في عصمة الله تعالى له صلى الله عليه وسلم مـن النـــاس
* قال الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (المائدة : 67 )
-وقال تعالى : (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ) (الطور : 48 )
-وقال : (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) (الزمر : 36 )
وقيل : بكاف محمداً صلى الله عليه وسلم أعداءه المشركين . و قيل غير هذا .
وقال تعالى: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ)
(الحجر : 95 ).
وقال : (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الأنفال : 30 )
-أخبرنا القاضي الشهيد أبو علي الصدفي بقرائتي عليه ، والفقيه الحافظ أبو بكر محمد عبد الله المعافري قالا : حدثنا أبو الحسن الصيرفي ، قال : حدثنا أبو يعلى البغدادي ، حدثنا أبو علي السنجي ، حدثنا أبو العباس المروزي ، حدثنا أبو عيسى الحافظ ، حدثنا عبد بن حميد ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا الحارث بن عبيد ، عن سعيد الجريري ، عن عبد الله بن شفيق ، عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية : (وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) ـ فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة ، فقال لهم : يأيها الناس ، انصرفوا ، فقد عصمني ربي عز وجل .
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل منزلاً اختار له أصحابه شجرة يقيل تحتها ، فأتاه أعرابي فاخترط سيفه ثم قال : من يمنعك مني ؟ فقال : الله عز وجل.. فرعدت يد الأعرابي ، وسقط سيفه ، وضرب برأسه الشجرة حتى سال دماغه ، فنزلت الآية .
-وقد رويت هذه القصة في الصحيح ، وأن غورث بن الحارث صاحب هذه القصة ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عنه فرجع إلى قومه ، وقال : جئتكم من عند خير الناس
-وقد حكيت مثل هذه الحكاية ، وأنها جرت له يوم بدر ، وقد انفرد من أصحابه لقضاء حاجته ، فتبعه رجل من المنافقين ... و ذكر مثله .
-وقد روي أنه وقع له مثلها في غزوة غطفان بذي أمر ، مع رجل اسمه دعثور بن الحارث ، وأن الرجل أسلم ، فلما رجع إلى قومه الذين أغروه ـ وكان سيدهم وأشجعهم ـ قالوا له : أين ما كنت تقول ، وقد أمكنك ؟ فقال : إني نظرت إلى رجل أبيض طويل دفع في صدري ، فوقعت لظهري ، وسقط السيف ، فعرفت أنه ملك ، و أسلمت .
وفيه نزلت (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (المائدة : 11 )
-وفي رواية الخطابي أن غورث بن الحارث المحاربي أراد أن يفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يشعر به إلا وهو قائم على رأسه منتضياً سيفه ، فقال : اللهم اكفنيه بما شئت ، فانكب من وجهه من زلخة زلخها بين كتفيه ونذر سيفه من يده . الزلخة :
وجع الظهر . وقيل في قصته غير هذا ، وذكر فيه نزلت : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)
(المائدة : 11 )
-وقيل : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاف قريشاً ، فلما نزلت هذه الآية استلقى ، ثم قال : من شاء فليخذلني .
وذكر عبد بن حميد ، قال : كانت حمالة الحطب تضع العضاه ـ وهي جمر ـ على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنما يطؤها كثيباً أهيل .
-وذكر ابن اسحاق عنها أنها لما بلغها نزول : (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) (المسد : 1 )، وذكرها بما ذكرها الله مع زوجها من الذم ـ أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد ومعه أبو بكر ، وفي يدها فهر من الحجارة . فلما وقفت عليهما لم تر إلا أبا بكر ، وأخذ الله تعالى ببصرها عن نبيه صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا أبا بكر أين صاحبك ؟ فقد بلغني أنه يهجوني ، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه .
-وعن الحكم بن أبي العاصي : تواعدنا على النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا رأيناه سمعنا صوتاً خلفنا ما ظننا أنه بقي بتهامة أحد ، فوقعنا مغشياً علينا ، فما أفقنا حتى قضى صلاته ورجع إلى أهله .
ثم تواعدنا ليلة أخرى ، فجئنا حتى إذا رأيناه جاءت الصفا والمروة ، فحالت بيننا وبينه .
-وعن عمر رضي الله عنه : تواعدت أنا وأبو جهم بن حذيفة ليلة قتْل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئنا منزله ، فسمعنا له ، فافتح وقرأ : ( الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ * فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ *سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ *(الحاقة.)
فضرب أبو جهم على عضد عمر،وقال: انجُ ،وفرا هاربين، فكانت من مقدمات إسلام عمر رضي الله عنه .
-ومنه العبرة المشهورة ، والكفاية التامة عندما أخافته قريش ، وأجمعت على قتله وبيتوه ، فخرج عليهم من بيته ، فقام على رؤوسهم ، وقد ضرب الله تعالى على أبصارهم ، وذر الترابَ على رؤوسهم ، وخلص منهم .
-وحمايته عن رؤيتهم في الغار بما هيأ الله له من الآيات ، ومن العنكبوت الذي نسج عليه ، حتى قال أمية بن خلف ـ حين قالوا : تدخل الغار : ما أربكم فيه ، وعليه من نسج العنكبوت ما أرى أنه قبل أن يولد محمد . ووقفت حمامتان على فم الغار ، فقالت قريش : لو كان فيه أحد لما كانت هناك الحمام .
