السبت 14 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 26 سبتمبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً ٤ – ٦ مساءً · عدا الجمعة

الفصل الثالث — الباب الثاني

الشفا بتعريف حقوق المصطفىالقسم الثاني — الباب الثاني

فيما روي عن السلف والأئمة من محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلموشوقهم له

*حدثنا القاضي الشهيد ، حدثنا الرازي ، حدثنا الجلودي ، حدثنا ابن سفيان ، حدثنا مسلم ، حدثنا قتيبة ، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن سهيل ، عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من أشد أمتي لي حباً يكونون بعدي ، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله .

ومثله عن أبي ذر .

-وقد تقدم حديث عمر رضي الله عنه ، و قوله للنبي صلى الله عليه وسلم: لأنت أحب إلى من نفسي . وما تقدم عن الصحابة في مثله .

-وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه : ما كان أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم

-وعن عبدة بنت خالد بن معدان ، قالت : ما كان خالد يأوي إلى فراش إلا وهو يذكر من شوقه إلى رسول صلى الله عليه وسلم وإلى أصحابه من المهاجرين والأنصار يسميهم ويقول : هم أصلي وفصلي ، وإليهم يحن قلبي ، طال شوقي ، فعَجِّل رب قبضي إليك حتى يغلبه النوم .

-وروي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: والذي بعثك بالحق لإسلام أبي طالب كان أقر لعيني من إسلامه -يعني أباه أبا قحافة ، وذلك أن إسلام أبي طالب كان أقر لعينك .

-ونحوه عن عمر بن الخطاب ، قاله للعباس رضي الله عنه : أن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب ، لأن ذلك أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وعن ابن إسحاق ان امرأة من الأنصار قتل أبوها وأخوها وزوجها يوم أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا : خيراً ، هو بحمد الله كما تحبين .

قالت : أرونيه حتى أنظر إليه . فلما رأته قالت : كل مصيبة بعدك جلل .

-وسئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه : كيف كان حبكم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كان والله أحب إلينا من اموالنا وأولادنا و آبائنا وأمهاتنا ، ومن الماء البارد على الظمأ .

-وعن زيد بن أسلمك : خرج عمر رضي اللله عنه ليلة يحرس الناس ، فرأى مصباحاً في بيت ، وإذا عجوز تنفش صوفاً ، و تقول :

على محمد صلاة الأبرار صلى عليه الطيبون الأخيار

قد كنت قواماً بكاً بالأسحار يا ليت شعري والمنايا أطوار

هــل تـجـمـعـنـي وحـبـيـبي الـدار

تعني النبي صلى الله عليه و سلم . فجلس عمر رضي الله عنه يبكي ، و في الحكاية طول .

-وروي أن عبد الله بن عمر خدرت رجله فقيل له :

اذكر أحب الناس إليك يزل عنك . فصاح : يا محمداه ! فانتشرت .

-ولما احتضر بلال رضي الله عنه نادت امرأته : واحزاناه ! فقال : واطرباه ! غداً ألقى الأحبهْ . محمداً وحزبهْ .

ومثله عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما .

-ويروى أن امرأة قالت لعائشة رضي الله عنها :

اكشفي لي قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكشفته لها فبكت حتى ماتت .

ولما أخرج أهل مكة زيد بن الدثنة من الحرم ليقتلوه قال ابو سفيان ابن حرب : أنشدك بالله يا زيد ، أتحب أن محمداً الآن عندنا مكانك تضرب عنقه ، وإنك في أهلك ؟

فقال زيد : والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة وإني جالس في أهلي .

فقال أبو سفيان : ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً ! .

-وعن ابن عباس : كانت المرأة إذا أتت النبي صلى الله عليه وسلم حلفها بالله : ما خرجت من بغض زوج ولا رغبة بأرض عن ارض ، وما خرجت إلا حباً لله ورسوله .

-ووقف ابن عمر على ابن الزبير رضي الله عنهما بعد قتله فاستغفر له ، وقال : كنت والله ما علمت صواماً قواماً تحب الله ور سوله .

الفصل الرابع

فــي عـــلامـــة مـحـبـتـه صلى الله عليه وسلم

اعلم أن من أحب شيئاً آثره وآثر موافقته ، وإلا لم يكن صادقاً في حبه ، وكان مدعياً . فالصادق في حب النبي صلى الله عليه وسلم من تظهر علامة ذلك عليه ، وأولها الاقتداء به ، واستعمال سنته ، واتباع أقواله وأفعاله ، واجتناب نواهيه ، والتأدب بآدابه في عسره ويسره ، ومنشطه ومكرهه ، وشاهد هذا قوله تعالى (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (آل عمران : 31 ).

وإيثار ما شرعه وحض عليه على هوى نفسه وموافقة شهوته ، قال الله تعالى : (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر : 9 ).

و إسخاط العباد في رضا الله تعالى .

-حدثنا القاضي أبو علي الحافظ ، حدثنا أبو الحسن الصيرفي ، وأبو الفضل ابن خيرون ، قالا : حدثنا أبو يعلى البغدادي ، حدثنا محمد بن محبوب ، حدثنا أبو عيسى ، حدثنا مسلم بن حاتم ، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، عن أبيه عن علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب ، قال : قال أنس بن مالك رضي الله عنه : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا بني ، إن قدرت أن تصبح وتمسي ليس في قلبك غش لأحد فافعل .

ثم قال لي : يا بني ، و ذلك من سنتي ، ومن أحيا سنتي فقد أحبني ، و من أحبني كان معي في الجنة .

فمن اتصف بهذه الصفة فهو كامل المحبة لله ورسوله ، و من خالفها في بعض هذه الأمور فهو ناقص المحبة ، و لا يخرج عن اسمها .

