير العاجل .

ومِن عِلاجها : أن يعلم أنه لولا مِحَنُ الدنيا ومصائبُها ، لأصابالعبدَ مِن أدْواء الكِبْرِ والعُجب والفرعنة وقسوة القلب ما هو سببُ هلاكه عاجلاًوآجلاً ، فمن رحمةِ أرحم الراحمين أن يتفقَّده فى الأحيان بأنواع من أدوية المصائب ، تكون حِمية له من هذه الأدواء ، وحِفظاً لصحة عُبوديتهِ ، واستفراغاً للموادالفاسدة الرديئة المهلكة منه ، فسبحانَ مَن يرحمُ ببلائه ، ويبتلى بنعمائه كماقيل:

قَدْ يُنْعِمُ اللهُ بِالْبَلْوَى وَإنْ عَظُمَتْ وَيَبْتَلِى اللهُبعْضَ الْقَـوْمِ بِالنِّعَمِ

فلولا أنه سبحانه يداوى عباده بأدوية المحن والابتلاء ، لطَغَوا ،وبَغَوْا ، وعَتَوْا ، واللهُ سبحانه إذا أراد بعبد خيراً سقاه دواءً من الابتلاءوالامتحان على قدر حاله يستفرِغُ به من الأدواء المهلكة ، حتى إذا هذَّبه ونقَّاهوصفَّاه ، أهَّلَه لأشرفِ مراتب الدنيا ، وهى عبوديتُه ، وأرفع ثواب الآخرة ، وهورؤيتُه وقُربه ومِن عِلاجها : أن يعلم أنَّ مرارةَ الدنيا هى بعينها حلاوةُ الآخرة ، يَقلِبُها الله سبحانه كذلك ، وحلاوة الدنيا بعينها مرارةُ الآخرة ، ولأَنْ ينتقلمِن مرارة منقطعة إلى حلاوة دائمة خيرٌ له من عكس ذلك . فإن خَفِىَ عليك هذا ،فانظر إلى قول الصادق المصدوق : ((حُفَّتِ الجَنَّةُ بالمَكَارهِ ، وحُفَّتِالنَّارُ بالشَّهَواتِ))

وفى هذا المقام تفاوتت عقولُ الخلائق ، وظهرت حقائقُ الرجال ،فأكثرُهم آثرَ الحلاوةَ المنقطعة على الحلاوة الدائمة التى لا تزول ، ولم يحتملمرارةَ ساعةٍ لِحلاوة الأبد ، ولا ذُلَّ ساعةٍ لِعزِّ الأبد ، ولا مِحنةَ ساعةٍلعافيةِ الأبد ، فإنَّ الحاضر عنده شهادةٌ ، والمنتظر غيبٌ ، والإيمان ضعيفٌ ،وسلطانُ الشهوة حاكم ، فتوَلَّد من ذلك إيثارُ العاجلة ، ورفضُ الآخرة ، وهذا حالالنظر الواقع على ظواهر الأُمور ، وأوائلها ومبادئها ، وأما النظر الثاقب الذىيَخرِق حُجُب العاجلة ، ويُجاوزه إلى العواقب والغايات ، فله شأنٌ آخرُ .

فادع نفسك إلى ما أعدَّ الله لأوليائه وأهل طاعته من النعيم المقيم ، والسعادةالأبدية ، والفوز الأكبر ، وما أعدَّ لأهل البطالة والإضاعة من الخزى والعقابوالحسرات الدائمة ، ثم اخترْ أىُّ القسمَيْن أليقُ بك ، وكُلٌ يَعْمَلُ عَلَىشَاكِلَتِهِ ، وكُلُّ أحد يصبُو إلى ما يُناسبه ، وما هو الأَوْلَى به ، ولاتستطِلْ هذا العلاج ، فشدةُ الحاجة إليه من الطبيب والعليل دعت إلى بسطه ، وباللهالتوفيق.

