الأمانة وهوصلى الله عليه وسلم في كل هذا في طاعة ربه وعبادة خالقه : ولكن لما كان أرفع الخلق عند الله مكانة وأعلاهم درجة وأتمهم به معرفة وكانت حاله عند خلوص قلبه وخلو همه وتفرده بربه وإقباله بكليته عليه ومقامه هنالك أرفع حاليه رأى صلى الله عليه وسلم حال فترته عنها وشغله بسواها غضاًمن عليِّ حاله وخفظاً من رفيع مقامه فاستغفر الله من ذلك :هذا أولى وجوه الحديث وأشهرها وإلى معنى ما أشرنا به مال كثير من الناس وحام حوله فقارب ولم يرد وقد قررنا غامض معناه وكشفنا للمستفيد مُحيَّاه وهومبني على جواز الفترات والغفلات والسهو في غير طريق البلاغ على ما سيأتي ..وذهبت طائفة من أرباب القلوب ومشيخة المتصوفة ممن قال بتنْزيه النبيصلى الله عليه وسلم عن هذا جملة وأجله أن يُجوِّز عليه في حال سهو أو فترة إلى أن معنى الحديث ما يهم خاطره ويغم فكره من أمر أمتهصلى الله عليه وسلم لإهتمامه بهم وكثرة شفقته عليهم فيستغفر لهم .. قالوا وقد يكون الغين هنا على قلبه السكينة تتغشاه لقوله تعالى : (فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ) (التوبة : 40 ) ويكون استغفاره عندها إظهاراََ للعبودية والإفتقار..قال ابن عطاء : اسنغفاره وفعله هذا تعريف للأمة يحملهم على الإستغفار..وقال غيره : ويستشعرون الحذر ولا يركنون إلى الأمن ..وقد يحتمل أن تكون هذه الإعانة حالة خشية وإعظام تغشى قلبه فيستغفر حينئذ شكراً لله وملازمة لعبوديته كما قال في ملازمة العبادة : أفلا أكون عبداً شكوراً..وعلى هذه الوجوه يحمل ما رُوي في بعض طُرق هذا الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه ليُغان على قلبي في اليوم أكثر من سبعين مرة فأستغفر الله ...فإن قلت فما معنى قوله تعالى لمحمدصلى الله عليه وسلم : (وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (الأنعام : 35 ) وقوله لنوح عليه السلام :( (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ
بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (هود : 46 ) .؟ فاعلم أنه لا يُلتفت في ذلك إلى قول من قال في آية نبينا صلى الله عليه وسلم لا يكوننَّ ممن يجهل أن الله لو شاء لجمعهم على الهدى، وفي آية نوح لا تكوننَّ ممن يجهل أن وعد الله حق .لقوله: (وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) (هود : 45 ) إذ فيه إثبات الجهل بصفة من صفات الله وذلك لا يجوز عللى الأنبياء والمقصود وعظهم أن لا يتشبهوا في أمورهم بسمات الجاهلين كما قال : (إِنِّي أَعِظُكَ) وليس في آية منها دليل على كونه على تلك الصفة ،نهاهم عن الكون عليها فكيف وآية نوح قبلها (مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ) فحمل ما بعدها على ما قبلها أوْلى لإن مثل هذا قد يحتاج إلى إذن وقد تجوز إباحة السؤال فيه ابتداءً فنهاه الله أن يسأله عما طوى عنه علمَه وأكنَّه من غيبه من السبب الموجب لهلاك ابنه ثم أكمل الله تعالى نعمته عليه بإعلامه ذلك بقوله تعالى :( إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) (هود : 46 ) ...حكى معناه مكي . كذلك أمر نبيناصلى الله عليه وسلم في الآية الأخرى بالتزام الصبر على إعراض قومه ولا يحرج عند ذلك ،فيقارب حال الجاهل بشدة التحسر .حكاه أبو بكر بن فورك..وقيل معنى الخطاب لأمة محمدصلى الله عليه وسلم،أي فلا تكونوا من الجاهلين .حكاه أبو محمد مكي وقال مثله في القرآن كثير .فبهذا الفضل وجب القولُ بعصمة الأنبياء منه بعد النبوة قطعاً ... فإن قلت : فإذا قررتَ عصمتهم من هذا وأنه لا يجوز عليهم شيء من ذلك : فما معنى إذاً وعيد الله لنبيناصلى الله عليه وسلم على ذلك إن فعله وتحذيره منه كقوله تعالى : ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ
عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( 65 )) (الزمر : 65 ).. وقوله تعالى : (وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ) (يونس : 106 ) وقوله تعالى: (إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً) (الإسراء : 75 ).. (لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ) (الحاقة : 45 )... وقوله تعالى:( وإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ) (الأنعام : 116 ) .. وقوله تعالى:( فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ ) (الشورى : 24 ) .. وقوله تعالى:( (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (المائدة : 67 ) .. وقوله تعالى:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً) (الأحزاب : 1 )
فاعلم ـ وفقنا الله وإياك ـ أنه لا يصح ولا يجوز عليه أن لا يبلغ ،ولا أن يخالف أمر ربه ،ولا أن يشرك به... ولا يتقول على الله ما لا يجب أو يفتري عليه،أو يضل ،أو يُختَم على قلبه ،أو يطيع الكافرين ...لكن يسَّر أمرَه بالمكاشفة والبيان في البلاغ للمخالفين وأن إبلاغه إن لم يكن بهذه السبيل فكأنه ما بلغ و طيب نفسه وقوى قلبه بقوله تعالى :( َاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ )(المائدة : 67 ).كما قال تعالى لموسى وهارون : (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) (طه : 46 ).لتشتدَّ بصائرهم في الإبلاغ وإظهار دين الله ويُذهب عنهم خوف العدو المضعف للنفس.
وأما قوله تعالى : (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ *) ( الحاقّة44-47)... وقوله تعالى: إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً) (الإسراء 75 )..فمعناه أن هذا جزاء من فعل هذا وجزاؤك لو كنت ممن يفعله ،وهو لا يفعله ..,وكذلك قوله تعالى :( وإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ) (الأنعام : 116 ) ..فالمراد غيره كما قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ) (آل عمران : 149 ).. وقوله تعالى:( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (الشورى : 24 ) وقوله تعالى: ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( 65 )) (الزمر : 65 )..وما أشبهه فالمراد غيره وأن هذه حال من أشرك ، والنبي لا يجوز عليه هذا .. وقوله تعالى: :(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً) (الأحزاب : 1 ) فليس فيه أنه أطاعهم ، والله ينهاه عما يشاء ويأمره بما يشاء كما قال تعالى : (وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ
مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) (الأنعام : 52 ) وما كان طردهم ولا كان من الظالمين.
