فيما يجب للنبيصلى الله عليه وسلم ، وما يستحيل في حقه ، وما يجوز عليه ، وما يمتنع ويصح من الأحوال البشرية أن يضاف إليه .
مقدمة القسم الثالث
قال الله تعالى:(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل عمران : 144 )
وقال: (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (المائدة : 75 )
وقال: (وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً) (الفرقان : 20 )
وقال : (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) (الكهف : 110 )
فمحمدصلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء من البشر ولولا ذلك أطاق الناس مقاومتهم والقبول عنهم ومخاطبتهم . قال الله تعالى : (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ) (الأنعام : 9 )أي لما كان إلا في صورة البشر الذين يمكنهم مخالطتهم .إذ لا يطيقون مقاومة الملك ومخاطبته ورؤيته إذا كان على صورته .وقال الله تعالى: (قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَّسُولاً) (الإسراء : 95 ) أي لا يمكن في سنة الله إرسال الملك إلا لمن هو من جنسه أو من خصه الله تعالى واصطفاه وقواه على مقاومته كالأتبياء والرسل... فالأنبياء والرسل عليهم السلام وسائط بين الله تعالى وبين خلقه يبلغونهم أوامره ونواهيه ووعده ووعيده ويعرفونهم بما لم يعلموه من أمره وخلقه وجلاله وسلطانه وجبروته وملكوته فظواهرهم وأجسادهم وبنيتهم متصفة بأوصاف البشر طاريء عليها ما يطرأ على البشر من الأعراض والأسقام والموت والفناء ونعوت الإنسانية ،وأرواحهم وبواطنهم متصفة بأعلى من أوصاف البشر متعلقة باملأ الأعلى متشبهة بأوصاف الملائكة سليمة من التغير والآفات لا ياحقها غالبا عجز البشرية ولا ضعف الإنسانية إذ لو كانت بواطنهم خالصة للبشرية كظواهرهم لما أطاقوا الأخذ عن الملائكة ورؤيتهم ومخاطبتهم ومخالَّتهم كما لا يطيقه غيرهم من البشر ولو كانت أجسادهم وظواهرهم متسمة بنعوت الملائكة وبخلاف صفات البشر لما أطاق البشر ومن أُرسلوا إليه مخالطتهم كما تقدم من قول الله تعالى فجُعلوا من جهة الأجسام والظواهر مع البشر ومن جهة الأرواح والبواطن مع الملائكة ،كما قال صلى الله عليه وسلم : لو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن أخوة الإسلام ،لكن صاحبكم خليل الرحمن. وكما قال صلى الله عليه وسلم : تنام عيناي ولا ينام قلبي ،إني لست كهيأتكم أظل يطعمني ربي
ويسقيني . فبواطنهم منزهة عن الآفات مطهرة عن النقائص والإعتلالات،وهذه جملة لن يكتفي بمضمونها كل ذي همة بل الأكثر يحتاج إلى بسط وتفصيل على ما نأتي به بعد هذا في البابين بعون الله تعالى وهو حسبي ونعم الوكيل..
البــــــاب الأول
فيما يختص بالأمور الدينية والكلام في عصمة نبينا صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين
ويشتمل على تمهيد و 16 فصلا :
1- عصمة النبي صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله
2- في عصمة الأنبياء عليهم السلام قبل النبوة
3- في كون قلوب الأنبياء عليهم السلام احتوت على المعرفة والعلم بأمور الدين والدنيا...
4- في عصمة النبيصلى الله عليه وسلم من الشيطان وكفايته منه ...
5- في صدق أقوالهصلى الله عليه وسلم
6- سؤالات لبعض الطاعنين
7- حاله صلى الله عليه وسلم في أخبار الدنيا
8- في حديث السهو
9- في عصمة الأنبياء من الفواحش والكبائر الموبقات
10- في عصمة الأنبياء قبل النبوة
11- حكم السهو والنسيان في الأفعال
12- في الكلام على الأحاديث المذكور فيها السهو منه صلى الله عليه وسلم
13- في الرد على من أجاز عليهم الصغائر
14- حا ل الأنبياء في الخوف والإستغفا ر
15-في تنزيه النبيصلى الله عليه وسلم عما لا يجب أن يضاف إليه
16- في القول في عصمة الملائكة
تـــــمـــهـــــــيـــد
قال القاضي أبو الفضل وفَّقه الله : اعلم أن الطواريء من التغيرات والآفات على آحاد البشر لا يخلو أن تطرأ على جسمه أو على حواسه بغير قصد واختيار كالأمراض والأسقام أو تطرأ بقصد واختيار ،وكله في الحقيقة عمل وفعل ولكن جرى رسم المشايخ بتفصيله إلى ثلاثة أنواع :عقد بالقلب ،وقول باللسان، وعمل بالجوارح ، وجميع البشر تطرأ عليهم الآافات والتغيرات بالإختيار وبغير الإختيار في هذه الوجوه كلها والنبيصلى الله عليه وسلم وإن كان من البشر ويجوز على جبلته ما يجوز على جبلة البشر فقد قامت البراهين القاطعة وتمت كلمة الإجماع على خروجه عنهم وتنزيهه عن كثير من الآفات التي تقع على الإختيار وعلى غير الإختيار كما سنبينُه إن شاء الله تعالى فيما نأتي به من التفاصيل.