فى هَدْيه صلى الله عليه وسلم فى علاج الكرب والهم والغم والحزن

أخرجا فى ((الصحيحين)) من حديث ابن عباس ، أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكَرْب : ((لا إلهَ إلا اللهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ ، لا إلهَ إلا اللهُ ربُّ العرشِ العَظِيمُ ، لا إلهَ إلا اللهُ رَبُّ السَّمَواتِ السَّبْع ، ورَبُّ الأرْض

رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمُ)) .

وفى ((جامع الترمذىِّ)) عن أنس ، أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، ((كان إذا حَزَبَهُ أمرٌ ، قال : ((يا حَىُّ يا قَيُّومُ برحمتِكَ أستغيثُ)) .

وفيه عن أبى هُريرة : ((أنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم ، كان إذا أهمَّهُ الأَمْرُ ، رفع طرفه إلى السماء فقال : ((سُبْحَانَ الله العظيمِ)) ، وإذا اجتهد فى الدعاء قال : ((يا حَىُّ يا قَيُّومُ)) .

وفى ((سنن أبى داود)) ، عن أبى بكر الصِّدِّيق ، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((دَعَواتُ المكروبِ : اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أرجُو ، فَلا تَكِلْنِى إلى نَفْسى طَرْفَةَ عَيْنٍ ، وأصْلِحْ لى شَأنى كُلَّهُ ، لا إله إلا أنْتَ)) .

وفيها أيضاً عن أسماء بنت عُمَيس قالت : قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ألا أُعلِّمُكِ كلماتٍ تقوليهِنَّ عِنْدَ الكَرْبِ أو فى الكَرْبِ:

((اللهُ رَبِّى لا أُشْرِكُ به شيئاً)) .

وفى رواية أنها تُقال سبعَ مرات .

وفى ((مسند الإمام أحمد)) عن ابن مسعود ، عن النبىِّ صلى الله عليه وسلم قال : ((ما أصابَ عبداً هَمٌ ولا حُزْنٌ فقال : اللَّهُمَّ إنِّى عَبْدُكَ ، ابنُ عَبْدِكَ ، ابنُ أمتِكَ ، ناصِيَتى بيَدِكَ ، مَاضٍ فِىَّ حُكْمُكَ ، عَدْلٌْ فىَّ قضاؤكَ ، اسألُكَ بكل اسْمٍ هُوَ لكَ سَمَّيْتَ به نَفْسَكَ ، أو أنزلْتَه فِى كِتَابِكَ ، أو عَلَّمْتَهُ أحداً من خَلْقِك ، أو استأثَرْتَ به فى عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ : أن تَجْعَل القُرْآنَ العظيم رَبيعَ قَلْبِى ، ونُورَ صَدْرى ، وجِلاءَ حُزنى ، وذَهَابَ هَمِّى ، إلا أذْهَبَ اللهُ حُزْنَه وهَمَّهُ ، وأبْدَلَهُ مكانَهُ فرحاً)) .

وفى ((الترمذىِّ)) عن سعد بن أبى وَقَّاص ، قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ((دعوةُ ذى النُّون إذْ دَعَا رَبَّهُ وهو فى بَطْنِ الحُوتِ : {لاَ إلهَ إلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إنِّى كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ، لَمْ يَدْعُ بها رجلٌ مسلمٌ فى شىءٍ قَطُّ إلا اسْتُجِيبَ له)) .

وفى رواية : ((إنِّى لأعلمُ كِلْمَةً لا يقولُهَا مكْروبٌ إلا فرَّج الله عنه : كَلِمَةَ أخى يُونُس)) .

وفى ((سنن أبى داود)) عن أبى سعيد الخدرى ، قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم المسجد ، فإذا هو برجل من الأنصار يُقالُ له : أبو أُمَامة ، فقال : ((يا أبا أُمامة ؛ ما لى أرَاكَ فى المسجدِ فى غَيْرِ وَقْتِ الصَّلاةِ)) ؟ فقال : هُمومٌ لَزِمَتْنى ، وديونٌ يا رسولَ الله ، فقال : ((ألا أُعَلِّمُكَ كلاماً إذا أنت قُلْتَهُ أذهبَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ هَمَّكَ وقَضَى دَيْنَكَ)) ؟ قال : قلتُ : بلى يا رسول الله، قال : ((قُلْ إذا أصْبَحْتَ وَإذَا أمْسَيْتَ : اللَّهُمَّ إنِّى أعُوذُ بِكَ من الهَمِّ والحَزَنِ ، وأعوذُ بِكَ من العَجْزِ والكَسَلِ ، وأعوذُ بِكَ من الجُبْنِ والبُخْلِ ، وأعُوذُ بِكَ من غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَال)) ، قال : ففعلتُ ذلك ، فأذهب الله عَزَّ وجَلَّ هَمِّى ، وقَضى عنى دَيْنِى .

