السبت 14 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 26 سبتمبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً ٤ – ٦ مساءً · عدا الجمعة

في هَدْيه صلى الله عليه وسلم في علاج الرَّمدِ بالسكون، والدَّعةِ، وترْكِ الحركةِ، والحِميةِ مما يَهيج الرَّمد

الطب النبويهدي النبي صلى الله عليه وسلم في الطب

وقد تقدَّم أنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم حَمَى صُهَيْباً منالتَّمْر، وأنكر عليه أكْلَه، وهو أرمدُ، وَحَمَى علياً من الرُّطَبِ لـمَّا أصابهالرَّمدُ.

وذكر أبو نُعَيْم فى كتاب ((الطب النبوى)): أنه صلى الله عليه وسلم ((كان إذا رَمِدَتْ عينُ امرأةٍ من نسائه لم يأتِهَا حَتَّى تَبرَأَ عينُها)).

الرَّمدُ: ورمٌ حار يَعرِضُ فى الطبقة الملتحمة من العَيْن، وهوبياضُها الظاهر، وسببُه انصبابُ أحد الأخلاط الأربعة، أو ريحٌ حارة تكثُر كميتها فىالرأس والبدن، فينبعِثُ منها قِسطٌ إلى جَوْهر العَيْن، أو ضربةٌ تُصيب العَيْن،فتُرسل الطبيعةُ إليها مِن الدَّم والروح مقداراً كثيراً، تَرُومُ بذلك شفاءَها مماعَرَضَ لها، ولأجل ذلك يَرِمُ العضو المضروب، والقياسُ يوجب ضده.

واعلم أنه كما يرتفعُ من الأرض إلى الجو بُخاران، أحدهما: حار يابس،والأخرُ: حارٌ رَطب، فينعقدان سحاباً متراكماً، ويمنعان أبصارَنا مِن إدراك السماء،فكذلك يرتفعُ من قعر المَعِدَة إلى منتهاها مِثلُ ذلك، فيمنعانِ النظرَ، ويتولَّدعنهما عِلَلٌ شَتَّى، فإن قويت الطبيعةُ على ذلك ودفعته إلى الخياشيم، أحدثالزُّكامَ، وإن دفعته إلى اللَّهاة والمَنْخِرَين، أحدث الخُناقَ، وإن دفعتْه إلىالجَنْبِ، أحدث الشَّوْصةَ، وإن دفعتْه إلى الصدر، أحدث النَّزلةَ، وإن انحدر إلىالقلب، أحدث الخَبْطَةَ، وإن دفعته إلى العَيْن، أحدث رمداً، وإن انحدر إلى الجوف،أحدث السَّيَلانَ، وإن دفعته إلى منازل الدِّماغ، أحدث النِّسيانَ، وإن ترطبتأوعيةُ الدماغ منه وامتلأت به عروقُه، أحدث النومَ الشديد، ولذلك كان النوم رَطباً،والسهرُ يابساً. وإن طلب البخارُ النفوذَ من الرأس، فلم يقدِِرْ عليه، أعقبهالصُّداع والسهر، وإن مال البخار إلى أحد شِقَّى الرأس، أعقبه الشقيقة، وإن ملكقِمَّةَ الرأس ووسَطَ الهامة، أعقبه داءُ البَيْضة، وإن برد منه حِجابُ الدماغ أوسخن أو ترطَّب وهاجتْ منه أرياحٌ، أحدث العُطاسَ، وإن أهاج الرطوبة البلغمية فيهحتى غلب الحار الغريزى، أحدث الإغماءَ والسُّكاتَ، وإن أهاج المِرَّةَ السوداءَ حتىأظلم هواءُ الدماغ، أحدث الوسواس، وإن فاض ذلك إلى مجارى العَصَب، أحدث الصَّرْعالطبيعىَّ، وإن ترطبت مجامعُ عصب الرأس وفاض ذلك فى مجاريه، أعقبه الفالِج، وإن كانالبُخار من مِرَّةٍ صفراءَ ملتهبة محمية للدماغ، أحدث البِرْسامَ، فإن شَرَكهالصدرُ فى ذلك، كان سرساماً، فافهم هذا الفصلَ.