-وقصته مع سراقة بن مالك بن جعشم حين الهجرة ، وقد جعلت قريش فيه وفي أبي بكر الجعائل ، فأنذر به ، فركب فرسه واتبعه حتى إذا قرب منه دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، فساخت قوائم فرسه ، فخر عنها ، واستقسم بالأزلام ، فخرج له ما يكره . ثم ركب ودنا حتى سمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو لا يلفت ، وأبو بكر رضي الله عنه يلتفت فقال للنبي صلى الله عليه وسلم : أتينا . فقال : لا تحزن إن الله معنا ، فساخت ثانية إلى ركبتها وخر عنها ، فزجرها فنهضت ولقوئمها مثل الدخان ، فناداهم بالأمان ، فكتب له النبي صلى الله عليه وسلم أماناً ، كتبه ابن فهيرة ، وقيل أبو بكر ، وأخبرهم بالأخبار ، وأمره النبي صلى الله عليه وسلم ألا يترك أحداً يلحق بهم .
فانصرف يقول للناس : كفيتم ما ها هنا .
وقيل : بل قال لهما : أراكما دعوتما علي ، فادعوا لي .
فنجا ، ووقَع في نفسه ظهور النبي صلى الله عليه وسلم.
-وفي خبر آخر : أن راعياً عرف خبرهما ، فخرج يشتد ، يعلم قريشاً ، فلما ورد مكة ضرب على قلبه ، فما يدري ما يصنع ، وأنسي ما خرج له حتى رجع إلى موضعه .
-وجاءه ـ فيما ذكر ابن إسحاق وغيره ـ أبو جهل ، بصخرة وهو ساجد ، وقريش ينظرون ، ليطرحها عليه ، فلزقت بيده ، وبست يداه إلى عنقه ، وأقبل يرجع القهقرى إلى خلفه ، ثم سأله أن يدعو له ، ففعل فانطلقت يداه ، وكان قد تواعد مع قريش بذلك ، وحلف لئن رآه ليدمغنه ، فسألوه عن شأنه ، فذكر أنه عرض لي دونه فحل ، ما رأيت مثله قط ، هم بي أن يأكلني .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ذاك جبريل ، لو دنا لأخذه .
-وذكر السمرقندي أن رجلاً من بني المغيرة أتى النبي صلى الله عليه وسلم ليقتله ، فطمس الله على بصره ، فلم ير النبي صلى الله عليه وسلم ، وسمع قوله ، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه .
-وذكر أن في هاتين القصتين ، نزلت :( إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ ( 8 ) وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ( 9 ) – يس.
ومن ذلك ما ذكره ابن أسحاق ، وغيره في قصته ، إذ خرج إلى بني قريظة ، في أصحابه ، فجلس إلى جدار بعض آطامهم ، فانبعث عمرو بن جحاش أحدهم ليطرح عليه رحى ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فانصرف إلى المدينة و أعلمهم بقصتهم .
-وقد قيل : أن قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (المائدة : 11 ) في هذه القصة نزلت .
-وحكى السمرقندي أنه خرج إلى بني النضير يستعين في عقل الكلابيين اللذين قتلهما عمرو بن أمية ، فقال له حيي بن أخطب : اجلس يا أبا القاسم حتى نطعمك ونعطيك ما سألتنا .
فجلس النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، وتوامر حيي معهم على قتله ، فأعلم جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، فقام كأنه يريد حاجته حتى دخل المدينة .
-وذكر أهل التفسير والحديث ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ـ أن أبا جهل وعد قريشاً لئن رأى محمداً يصلي ليطأن رقبته .
فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم أعلموه ، فأقبل ، فلما قرب منه ولى هارباً ناكصاً على عقبيه ، متقياً بيديه ، فسئل فقال : لما دنوت منه أشرفت على خندق مملوء ناراً كدت أهوي فيه ، وأبصرت هولاً عظيماً ، وخفق أجنحة قد ملأت الأرض .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : تلك الملائكة ، لو دنا لا ختطفته عضواً عضواً .
ثم أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم : (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى *إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى * أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى * كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ * (. سورة العلق 6-19.)
-وروي أن شيبة بن عثمان الحجبي أدركه يوم حنين ، وكان حمزة قد تقل أباه وعمه ، فقال : اليوم أدرك ثأري من محمد .فلما اختلط الناس أتاه من خلفه ، ورفع سيفه ليصبه عليه ، قال : فلما دنوت منه ارتفع إلي شواظ من نار أسرع من البرق ، فوليت هارباً ، وأحس بي النبي صلى الله عليه وسلم فدعاني ، فوضع يده على صدري ، وهو أبغض الخلق إلي ، فما رفعها إلا وهو أحب الخلق إلي . وقال لي : ادن فقاتل ... فتقدمت أمامه أضرب بسيفي وأقيه بنفسي ، ولو لقيت أبي تلك الساعة لأوقعت به دونه .
-وعن فضالة بن عمرو :
أردت قتل النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح ، وهو يطوف بالبيت ، فلما دنوت منه قال : أفضالة ؟ قلت : نعم . قال : ما كنت تحدث به نفسك ؟ قلت : لا شيء . فضحك واستغفر لي ، ووضع يده على صدري ، فسكن قلبي ، فوالله ما رفعها حتى ما خلق الله شيئاً أحب إلي منه .
-ومن مشهور ذلك خبر عامر بن الطفيل ، وأربد بن قيس ـ حين وفدا على النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان عامر قال له : أنا أشغل عنك وجه محمد فاضربه أنت . فلم يره فعل شئياً ، فلما كلمه في ذلك قال له : والله ما هممت أن أضربه إلا وجدتك بيني و بينه ، أفأضربك .
-ومن عصمته له تعالى أن كثيراً من اليهود والكهنة أنذروا به وعينوه لقريش ، وأخبرهم بسطوته بهم ، وحضوهم عل قتله ، فعصمه الله تعالى حتى بلغ فيه أمره .
ومن ذلك نصره بالرعب أمامه مسيرة شهر ، كما قال صلى الله عليه وسلم .
