في إعجاز القرآن ـ الوجه الثاني:النظم والاسلوب
الوجه الثاني من إعجازه صورة نظمه العجيب ، والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها الذي جاء عليه ، ووقفت مقاطع آية ، وانتهت فواصل كلماته إليه ، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له ، ولا استطاع أحد مماثلة شيء منه ، بل حارت فيه عقولهم ، وتدلهت دونه أحلامهم ، ولم يهتدوا إلى مثله في جنس كلامهم من نثر أو نظم ، أو سجع أو رجز ، أو شعر .
ولما سمع كلامه صلى الله عليه وسلم الوليد بن المغيرة ، وقرأ عليه القرآن ـ رقّ ، فجاءه أبو جهل منكراً عليه ـ قال : والله ما منكم أحد أعلم بالأشعار مني ، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا .
-وفي خبره الآخر ـ حين جمع قريشً عند حضور الموسم ، وقال : إن وفود العرب ترد فأجمعوا فيه رأياً لا يكذب بعضكم بعضاً ، فقالوا : نقول كاهن . قال : والله ما هو بكاهن . ما هو بزمزمته ولا سجعه .
قالوا : مجنون : قال : ما هو بمجنون ، ولا بخنقه ولا وسوسته .
قالوا : فنقول شاعر . قال : ماهو بشاعر . قد عرفنا الشعر كله ، رجزه ، وهزجه ، وقريضه ، و مبسوطه ، ومقبوضه ، ما هو بشاعر . قالوا : فنقول ساحر . قال : ما هو بساحر ، ولا نفثه ولا عقده .
قالوا : فما نقول : قال : ما أنتم بقائلين من هذا شيئاً ، إلا وأنا أعرف أنه باطل ، وإن أقرب القول أنه ساحر ، فإنه سحر يفرق بين المرء وابنه ، والمرء وأخيه ، والمرء وزوجه ، والمرء وعشيرته .
فتفرقوا وجلسوا على السبل يحذرون الناس ، فأنزل الله تعالى في الوليد : (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ( 11 ) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً ( 12 ) وَبَنِينَ شُهُوداً ( 13 ) وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً ( 14 ) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ( 15 ) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيداً ( 16 ) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ( 17 ) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ( 18 ) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ( 19 ) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ( 20 ) ثُمَّ نَظَرَ ( 21 ) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ( 22 ) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ( 23 ) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ( 24 ) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ( 25 ) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ( 26 ) -( المدثر ) .
-وقال عتبة بن ربيعة حين سمع القرآن : يا قوم ، قد علمتم أني لم أترك شيئاً إلا وقد علمته وقرأته وقلته ، والله لقد سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط ، ما هو بالشعر ، ولا بالسحر ، ولا بالكهانة .
-وقال النضر بن الحارث نحوه .
-وفي حديث إسلام أبي ذر ووَصَف أخاه أنيساً ، فقال : والله ما سمعت بأشعر من أخي أنيس ، لقد ناقض اثني عشر شاعراً في الجاهلية ، أنا أحدهم ، وإنه انطلق إلى مكة ، وجاء إ لى أبي ذر بخبر النبي صلى الله عليه وسلم . قلت : فما يقول الناس ؟ قال : يقولون : شاعر :
كاهن ، ساحر ، لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ، ولقد وضعته على أقراء الشعر فلم يلتئم ، وما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر ، وإنه لصادق ، وإنهم لكاذبون .
-والأخبار في هذا صحيحة كثيرة .
-والإعجاز بكل واحد من النوعين : الإيجاز والبلاغة بذاتها ، أو الأسلوب الغريب بذاته ، كل واحد منهما نوع إعجازه على التحقيق ، لم تقدر العرب على الإتيان بواحد منهما ، إذا كل واحد خارج عن قدرتها ، مباين لفصاحتها و كلامها ، وإلى هذا ذهب غير واحد من أئمة المحققين .
و ذهب بعض المحققين المقتدي بهم إلى أن الإعجاز في مجموع البلاغة والأسلوب ، وأتى على ذلك بقول تمجه الأسماع ، وتنفر منه القلوب . والصحيح ما قدمناه ، و العلم بهذا كله ضرورة قطعاً .
ومن تفنن في علوم البلاغة ، وأرهف خاطره ولسانه أدب هذه الصناعة لم يخف عليه ما قلناه .
-وقد اختلف أئمة أهل السنة في وجه عجزهم عنه ، فأكثرهم يقول : إنه ما جمع في قوة جزالته ، ونصاعة ألفاظه ، وحسن نظمه ، وإيجازه ، وبديع تأليفه وأسلوبه لا يصح أن يكون في مقدور البشر ، وأنه من باب الخوارق الممتنعة عن إقدار الخلق عليها ، كإحياء الموتى ، وقلب العصا ، وتسبيح الحصى .
وذهب الشيخ أبو الحسن إلى أن مما يمكن أن يدخل مثله تحت مقدور البشر ، ويقدرهم الله عليه ، ولكنه لم يكن هذا ولا يكون ، فمنعَهم اللهُ هذا ، و عجَّزهم عنه .
-وقال به جماعة من أصحابه .
-وعلى الطريقين فعجز العرب عنه ثابت ، وإقامة الحجة عليهم بما يصح أن يكون في مقدور البشر ، وتحديهم بأن يأتوا بمثله قاطع ، وهو أبلغ في التعجيز ، وأحرى بالتقريع ، والإحتجاج بمجيء بشر مثلهم بشيء ليس من قدرة البشر لازم ، وهو أبهر آية ، وأقمع دلالة .
وعلى كل حال فما أتوا في ذلك بمقال ، بل صبروا على الجلاء ، والقتل ، وتجرعوا كاسات الصَّغار والذل ، وكانوا من شموخ الآنف ، وإباية الضيم ، بحيث لا يؤثرون ذلك اختياراً ، ولا يرضونه إلا اضطراراً ، وإلا فالمعارضة لو كانت من قدرهم ، الشغل بها أهون عليهم وأسرع بالنجح وقطع العذر وإفحام الخصم لديهم ، وهم ممن لهم قدرة على الكلام ، وقدوة في المعرفة به لجميع الأنام ، وما منهم إلا من جهد جهده ، واستنفد ما عنده في إخفاء ظهوره ، وإطفاء نوره ، فما جلوا في ذلك خبيئةً من بنات شفاههم ، ولا أتوا بنطفة من معين مياههم ، مع طول الأمد ، و كثرة العدد ، و تظاهر الوالد وما ولد ، بل أبلسوا فما نبسوا ، ومنعوا فانقطعوا ، فهذان نوعان من إعجازه .