وفى ((سنن أبى داود)) ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((مَن لَزِمَ الاستغفارَ ، جَعَلَ اللهُ لَهُ من كلِّ هَمٍّ فَرَجاً ، ومِن كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً ، ورزَقَهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِب))

وفى ((المسند)) : أنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم كان إذا حَزَبَه أمرٌ ، فَزِعَ إلى الصَّلاة ، وقد قال تعالى : {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالْصَّلاَة}

وفى ((السنن)) : ((عَلَيْكُم بالجِهَادِ ، فإنَّه بابٌ مِن أبوابِ الجَنَّةِ ، يدفعُ اللهُ به عن النُّفُوسِ الهَمَّ والغَمَّ)) .

ويُذكر عن ابن عباس ، عن النبىِّ صلى الله عليه وسلم : ((مَن كَثُرَتْ هُمُومُهُ وغُمُومُهُ ، فَلْيُكْثِرْ مِنْ قَوْلِ : لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاَّ باللهِ)) .

وثبت فى ((الصحيحين)) : أنها كَنزٌ من كنوز الجَنَّة .

وفى ((الترمذى)) : أنها بابٌ من أبواب الجَنَّة .

هذه الأدوية تتضمَّن خمسةَ عشرَ نوعاً من الدواء ، فإن لم تقو على إذهاب داءِ الهَمِّ والغَمِّ والحزن ، فهو داءٌ قد استحكم ، وتمكنت أسبابه ، ويحتاج إلى استفراغ كُلِّى ..

الأول : توحيد الرُّبوبية .

الثانى : توحيد الإلهية .

الثالث : التوحيد العلمى الاعتقادى .

الرابع : تنزيه الرَّب تعالى عن أن يظلم عبده ، أو يأخذه بلا سبب من العبد يُوجب ذلك .

الخامس : اعتراف العبد بأنه هو الظالم .

السادس : التوسُّل إلى الرَّب تعالى بأحبِّ الأشياء ، وهو أسماؤه وصفاته ، ومن أجمعها لمعانى الأسماء والصفات : الحىُّ القَيُّوم .

السابع : الاستعانة به وحده .

الثامن : إقرار العبد له بالرجاء .

التاسع : تحقيقُ التوكلِ عليه ، والتفويضِ إليه ، والاعترافُ له بأنَّ ناصيتَه فى يده ، يُصرِّفُه كيف يشاء ، وأنه ماضٍ فيه حُكمُه ، عدلٌ فيه قضاؤه .

العاشر : أن يَرتَعَ قلبُه فى رياض القرآن ، ويجعلَه لقلبه كالربيع للحيوان ، وأن يَسْتَضِىءَ به فى ظُلُماتِ الشُّبهات والشَّهوات ، وأن يَتسلَّى به عن كل فائت ، ويَتعزَّى به عن كل مصيبة ، ويَستشفِىَ به من أدواء صدره ، فيكونُ جِلاءَ حُزْنِه ، وشفاءَ همِّه وغَمِّه .

الحادى عشر : الاستغفار .

الثانى عشر : التوبة .

الثالث عشر : الجهاد .

الرابع عشر : الصلاة .

الخامس عشر : البراءة من الحَوْل والقُوَّة وتفويضُهما إلى مَن هُما بيدِه .

هذه المعلومات والوصفات للمعرفة فقط وليست وصفات علاجية، ويجب استشارة الطبيب المعالج قبل تناولها؛ فالكثير من الأعراض قد يتشابه، ولذلك يجب تشخيص الحالات المرضية بدقة.