السبت 14 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 26 سبتمبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً ٤ – ٦ مساءً · عدا الجمعة

في هَدْيه صلى الله عليه وسلم في التحرز من الأدواء المعدية بطبعها، وإرشاده الأصحاءَ إلى مجانبة أهلها

الطب النبويهدي النبي صلى الله عليه وسلم في الطب

ثبت فى ((صحيح مسلم)) من حديث جابر بن عبد الله، أنه كان فى وَفْدثَقِيف رجلٌ مجذومٌ، فأرسل إليه النبىُّ صلى الله عليه وسلم: (( ارْجِعْ فَقَدْبايَعْنَاكَ)).

وروى البخارى فى ((صحيحه)) تعليقاً مِن حديث أبى هريرة، عن النبىِّصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَالأسَدِ)).

وفى ((سنن ابن ماجه)) من حديث ابن عباس، أنَّ النبىَّ صلى الله عليهوسلم قال: ((لا تُدِيمُوا النَّظَرَ إلى الْمَجْذُومِين)).

وفى ((الصحيحين)) من حديث أبى هُريرة، قال: قال رسولُ الله صلى اللهعليه وسلم: ((لا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ)).

ويُذكر عنه صلى الله عليه وسلم: ((كَلِّمْ الْمَجْذُومَ، وَبَيْنَكوَبَيْنَهُ قِيدُ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ)).

الجُذَام: عِلَّة رديئة تحدثُ من انتشار المِرَّةِ السَّوداء فىالبدن كُلِّه، فيفسُد مِزاجُ الأعضاء وهيئتُها وشكلُها، ورُبما فسد فى آخرهاتصالُها حتى تتأكَّلَ الأعضاء وتسقط، ويُسمى داءَ الأسد.

وفى هذه التسمية ثلاثةُ أقوال للأطباء؛ أحدها: أنها لِكثرة ما تعترىالأسد. والثانى: لأنَّ هذه العِلَّة تُجهِّم وجهَ صاحبها وتجعلُه فى سُحنةَ الأسد.والثالث: أنه يفترِسُ مَن يقرُبه، أو يدنو منه بدائه افتراسَ الأسد.

وهذه العِلَّة عند الأطباء من العلل المُعدية المتوارثة، ومقارِبُالمجذوم، وصاحبِ السِّل يَسْقَمُ برائحته، فالنبىُّ صلى الله عليه وسلم لكمال شفقتهعلى الأُمة، ونُصحه لهم نهاهم عن الأسباب التى تُعرِّضهم لوصول العيب والفساد إلىأجسامهم وقلوبهم، ولا ريب أنه قد يكون فى البدن تهيُّؤ واستعداد كامن لقبول هذاالداء، وقد تكون الطبيعةُ سريعة الانفعال قابلةً للاكتساب من أبدان مَن تُجاوِرُهوتُخالطه، فإنها نقَّالة، وقد يكون خوفُها من ذلك ووهمهُا مِن أكبر أسباب إصابة تلكالعِلَّة لها، فإنَّ الوهم فعَّال مستَوْلٍ على القُوَى والطبائع، وقد تَصِلُ رائحةالعليل إلى الصحيح فتُسقمه، وهذا معايَن فى بعض الأمراض، والرائحةُ أحدُ أسبابالعدوى، ومع هذا كله فلا بد من وجود استعدادِ البدن وقبوله لذلك الداء، وقد تزوَّجالنبىُّ صلى الله عليه وسلم امرأةً، فلما أراد الدخولَ بها، وجَد بكَشْحها بياضاً،فقال: ((الْحَقِى بأهْلِكِ)).

وقد ظنَّ طائفة مِن الناس أنَّ هذه الأحاديث معارَضةٌ بأحاديثَأُخَر تُبطلها وتُناقضها، فمنها: ما رواه الترمذى، من حديث عبد الله بن عمر (انرسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيَدِ رجُلٍ مجذومٍ، فأدخلها معه فى القَصْعَةِ،وقال: ((كُلْ باسم الله، ثِقَةً بالله، وتوكُّلاً عليه))، ورواه ابن ماجه.