والمقصودُ: أنَّ أخلاط البدن والرأس تكون متحركة هائجة فى حالِالرَّمَد، والجِماعُ مما يَزيد حركتَها وثَوَرانَها، فإنَّه حركةٌ كلية للبدنوالروح والطبيعة. فأمَّا البدن، فيسخُنُ بالحركة لا محالة، والنفس تشتدُّ حركتهاطلباً للذة واستكمالها، والروحُ تتحرك تبعاً لحركة النفس والبدن، فإنَّ أول تعلقالروح من البدن بالقلب، ومنه ينشأ الروحُ، وتَنبثُّ فى الأعضاء. وأما حركةُالطبيعة، فلأجل أن تُرسِلَ ما يجب إرسالُه مِن المَنِىِّ على المقدار الذى يجبُإرسالُه.

وبالجملة: فالجِماعُ حركة كلية عامة يتحرَّك فيها البدن وقُواه،وطبيعته وأخلاطه، والروحُ والنفس، فكلُ حركة فهى مثيرة للأخلاط مرققةٌ لها تُوجبدفعَها وسيلانها إلى الأعضاء الضعيفة، والعَيْنُ فى حال رمدها أضعفُ ما تكون،فأضرُّ ما عليها حركةُ الجِمَاع.

قال ((بقراط)) فى كتاب ((الفصول)): وقد يَدُلُّ ركوبُ السفُن أنَّالحركة تُثَوِّرُ الأبدان. هذا مع أنَّ فى الرَّمد منافعَ كثيرة، منها ما يستدعيهمِن الحِمية والاستفراغ، وتنقيةِ الرأس والبدن من فضلاتهما وعُفوناتهما، والكفِّعما يُؤذى النفس والبدن من الغضب، والهم والحزن، والحركاتِ العنيفة، والأعمالالشاقة. وفى أثر سَلَفىٍّ: لا تَكرهوا الرَّمدَ، فإنه يقطع عروق العَمَى.

ومن أسباب علاجه ملازمةُ السكون والراحة، وتركُ مس العَيْنوالاشتغال بها، فإنَّ أضداد ذلك يُوجب انصبابَ المواد إليها. وقد قال بعضُالسَّلَف: مَثلُ أصْحَابِ مُحَمَّدٍ مَثَلُ العَيْن، ودَوَاءُ العَيْنِ تَرْكُمَسِّها. وقد رُوى فى حديث مرفوع، الله أعلم به: ((علاجُ الرَّمد تَقطيرُ الماءِالباردِ فى العَيْن)) وهو من أنفع الأدوية للرَّمد الحار، فإنَّ الماء دواء بارديُستعان به على إطفاء حرارةِ الرَّمد إذا كان حاراً، ولهذا قال عبدُ الله بن مسعودرضى الله عنه، لامرأتِه زينبَ وقد اشتَكتْ عينُها: لو فَعلتِ كما فَعَلَ رسول اللهصلى الله عليه وسلم كان خيراً لكِ وأجدَرَ أن تُشْفى، تَنْضَحِينَ فى عينِكِالماءَ، ثم تقولينَ: ((أَذهِبْ البأْسَ ربَّ النَّاس، واشْفِ أنتَ الشَّافِى، لاشِفاءَ إلا شِفَاؤك، شِفاءً لا يُغادِرُ سَقَماً)). وهذا مما تقدَّم مراراً أنهخاصٌ ببعض البلاد، وبعضِ أوجاع العَيْن، فلا يُجعل كلامُ النبوَّة الجزئىُّ الخاصكُلياً عاماً، ولا الكُلىُّ العام جزئياً خاصاً، فيقعَ من الخطإ، وخلاف الصواب مايقعُ.. والله أعلم.

هذه المعلومات والوصفات للمعرفة فقط وليست وصفات علاجية، ويجب استشارة الطبيب المعالج قبل تناولها؛ فالكثير من الأعراض قد يتشابه، ولذلك يجب تشخيص الحالات المرضية بدقة.