ودليله قوله صلى الله عليه وسلم للذي حده في الخمر فلعنه بعضهم ، وقال : ما أكثر ما يؤتى به !

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تلعنه ، فإنه يحب الله و رسوله

-ومن علامات محبة النبي صلى الله عليه وسلم كثرة ذكره له ، فمن أحب شيئاً أكثر ذكره .

-ومنها كثرة شوقه إلى لقائه ، فكل حبيب يحب لقاء حبيبه .

-وفي حديث الأشعريين عند قدومهم المدينة أنهم كانوا يرتجزون : غداً نلقى الأحبهْ. محمداً وصحبهْ .

وتقدم قول بلال .

-ومثله قال عمار قبل قتله . و ما ذكرناه من قصة خالد بن معدان .

-ومن علاماته مع كثرة ذكره رسول الله تعظيمه له وتوفيره عند ذكره وإظهار الخشوع والإنكسار مع سماع إسمه .

قال إسحاق التجيبي : كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعده لا يذكرونه إلا خشعوا واقشعرت جلودهم وبكوا .

وكذلك كثير من التابعين منهم من يفعل ذلك محبة له وشوقاً إليه ، ومنهم من يفعله تهيباً وتوقيراً .

ومنها محبته لمن أحب النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن هو بسببه من آل بيته وصحابته من المهاجرين والأنصار ، وعداوة من عاداهم ، وبغض من أبغضهم وسبهم ، فمن أحب شيئاً أحب من يحبه .

-وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحسن والحسين : اللهم إني أحبُّهما فأحبَّهما .

-وفي رواية -في الحسن : اللهم إني أحبُّه فأحبَّ من يحبُّه .

-وقال : من أحبهما فقد أحبني ، ومن أحبني فقد أحب الله ، ومن أبغضهما فقد أبغضني ، ومن أبغضني فقد أبغض الله .

-وقال : الله الله في أصحابي ، لا تتخذوهم غرضاً بعدي ، فمن أحبهم فبحبي أحبهم ، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ، ومن آذاهم فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه .

-وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في فاطمة رضي الله عنها : إنها بضعة مني ، يغضبني ما أغضبها .

-وقال رسول اللهصلى الله عليه وسلم لعائشة في أسامة بن زيد : أحبيه فإني أحبه .

-وقال : آية الإيمان حب الأنصار ، وآية النفاق بغضهم .

-وفي حديث ابن عمر : من أحب العرب فبحبي أحبهم ، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم .

فبالحقيقة من أحب شيئاً أحب كل شيء يحبه . وهذه سيرة السلف حتى في المباحات و شهوات النفس .

-وقد قال أنس حين رأى النبيصلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من حوالي القصعة : فما زلت أحب الدباء من يومئذ .

-وهذا الحسن بن علي ، وعبد الله بن عباس ، وابن جعفر ـ أتوا سلمى وسألوها أن تصنع لهم طعاماً مما كان يعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

-وكان ابن عمر يلبس النعال السبتية ، ويصبغ بالصفرة ، إذ رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعل نحو ذلك .

-ومنها بغض من أبغض الله ورسوله ، ومعاداة من عاداه ، ومجانبة من خالف سنته وابتدع في دينه ، واستثقاله كل أمر يخالف شريعته ، قال الله تعالى : (لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (المجادلة : 22 ).. وهؤلاء أصحابه صلى الله عليه وسلم قد قتلوا أحباءهم وقاتلوا آباءهم وأبناءهم في مرضاته . -وقال له عبد الله بن عبد الله بن أبي : لو شئت لأتيتك برأسه -يعني أباه .

-ومنها ان يحب القرآن الذي أتي به صلى الله عليه وسلم ، وهدي به واهتدى ، وتخلق به حتى قالت عائشة رضي الله عنها : كان خلقه القرآن ، وحبه للقرآن تلاوته ، والعمل به وتفهمه .

ويحب سنته ، و يقف عند حدودها .

-قال سهل بن عبد الله : علامة حب الله حب القرآن ، وعلامة حب القرآن حب النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلامة حب النبي صلى الله عليه وسلم حب السنة ، وعلامة حب السنة حب الآخرة ، وعلامة حب الآخرة بغض الدنيا ، وعلامة بغض الدنيا ألا يدخر منها إلا زاداً وبلغة إلى الآخرة .

-وقال ابن مسعود : لا يسأل أحد عن نفسه إلا القرآن ، فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ورسوله .

-ومن علامة حبه للنبي صلى الله عليه وسلم شفقته على أمته ، ونصحه لهم ، وسعيه في مصالحهم ، ورفع المضار عنهم كما كان الرسول صلى الله عليه وسلمبالمؤمنين رؤوفاً رحيماً .

-ومن علامة تمام محبته زهد مدعيها في الدنيا ، وإيثار الفقر ، واتصافه به .

وقد قال صلى الله عليه وسلم لأبي سعيد الخدري : إن الفقر إلى من يحبني منكم أسرع من السيل من أعلى الوادي ، أو الجبل إلى أسفله

وفي حديث عبد الله بن مغفل : قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ، إني أحبك .فقال : انظر ما تقول . قال : والله إني أحبك ـ ثلاث مرات . قال : إن كنت تحبني فأعد للفقر تجفافاً .

ثم ذكر نحو حديث أبي سعيد بمعناه .

هذه المعلومات والوصفات للمعرفة فقط وليست وصفات علاجية، ويجب استشارة الطبيب المعالج قبل تناولها؛ فالكثير من الأعراض قد يتشابه، ولذلك يجب تشخيص الحالات المرضية بدقة.