وبما ثبت فى ((الصحيح))، عن أبى هُريرة، عن النبىِّ صلى الله عليهوسلم أنه قال: ((لا عَدوَى ولا طِّيَرَة)).

ونحن نقول: لا تعارُض بحمد الله بين أحاديثه الصحيحة. فإذا وقعالتعارضُ، فإما أن يكون أحدُ الحديثين ليس مِن كلامه صلى الله عليه وسلم وقد غَلِطَفيه بعضُ الرواة مع كونه ثقةً ثَبتاً، فالثقةُ يَغْلَطُ، أو يكونُ أحدُ الحديثينناسخاً للآخر إذا كان مما يَقْبَلُ النسخ، أو يكونُ التعارضُ فى فهم السامع، لا فىفى نفس كلامه صلى الله عليه وسلم، فلا بُدَّ مِن وجه من هذه الوجوه الثلاثة. وأماحديثان صحيحان صريحان متناقضان مِن كل وجه، ليس أحدُهما ناسخاً للآخر، فهذا لايُوجد أصلاً، ومعاذَ اللهِ أن يُوجَدَ فى كلام الصادق المصدوق الذى لا يخرج من بينشفتيه إلا الحقُّ، والآفةُ مِن التقصير فى معرفة المنقول، والتمييز بين صحيحهومعلوله، أو من القُصور فى فهم مُراده صلى الله عليه وسلم، وحمل كلامه على غير ماعناه به، أو منهما معاً. ومن ههنا وقع من الاختلاف والفساد ما وقع.. وباللهالتوفيق.

قال ابن قتيبة فى كتاب ((اختلاف الحديث)) له حكايةً عن أعداء الحديثوأهله: قالوا : حديثان متناقضان رويتُم عن النبىِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((لا عَدوَى ولا طِّيَرَة)) . وقيل له : إنَّ النُّقْبَةَ تقع بمِشْفَرِ البَعيرِ ،فيجرَبُ لذلك الإبلُ ،

قال : ((فما أعدَى الأولَ)) ؟ ، ثم رويتُم : ((لا يُوردُ ذو عاهةعلى مُصِحٍّ)) و((وفِرَّ من المجذومِ فِرارَك من الأسَدِ)) ، وأتاه رجل مجذومليُبايَعه بَيْعة الإسلام ، فأرسل إليه البَيْعةَ ، وأمَره بالانصراف ، ولم يأذن له ، وقال : ((الشُّؤمُ فى المرأة والدارِ والدَّابةِ)) .. قالوا : وهذا كُلُّهمختلِفٌ لا يُشبه بعضُه بعضاً .

قال أبو محمد : ونحن نقول : إنه ليس فى هذا اختلافٌ ، ولكل معنىمنها وقتٌ وموضع ، فإذا وُضِع موضعَه زال الاختلاف

والعدوى جنسان ؛ أحدهما : عدوى الجُذام ، فإنَّ المجذوم تشتدُّرائحتُه حتى يُسْقِمُ مَن أطال مجالسته ومحادثته ، وكذلك المرأةُ تكونُ تحتَالمجذوم ، فتُضاجِعُه فى شِعارَ واحد ، فيُوصِل إليها الأذى ، وربما جُذِمَتْ ،وكذلك ولدُه يَنزِعُون فى الكِبر إليه ، وكذلك مَن كان به سِلٌ ودِقٌ ونُقْبٌ .والأطباء تأمر ألا يُجالَس المسلول ولا المجذُوم ، ولا يُريدون بذلك معنى العدوى ،وإنما يُريدون به معنى تغيُّرِ الرائحة ، وأنها قد تُسْقِمْ مَن أطال اشتمامَها ،والأطباء أبعدُ الناس عن الإيمان بيُمن وشُؤم ، وكذلك النُّقْبةُ تكون بالبعير وهوجَرَبٌ رَطبٌ فإذا خالط الإبلَ أو حاكَّها ، وأوَى فى مَباركها ، وصل إليها بالماءالذى يَسيل منه، وبالنَّطف نحو ما به ، فهذا هو المعنى الذى قال فيه النبىُّ صلىالله عليه وسلم : ((لا يُورَدُ ذو عاهة على مُصِح)) ، كَرِهَ أن يُخالط المَعْيُوهالصحيحَ ، لئلا ينالَه مِن نَطَفه وحِكَّته نحو مما به .

قال : وأما الجنسُ الآخرُ من العدوى ، فهو الطاعونُ ينزلُ ببلد ،فيخرُج منه خوفَ العدوى ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ((إذا وقَعَ بِبَلَدٍوأنْتُم به ، فلا تَخْرُجُوا مِنْه ، وإذا كان بِبَلَدٍ ، فلا تَدْخُلُوه)) . يريدبقوله : لا تَخْرُجُوا مِن البلد إذا كان فيه كأنكم تظنون أنَّ الفِرارَ مِن قَدَرالله يُنجيكم من الله ، ويُريد بقوله :

((وإذا كان ببلد فلا تدخلوه)) ، أى : مُقامُكم فى الموضع الذى لاطاعون فيه أسْكنُ لقلوبكم ، وأطيبُ لعيشكم ، ومن ذلك المرأةُ تُعرف بالشؤم أوالدارُ ، فينال الرجلَ مكروةٌ أو جائحةٌ ، فيقول : أعدتْنى بشؤمها ، فهذا هو العدوىالذى قال فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ((لا عَدْوَى)) .

وقالت فِرْقة أُخرى : بل الأمرُ باجتنابِ المجذوم والفِرار منه علىالاستحباب ، والاختيار ، والإرشاد . وأما الأكل معه ، ففَعلُه لبيانِ الجواز ،وأنَّ هذا ليس بحرام .

وقالت فِرْقة أُخرى : بل الخطابُ بهذين الخطابين جزئى لا كلى .فكلُّ واحد خاطبه النبىُّ صلى الله عليه وسلم بما يليق بحاله ، فبعضُ الناس يكونقوىَّ الإيمان ، قوىَّ التوكل تدفع قوةُ توكله قُوَّةَ العدوى ، كما تدفع قوةُالطبيعة قوةَ العِلَّة فتُبطلها ، وبعضُ الناس لا يَقوى على ذلك ، فخاطبه بالاحتياطوالأخذ بالتحفظ ، وكذلك هو صلى الله عليه وسلم فَعل الحالتين معاً ، لتقتدى بهالأُمة فيهما ، فيأخذ مَن قَوى من أُمته بطريقة التوكل والقُوَّة والثقة بالله ،ويأخذ مَن ضَعف منهم بطريقة التحفظ والاحتياط ، وهما طريقان صحيحان . أحدهما :للمؤمن القوى ، والآخر : للمؤمن الضعيف ، فتكون لكل واحد من الطائفتين حُجَّةٌوقُدوةٌ بحسب حالهم وما يناسبهم ، وهذا كما أنه صلى الله عليه وسلم كَوى ، وأثنَىعلى تارِك الكىِّ ، وقرن تركَه بالتوكل ، وتَرَكَ الطِّيرة ، ولهذا نظائرُ كثيرة ،وهذه طريقة لطيفةٌ حسنة جداً مَن أعطاها حقَّها ، ورُزِق فقْه نَفْسه فيها ، أزالتعنه تعارضاً كثيراً يظنه بالسُّـنَّةِ الصحيحة .

وذهبت فِرقة أُخرى إلى أنَّ الأمر بالفِرار منه ، ومجانبتِه لأمرطبيعى ، وهو انتقالُ الداء منه بواسطة الملامسة والمخالطة والرائحة إلى الصحيح ،وهذا يكون مع تكرير المخالطة والملامسة له ، وأما أكلُه معه مقداراً يسيراً منالزمان لمصلحة راجحة ، فلا بأس به ، ولا تحصُل العدوى مِن مرَّةٍ واحدة ولحظة واحدة ، فنَهى سداً للذريعة ، وحِمايةً للصحة ، وخالطه مخالطةً ما للحاجة والمصلحة ، فلاتعارُضَ بين الأمرين .

وقالت طائفة أُخرى : يجوز أن يكونَ هذا المجذومُ الذى أكل معه به منالجُذام أمرٌ يسير لا يُعدى مثله ، وليس الْجَذْمَى كُلُّهم سواءً ، ولا العدوىحاصلة من جميعهم ، بل منهم مَن لا تضرُّ مخالطته ، ولا تُعدى ، وهو مَن أصابه منذلك شىء يسير ، ثم وقف واستمر على حاله ، ولم يُعْدِ بقيةَ جسمه ، فهو أن لا يعدِىَغيره أولى وأحرى .

وقالت فِرقة أُخرى : إنَّ الجاهلية كانت تعتقد أنَّ الأمراض المعديةتُعدى بطبعها من غير إضافة إلى الله سبحانه ، فأبطل النبىُّ صلى الله عليه وسلماعتقادَهم ذلك ، وأكل مع المجذوم ليُبَيِّنَ لهم أنَّ الله سبحانه هو الذى يُمرضويَشفى ، ونهى عن القُرب منه ليتبينَ لهم أنَّ هذا من الأسباب التى جعلها اللهمُفضية إلى مسبباتها ، ففى نهيه إثباتُ الأسباب ، وفى فعله بيان أنها لا تستقِلُّبشىء ، بل الربُّ سبحانه إن شاء سلبها قواها ، فلا تؤثر شيئاً ، وإن شاء أبقى عليهاقُواها فأثَّرت .

وقالت فِرقة أُخرى : بل هذه الأحاديث فيها الناسخ والمنسوخ ، فيُنظرفى تاريخها ، فإن عُلِمَ المتأخر منها ، حُكِمَ بأنه الناسخ ، وإلا توقفنا فيها .

وقالت فِرقة أُخرى : بل بعضُها محفوظ ، وبعضها غيرُ محفوظ ، وتكلمتفى حديث : ((لا عَدّوَى)) ، وقالت : قد كان أبو هريرة يرويه أوَّلاً ، ثم شكَّ فيهفتركه ، وراجعوه فيه ، وقالوا : سمعناك تُحدِّث به ، فأبى أن يُحدِّث به .

قال أبو سلمة : فلا أدرى ، أنسىَ أبو هريرة ، أم نَسخَ أحدُالحديثين الآخَر ؟

وأما حديثُ جابر : أنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم أخذ بيدِ مجذوم ، فأدخلها معه فى القصعة، فحديثٌ لا يثبت ولا يَصِحُّ ، وغاية ما قال فيه الترمذى :إنه غريب ، لم يُصَحِّحْه ولم يُحَسِّنه . وقد قال شعبة وغيرُه : اتقوا هذهالغرائبَ . قال الترمذى: ويُروى هذا من فعل عمر ، وهو أثبت ، فهذا شأنُ هذينالحديثين اللَّذين عُورض بهما أحاديثُ النهى ، أحدهما : رجع أبو هريرة عن التحديثبه وأنكره ، والثانى : لا يَصِحُّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله أعلم ،وقد أشبعنا الكلام فى هذه المسألة فى كتاب ((المفتاح)) ، بأطولَ من هذا .. وباللهالتوفيق.

هذه المعلومات والوصفات للمعرفة فقط وليست وصفات علاجية، ويجب استشارة الطبيب المعالج قبل تناولها؛ فالكثير من الأعراض قد يتشابه، ولذلك يجب تشخيص الحالات المرضية بدقة.